الأمة الثقافية

الألفاظ المعرّبة في القرآن الكريم!

سألني صديق عزيز عن كلمات زعم الزاعمون أنها معرّبة ودخيلة، كما قيل إنها عربية أصيلة. فأين الصواب؟
* جوابي باختصار واختزال:
أذكر أني نشرت حلقات عن المعرب والدخيل وخرافة اللغات السامية، فلا ضير من مقاربة أخرى جوابا للتساؤل المذكور، فأقول:
اختلف القدماء في هذا الموضوع. وأرى أن سبب اختلافهم أنهم لم يعودوا إلى جذر الكلمة المختلف بشأن عربيتها أو عُجمتها. كما لم يعودوا إلى اللغات التي قالوا إن هذه اللفظة أو تلك جاءت من هذه اللغة أو تلك.
وعلى الرغم من أن التداخل بين اللغات حقيقة لا شك فيها، فإن بعض القدماء والمعاصرين اشتطوا في ذلك كثيرا، بلا دليل مقنع وبلا تحليل لغويّ يؤكد رأيهم. وعلى سبيل المثال، قالوا إن كلمة (بعير) عبرانية، و(أب) مغربية، و(إبريق) و(بيعة) فارسيتان، و(جبريل) أعجمية، و(الأرائك) حبشية، وأن أصل (الفردوس) برادايس، وكثير غير هذا. بل حتى كلمة (قرآن) عجّموها مثل كلمات أخرى عديدة.
واختلفوا في تجنيس اللفظة الواحدة، ما بين عبرانية وفارسية وحبشية وسريانية وغيرها.
وفي كتب التراث التي حققتها لم أعلق هوامش بشأن المعرّب والدخيل لأني أعتقد أن الحواشي لإضاءة الكتاب فيجب أن تكون وميضا لا إطالة فيه. ولقد وجدت في بعض ما حققت ألفاظا عربية ذهب المؤلفون إلى القول بأنها معرّبة ودخيلة، فالتزمت بمنهجي في اختزال الحواشي من غير إثقالها بتفصيل كلام عليها.
ومن الأمثلة على ذلك كلمة (بقّم) التي رآها بعضهم معربة. وهي من الجذور اللغوية التي ذكرتها معجمات اللغة باعتبارها عربية وليست معرّبة. وذكرت لها بعض المعجمات عديدا من المعاني، منها: الصوفة التي يُغزل لبُها، ويبقى سائرها. والطعنة النجلاء. وغيرها. ولكنهم حين وصلوا إلى الشجر المعروف بهذا الاسم، وهو شجر يُصبغ به، جعلها بعضهم معرّبة. بحجة أنْ ليس لدى العرب على وزن (فُعّل) إلا خمسة ألفاظ ذكرها ابن منظور. فلا أدري لماذا لا تكون ستة ألفاظ، أو أكثر، ما دام اللفظ قد ورد في الشعر الجاهليّ نفسه، إضافة إلى أن اللغة لم تصل إليهم كاملة، حسب اعترافهم؟ فهذا تناقض واضح بين عربية الجذر وأعجمية الاشتقاق المتلائم مع قوانين الاشتقاق في اللغة العربية.
أما ما ورد في التنزيل العزيز، مما مما وصف بأنه أعجمي أو معرّب، فليس من دليل يثبت ذلك. وإني إذ أقرر هذا لا أنسى أن كثيرا من المعاصرين حكم على بعض الألفاظ القرآنية بأنها عبرية أو سريانية أو فارسية، بل إن أساتذة جامعيين لم يتحرجوا من القول بأن القدماء لم يحسنوا تشخيص أصول تلك الكلمات لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يسمى بـ(اللغات السامية). وبذلك أكد هؤلاء الأساتيذ عجمة تلك الألفاظ، مما يناقض المنهج العلمي في دراسة اللغة العربية، والبحث في جذورها وأصولها. إضافة إلى ما نص عليه القرآن الكريم، بأنه عربي مبين، كما في: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) و(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) و(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وغيرها.
هكذا بكل صراحة غير قابلة لحذلقة القائلين بعجمة تلك الألفاظ. وأرى أن القائلين بذلك لم يكونوا إلا متابعين لما قاله باحثون من الثقافات الأخرى، ربما عملا بالمقولة المعروفة (لكل جديد لذة) مع احترامي للجميع.
————
د. هادي حسن حمودي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى