آراءمقالات

أُسَرٌ باتت في مَهَبّ الريح!!

د. إسماعيل علي
Latest posts by د. إسماعيل علي (see all)

يحرص الإسلامُ على سلامة الأسرةِ مِن التصدّع، ويعمل على صيانتها مِن الانهيار، ويحوطها بكل أنواع الرعاية كي تستمر في عافية وسعادة.

 

ولَمّا كان رباطُ الزوجية هو أساسَ بناءِ الأسرة، وبقاؤها آمِنةً مطمئنةً مرهونًا بدوامه؛ فإنّ الإسلام قد حرَص على قوة هذا الرباط واستمراره، حيث سماه اللهُ تعالى: {مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، و{عُقْدَةَ النِّكَاحِ} [سورة البقرة: 235]، بما يفيد معنى التوكيد والتثبيتِ والدوام، وجعَلَ الطلاقَ دواءً مُرًّا، وعلاجًا أليما، لا يُلجأ إليه إلا حينما لا يكون ثَمَّ علاجٌ سواه.

 

لكنّ بعض الأزواجِ في هذا الزمن، ومِن الشباب خاصة، قَلّ شعورُهم بالمسؤولية، وتقديرِ قيمةِ الحياةِ الزوجيةِ وخطورةِ شأنِها؛ قد باتوا ـ مع الأسف ـ مستعدِّين للتضحية بالأسرة، وأحيانا في وقتٍ تكون قد غدتْ شجرتُها مزدانةً بالفروع والأغصان مِن الذرية، متذرِّعين ببعض المشكلات التي يمكن حلُّها، أو الصبرُ عليها والتعايش معها.

 

فمثلا: أحدُهم ـ لسبب أو لآخر ـ قد تتغير مشاعرُه العاطفية نحو زوجته، أو يصيبها الفتور، أو … فإذا به يسارع في التفكير في الطلاق، بل ويُقْدِم عليه!!

 

يُسأل: لماذا؟ فيقول لك: إنه لا يريد أن يظلمها!!

 

والأولاد؟ فيقول: سأعطيهم نفقاتِهم، وأنا أتزوج بأخرى أشعر معها بالحُب!!

سبحان ربي!!

 

سنوافقك -جَدَلا- فيما تقول..

 

لكن:

وما يُدْريك؟ أليس كما تغيرَتْ مشاعرُك نحو أمِّ أولادِك الآن ـ كما تقول ـ يمكن أيضا أنْ تتغير مشاعرك، بل تنقلب تُجاه الأخرى بعد حين مِن الزمن؟

 

والنفس الإنسانيةُ في مشاعرها كموج البحر؛ تارة في حالة فَيْض، وأخرى في حالة غَيْض!!

 

وهل يوجَد عاقلٌ ذو شعور بالمسؤولية يجعل أمْنَ أسرتِه واستقرارَها مرهونا بالتقلبات العاطفية، والاهتزازات الشعورية، فيتخذ قرارًا مشئوما يترك أضرارًا على الأولاد وأمِّهم قد لا يمحوها الزمن وإن طال؟؟!!

 

وقد قال عمرُ لرجلٍ همَّ بطلاق امرأته: لِمَ تطلقها؟

 

قال: لا أحبّها.

 

فقال عمر: أَوَ كلُّ البيوتِ بُنِيتْ على الحب؟ فأين الرعاية والتذَمُّم (أي الإحسان)؟

 

وما ذكرنا من حال بعض الأزواج ينطبق أيضا على بعض الزوجات؛ فمنهنّ مَن لا تبالي بهدْم البيت، وتشتيت الأسرة؛ حيث تطلب الطلاق لحدوث بعض المشكلات التي يمكن علاجها، أو لأسبابٍ لا تقتضي الطلاق أبدًا!!

 

بعض الزوجات تصرّ على طلب الطلاق، أو تلجأ إلى الخلع لأن زوجها قد تزوج بامرأة أخرى!!

 

وزواج الرجل بامرأة أخرى ليس مسوِّغا شرعيًّا للسعي في الطلاق أو الخلع؛ لأنّ التعدد تشريع الله -تعالى- بشروطٍ أَهمُّها العدلُ والقدرةُ على النفقة، وقد شُرِع لحِكَم كثيرة، لا يتسع المقام للحديث فيها.

 

وبعض النساء يخطِف بصرَها الإعلامُ والفضاءُ الإلكترونيُّ بما فيه ومَن فيه، فتَمُدُّ عينيْها إلى ما متّع اللهُ به غيرَها مِن زهرة الحياة الدنيا، أو تريد أنْ تكون في مستوى معيشيٍّ وترفيهيٍّ كالذي كانت فيه عند أبيها قبل الزواج، فتكلِّف زوجَها ما لا طاقة له به مِن مطالب المعيشة، وحين لا يستطيع تلبية ما اشتهت نفسُها بسبب إمكانياته؛ تفكِّر في الطلاق، فرارً مما تتصور أنّه جحيم أو سجن، دون اكتراثٍ بتبعاتِ وأضرارِ هدمِ الأسرة، وقد تندم طيلة عمرها، ولا ينفع الندم؛ إذْ فات الأوان!!

 

إنّ الحياة الزوجيةَ تقتضي مِن كلا الزوجين الصبرَ، والتحلِّي بالحكمة والأناةِ في معالجة ما عسى أنْ يطرأ مِنْ مشكلات عاطفيةٍ أو ماديةٍ أو اجتماعية.

 

فإذا طرأ شيء مِن المشكلات بين الزوجين فينبغي العمل بجدٍّ وإخلاص لعلاجها، حتى تتعافى الأسرةُ مِنها، وتتجنب آثارها الضارة.

 

وإذا توافرت النَّوايا الصادقة، والجهود المستبصِرة، والأخذ بالأسباب المناسبة للعلاج، وكان هناك تقوى لله؛ فأغلب الظنّ أنّ رقعة الخرق ودائرة المشكلة ستضيق، بل سوف تتلاشى بتوفيق الله تعالى.

 

وإنّ ذلك المسلك الذي يحدث من بعض الأزواج أو الزوجات؛ مِنْ الاستهانة بقدْر الأسرة، وعدم الاهتمام بالحفاظ على كيانها مِن التصدع والانهيار والشتات، والجرأة في الإقدام على إنهاء رباط الزوجية لأسبابٍ لا تقتضي الطلاق؛ هذا الأمر يعود إلى أسباب قد تكون مجتمِعة، وقد تكون متفرّقة، ومنها -على سبيل المثال-:

 

ـ تفريط المسلمين -عموما- في إقامة شعائر الدين وشرائعه على الوجه الذي أراده ربُّ العالمين.

 

ـ النزعة المادية التي طغت على حياتنا المعاصرة، فأضعفتْ جذوة الإيمان في النفوس، وجرفت معها كثيرًا مِن القيم الأخلاقية مثل الإيثار، والمروءة، والكرم، والوفاء، والقناعة بما قسم الله.

 

ـ الاستهتار مِن بعض الشباب حديثي العهد بالزواج.

 

ـ قصور في التربية على الشعور بتحمل المسؤولية.

 

ـ غياب القدوة الحسنة على المستوى الاجتماعيّ والأُسَريّ.

 

ـ صُحبة السوء، سواء عن قُرْب كالصداقة التقليدية التي يتخللها تزاور وتلاقٍ؛ أم عن بُعْد كصداقة الإنترنت بأشكالها المختلفة.

 

ـ التدَخُّل السلبيّ من بعض أسرتي الزوجين حال وقوع مشكلة في الأسرة.

ويضاف إلى هذا سبب خطيرٌ معاصر، وهو:

 

إهمال الضوابط الشرعية والأخلاقية بين بعض الرجال وبعض النساء في مجال وسائل التواصل الاجتماعيّ، مثل “الفيس بوك” ونحوه.

 

وهذا السبب الأخير ـ تحديدا ـ كم خرّب، ولا يزال يدمِّر بيوتا كانت آمنة مطمئنّة، يكسوها العفاف، وتكتنف أرجاءَها السعادة، ويعُمّها الاستقرار -وإنا لله وإنا إليه راجعون- .

 

فلنتّق اللهَ جميعا في المحافظة على كيان الأسرة، ولنعمل على سلامته من التصدّع والانهيار، ولنجتهد في حمايتها من أعاصير المشكلات، وتقلبات الأيام.

 

والله الهادي إلى سواء السبيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى