آراءمقالات

الأمة الإسلامية

Latest posts by محمد السخاوي (see all)

تنفرد أمتنا العربية، من بين كل أمم الأرض، بصفتها أنها الأمة الإسلامية، ليس بمعنى أنها الأمة الإسلامية الوحيدة، بل لأنها الأمة التي أسسها وكونها الإسلام، وجعل من قبائلها وعشائرها وشعوبها أمة واحدة، وليس بمعنى أن كل الشعب العربي من المسلمين، ولكن بمعنى أننا جميعًا مسلمين وغير مسلمين تنتمي إلى الحضارة الإسلامية، وهويتنا عربية إسلامية،  ليس بمعنى أن الإسلام قد أذاب وسحق كل المكونات الاجتماعية والسياسية (الطورية) التي سبقت تكوينه للأمة العربية، ولكن بمعنى أن العروبة، التي شكلها الإسلام، و حدد محتواها وجوهرها، وهويتها الإسلامية، قد احتضنت كل هذه المكونات في طور أعلي وأرقي منها جميعًا، هو الطور القومي العربي، طور المجتمع العربي الواحد، طور الأمة الواحدة، الأمة العربية، وبذلك، بالإسلام تشكلت وحدتنا التاريخية والمصيرية، لأن بانتمائنا للأمة العربية الواحدة، أمازيغ وكرد وقبط وسريان وآشوريين وعرب، توحدت مشكلاتنا فأصبحت مشكلات قومية لا تُفهم إلا في إطارها القومي ولا تُحل إلا بالإمكانيات القومية وبالأسلوب القومي، لا تغير التجزئة الاستعمارية الصهيونية لأمتنا من هذه الحقائق الموضوعية، وكذلك لا يغير ولا يطمس هذه الحقائق الموضوعية، كوننا إن شكلنا الإسلام أمة عربية واحدة، ونحن في أحضان دولة خلافة الإسلامية، فلا تناقض بين العروبة والإسلام، العكس هو الصحيح تمامًا، العلاقة بين الاثنين علاقة ترابط و تعاضد.

لأن الإسلام بالنسبة للأمة العربية ليس مجرد إضافة كما هو بالنسبة لغيرها من الأمم بل هو مكونها، هو عقلها الجمعي الذي تفكر به، فالعقل الجمعي لنا جميعًا مسلمين و غير مسلمين.

إن وحدتنا كأمة تفرض وحدتنا السياسية، ووحدتنا السياسية تفرض دولة الوحدة القومية علي كامل التراب القومي العربي المحدد تاريخيًا بدون زيادة أو نقصان، ذلك لأن الدولة القومية الواحدة، هي أداة تعبئة كل الطاقات العربية القومية المادية والمعنوية لحل وتجاوز كل المشكلات والمحن التي تعطل التقدم العربي، والأمر المنطقي أن هوية الدولة القومية العربية من هوية أمتها.

عند هذه النقطة تبرز المشكلة، مشكلة العجز العربي عن تجاوز التجزئة الاستعمارية الصهيونية للأمة، ويعود العجز العربي إلي عجز القوميين العرب، طبعًا توجد أسباب كثيرة داخلية وخارجية لهذا العجز، نعلمها نحن وغيرنا، لكن الأحق والأولى بإسقاط الضوء عليه الآن هو السبب الذي يعود لفشل القوميين العرب في التفاعل مع جماهير أمتهم العربية، وفي فهم البواعث القومية الحضارية لتحركات هذه الجماهير، وأبرز مثل تطبيقي ميداني علي هذا الفشل هو فشلهم في التفاعل مع الجماهير العربية من المحيط للخليج و قيادة حركتها أثناء ثورات الربيع العربي، أكثر من ذلك، فإن جل هؤلاء كانوا جزء لا يتجزأ من قوى الثورة المضادة، ومن ثم أصبحوا في خندق واحد مع كل أعداء الأمة،

من المفروض أن القوميين باعتبارهم قوميين يكونون الأكثر وعيًا بالوحدة الموضوعية والحضارية لأمتنا، هم ليسوا سواء مع بقية التيارات الأخرى -إسلاميون وعلمانيون- لأن هؤلاء الآخرين -وعيًا وحركة- يدورون مع واقع التجزئة حيث يدور، أما القوميون فمن المفروض أن يكونوا وحدويون قولًا و فعلًا، لكنهم يتكلمون كلامًا قوميًا و يفعلون عكس ما يقولون، وأثبت الربيع العربي أنهم لا يختلفون عن بقية التيارات في الدوران داخل النظام التجزئوي الاستعماري الصهيوني لأمتنا والانحصار داخل دولهم القطرية.

مثال واحد لا على سبيل الحصر ولكن علي سبيل التبيين لصدق ما نقول، زارني في صباح يوم من أيام عز الربيع العربي في منزلي و استراح سألني كيف أفكر، قلت على الفور أفكر في أداة قومية تنقل الربيع العربي الذي وحد الساحات العربية في ساحة واحدة موحدة الشعارات و الأهداف تنقله نوعيًا من حالة تعدد الثورات إلي حالة الثورة الواحدة لتخطي التجزئة و بناء دولة الوحدة، وسألت بدوري كيف تفكر أنت، قال أنا قادم إليك لأسألك: الانتخابات أولًا أم الدستور؟ قلت له: أنا لا تشغلني هذه القضية، ما يشغلني هو الثورة العربية و دولة الوحدة، نحن نعيش لحظة قومية تاريخية صنعتها الجماهير العربية، وبعد أقل من خمس دقائق غادرني لأنني لم أجاوبه علي سؤاله: الانتخابات أولًا أم الدستور.

هذه النماذج هي المسئولة عن إعادة فرض الحصار علي الجماهير العربية الثائرة، حصرها في السجون الإقليمية التي تسمي دولًا عربية، فبدلًا من أن يساهموا و يقودوا الجماهير العربية و يعبئوا كل طاقاتها المادية والجماهيرية لإنهاء التجزئة وإقامة الدولة القومية الواحدة تلبية للنزوع والأهداف الجماهيرية داعبت السلطة في كل دولة قلوبهم المريضة بأمراض التجزئة والإقليمية.

إن الاستعمار والصهيونية، عندما فرضوا علي أمتنا العربية الإسلامية تجزئة سايكس/بيكو 1916، ووعد بلفور 1917، لم يكتفوا بذلك، وإنما زيادة منهم في الحرص والحفاظ علي النظام التجزئوي الذي فرضوه علي الأمة، فإنهم عملوا علي تغيير ما أنعم الله به علي الناس، نعمة الوحدة تحت الراية والمظلة الإسلامية، واستبدال ذلك بالتجزئة والعلمانية حيث تكون التجزئة قاعدة لتوليد حالات متجددة من الفوضى السياسية والاجتماعية والدينية، وتكون العلمانية داعمة ومكرسة لهذه الفوضى، بما تحدثه من تناقض مفتعل بين العروبة و الإسلام، لذلك كانت التجزئة والعلمانية هما معًا المنهج الذي علي أساسه شكلت القوى الاستعمارية الصهيونية النخب الدينية والسياسية والاجتماعية و الثقافية و العسكرية والشرطية والقضائية… في دول التجزئة، بحيث تكون هذه النخب جميعًا عونًا لها في تثبيت وجود التجزئة و الصهيونية وبديلًا لها في حكم هذه الدول مستقبلًا (الاستعمار الجديد)، وهذا بالضبط ما تفعله هذه النخب الآن في أمتنا، تحكمنا بأمراض هذا المنهج العلماني الجزيئي وتصب مرضه علينا -تجزئة و علمانية، لم تستثنى النخب القومية في أمتنا من هذه الأمراض المنهجية الاستعمارية الصهيونية التي أصابت كل النخب وإن كانت أعراض هذا المرض تختلف مظاهرها في كل نخبة من هذه النخب إلي الأخرى، فالقوميون قوميون من منطلقات إقليمية وعلمانية، والإسلاميون يعيشون علي ما أفتعله العدو من تعارض بين الإسلام والعروبة، ولم يعترف الشيوعيون لا بالقومية ولا بالإسلام، فالقومية برجوازية أما الإسلام فهو أفيون الشعب ومغيب لوعيهم، والليبراليون قضيتهم الأساسية اقتصادية -ربح و خسارة بعيدًا عن الأمة والوطن والدين.

أنا هنا لا أوجه اتهامات ولكن أحاول أن أفهم المشكلة كما هي، لأن هذه هي المقدمة العلمية للوصول إلى الحل الصحيح لها.

وعلي قاعدة المنهج الإسلامي -منهج جدل الإنسان- التي تقول أن الماضي واقع مادي جامد غير قابل للإلغاء، فإن أمتنا ليست أرضًا بور، إنما هي أرض خصبة خضراء، مليئة ببذور الوحدة و الإيمان، إن أمتنا صاحبة رسالة إنسانية إيمانية تحررية، و صاحبة حضارة إنسانية تحررية للناس كافة، و غدًا ستنبت الأرض العربية نخبًا كلها قومية، وإن اختلفت تياراتها الفكرية والنظرية، وستكون النخبة القومية النخبة والمميزة وليست الممتازة بين كل النخب بدورها القومي الوحدوي الإنساني الإيماني لأنها ستكون في ذاتها الأمة العربية مصغرة، أمة واحدة لا مجزئة، ومؤمنة وليست علمانية، وعندئذ تستطيع النخبة القومية أن تقود أمتها كلها نحو التحرر والحرية والوحدة..

والله المستعان.

ستكون المقالة القادمة بمشيئة الله عن التنوير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى