آراءمقالات

الإسلام.. و«الحرية الدينية».. وتأويل القرضاوي

د. إسماعيل علي
Latest posts by د. إسماعيل علي (see all)

يقول الشيخ يوسف القرضاوي، ‏قرَّر الإسلام «الحرية الدينية» الحقَّة، وأرسى دعائمها، ودافع عنها، حتى رأينا أول نص قرآني شرع القتال للمسلمين، جعل من أهدافه: الدفاع عن حرية الأديان جميعًا، فهو يقاتل دفاعًا عن معابد اليهود والنصارى «من الصوامع والبِيَع والصلوات»، كما يدافع عن مساجد المسلمين.

 

مع تقديرنا لفضيلة الشيخ ـ وهو أستاذنا ـ؛ أرى أن استشهاده على الحرية الدينية في الإسلام بهذه الطريقة من التعميم، وما قاله بأنّ مِن أهداف تشريع القتال في الدين الحنيف “الدفاعَ عن حرية الأديان جميعا”.. إلخ؛ هو لون من التكلف، ومحاولة استنطاق النص القرآنيّ ما لا ينطق به، مع ما في صياغة المنشور من عدم الدقة!!

 

والنص القرآنيّ الذي يقصده الشيخ، ويحمِّله فوق ما يحتمل، هو قوله تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (سورة الحج: 40).

 

وتأويل الشيخ للآية محل نظر!!

 

وأصوب ما قيل في تأويل الآية ـ كما أشار الإمام ابنُ عطية ـ: أنه لولا كفُّه تعالى المشركين بالمسلمين، وإِذنُه بمجاهدة المسلمين للكافرين لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمانهم فهدَّموا موضعَ عباداتهم، ولم يتركوا للنصارى بِيَعاً، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود كنائس، ولا للمسلمين مساجد، ولَغَلَب المشركون أهلَ الأديان.

 

فلولا هذا الدفعُ لهدِّم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبِيَع، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد.

 

ثم إن ما ذكره شيخنا عن علة تشريع القتال في أول نص قرآنيٍّ جاء بذلك التشريع مخالف لما نَصّت عليه الآية صراحة!!

 

وذلك أنّ أول نصٍّ قرآنيٍّ شَرَع القتال للمسلمين قد تضمن صراحة علةَ التشريع، وهي الظلم الواقع عليهم، ولم يترك تحديد العلة لاستنباطِ أحد، حيث قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39).

 

قال الشيخ “أبو زهرة”: (وقد عَلَّل اللهُ تعالى الإذنَ بالقتال بقوله: (بِأنَّهمْ ظُلِمُوا)، أي بسبب أنهم ظُلِموا).

 

وأما دفاع المسلمين عن معابد أهل الكتاب فليس على إطلاقه؛ بل مقيَّد بالذِّمِّيّين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فليس لكونها معابدَ تَعِجُّ بالكفر؛ بل لكونها داخلةً في ممتلكاتهم، وعقد الذمة يقتضي التزام المسلمين بالحفاظ على أرواحهم، وعلى ما يملكون..

 

ولو كان كلام الشيخ صحيحا لكانت أحكام الشريعة الإسلامية يناقض بعضُها بعضا!!

 

فهل يشرِّع الإسلامُ الجهادَ لتكون كلمةُ الله هي العليا، ويكونَ الدين كلُّه لله؛ وفي نفس الوقت يحمل على عاتقه حماية معابد الكفر والملل الباطلة في العالَم بإطلاق، ويجرّد الحملات دفاعا عنها؟!!

 

معاذ الله ..

 

واخيرا: لا أعتقد أنه يخفى على شيخنا أنه كان يمكنه الاستدلال للحرية الدينية في الإسلام بأدلة كثيرة مباشرة وصريحة، مثل قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (سورة البقرة: 256)، وقوله ﷺ «ألا مَن ظَلم مُعاهِداً أو انتَقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقَتِه أو أخَذ منه شيئًا بِغيرِ طِيبِ نَفسِ فأنا حَجِيجُهُ يوم القيامة» (رواه أبو داود، والبيهقيّ)، بالإضافة إلى التطبيق العمليّ للمسلمين في العصور الفاضلة ـ خاصة ـ.

 

والخروجُ مِن الخلاف أولى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى