آراءمقالات

الأمة بين القهر والفراغ السياسيَيْن

إن الخوف من السيف صنع مجتمعا بلا قيم، وأوجد مناخا بلا ذوق، وأفرغ من الحياة الثقة المتبادلة ما بين أطراف المجتمع، ولهذا نجد اليوم أن الحياة فقدت أهم مقوماتها لأجل أن تستمر، وحصل البديل عنها، فالجميع يخاف من الجميع.

 

إن القلم هو الذى يصنع النهضة، ويوجد البيئة الحضارية، ولا بديل عن القلم لصناعة النهضة، وليس عبثا أن يقسم المولى على القلم في قوله تعالى (ن. والقلم وما يسطرون)، ونجد في هذه المفردات ثلاثة أمور كلها تشير إلى قضايا مهمة في صناعة الانطلاقة الحضارية، فالحرف (ن) إشارة إلى أهمية تعلم الأحرف، والخروج من عالم الأمية، أي الحالة الأولى للإنسانية، أما المسألة الثانية فتشير إلى القلم وأهميته، فالقلم حين ينطلق بضوابطه الفكرية، وآفاقه العلمية، فإنه يُخرج الأمة من الجهالة، أي العيش في الهامش طويلا، والمسألة الثالثة هي ( ما يسطرون )، وهذه إشارة عجيبة إلى الكتاب، وعالم المكتبات، والمنتوجات الفكرية والعلمية، فالأمة العظيمة تفتخر بالإنتاج العلمي، أما الأمم العاطفية فما زالت تفتخر بالكلام المنمق، والشعر، والمدح، والرثاء، فهي تعيش في عالم الأشخاص والأحداث، بينما الأمم التى تكتب وتسطر تصنع النهضة، لأنها خرجت من عالم العواطف، والعاطفة مصدر مهم من مصادر صناعة الحياة، ولكن وحدها لا تصنع النهضات، فلا بد من القلم الذى يوجد المناخ العلمي، والبيئة الحضارية.

 

في سورة الحديد آية تعتبر دستورا كاملا للحياة (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز)، ونجد في ثنايا هذه الآية العجيبة عدة أمور :

 

أولا: لا وجود لحياة تكتمل فيها السعادة والنجاح إلا في ظل الدين الصحيح، ولكن قد تحقق بعض المجتمعات البشرية نجاحات مبهرة، ولكنها لا تحقق السعادة معها، وهذا ملحوظ في المجتمعات المادية التى تعيش في الحداثة، وما بعد الحداثة، وقد تحقق بعض المجتمعات نوعا من السعادة، والتى قد تكون ظاهرة، أو منقوصة، ولكن لا نجاح دنيوي مع هذه السعادة، وهذا ملحوظ عند بعض الناس، ولهذا وجدنا إن الدين عندنا من ضرورات الحياة، فكانت الرسالة مصاحبة لهذا الكائن الإنساني منذ الأزل، وصاحبت كل رسالة بينات تدلّ على صحتها (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات).

 

ثانيا: لقد حمل الرسل إلى البشر الكتاب، وحملوا مع الكتاب الميزان، واتفقت كلمة المفسرين بأن المراد من الكتاب الشرائع والأحكام، كما دلت أقوالهم إن المراد من الميزان هو العدل، ولهذا وجدنا أن الأمة حبن تفقد الميزان تفقد أهم مقومات البقاء، فالله لا يهلك الناس بسبب الكفر فقط، بل السبب الرئيسي لهلاك الناس هو الظلم، وغياب العدل.

 

ثالثا: إن الهدف من الدين، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتشريع الشرائع، وتقرير الأحكام هو القيام بالقسط، أي العدل، فلا معنى لكتاب يقرأ في المناسبات مع غياب الميزان، فالأمة التى تحوّل الدين إلى طقوس تصبح أضحوكة للشعوب، وهي بهذا تمثل عبئا على الدين، وعالة على غيرها، ولا تحقق في حياتها مقاصد الدين حتى ولو تمسكت ببعض ظواهر النصوص، وليس عبثا أن يجمع الله في هذه الآية بين الكتاب والميزان.

 

رابعا : لقد أشارت الآية إلى أمر آخر لا يقل أهمية عن الأمر الأول، وعبرت بالإنزال (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) فالحديد هنا يمثل الصناعات بأنواعها، والغريب في الآية أنها استخدمت عبارتين واضحتين في الدلالة (البأس الشديد، والمنفعة للناس)، فيه بأس شديد، أي القوة، وفِي العبارة إشارة إلى الصناعات الحربية، ومنافع للناس، وفيها إشارة إلى الصناعات المدنية، فلا نهضة لأمة تستورد من الخارج كل احتياجاتها من الإبرة حتى الصاروخ، وتعيش على منتوجات غيرها في عالم الأفكار، وفي عالم الصناعات، كما أن الآية تشير إلى أن الحياة تتطلب إلى كتاب يكون مرجعا لتحقيق الوحدة الفكرية والسلوكية، وإلى ميزان يحقق العدل في التعامل بين البشر، وإلى دولة تحمى الناس عن البغي العالمي، وعن الظلم الداخلي، فلا بقاء لدولة بدون تفاهمات داخلية، وهذا هو الميزان، ولا حياة لشعب ما بدون سيف تحمى، ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان، وأنه أنزل الحديد ليقوم الناس بالقسط، ولهذا كان قوام الدين كتاب يهدى، وسيف ينصر، وهذا ما تنبه إليه الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي أيضا، فمهمة الدولة تكمن في الحماية والرعاية، ولهذا يكرّر ابن تيمية قوله من عدل عن الكتاب قوّم بالسيف، وهذه تشير إلى أهمية الدولة في الحياة البشرية، والدولة حين تكون بلا كتاب، أي بلا مرجعية دستورية، وبلا ميزان، أي بلا تطبيقات واقعية لمقررات الدستور تكون كارثة فتتغوّل على الناس.

 

لا يمكن للأمة أن تعيش في الفراغ السياسي، ولكن كذلك ليس ممكنا أن تعيش في ظل القهر السياسي، وهذه الآية تقدم مشروع الخلاص من الآفتين، آفة الفراغ السياسي، وآفة القهر السياسي، والحل هو النظام الدستوري، والدستور لا يعنى مواد مكتوبة غير قابلة للتنفيذ، وأشارت دراسات عدة أن أزمة المسلمين سياسية، لأهم لم ينجحوا بعد في إنهاء ما نتج من سقوط الخلافة الراشدة، فما زال السيف مستخدما على رقاب الناس لأجل الحكم، وما زالت التجارب البشرية من حولنا تؤكد بأن القهر السياسي يؤدى إلى الفراغ السياسي، ولكن الحل أيضا ما زال واضحا في الوحي، فلا خروج من النفق إلا في ظل الوعي المجتمعي، وهو أن يملك الناس وعيا سياسيا مبنيا على الفكر والفقه، وبهذا النوع من التفكير التركيبي ننجح الخروج من النفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى