الأمة الثقافية

الأخطاء اللغوية بين التسامح والتلاد

بقلم: محمد حمدان الرقب

كنتُ في بعض الأزمنة التي خلت مهتمًّا بتصحيح الأخطاء اللغوية والنَّحْوية والإملائية التي شاعت في كتابات الكتَّاب وألسنة المتكلمين من خطباء ومذيعين ومقدِّمين، وبزغ في داخلي شرطيُّ لُغةٍ يقول: قُلْ ولا تقل، وقد طالعت بعضًا من الكُتب التي وضعها المصنفون في هذا الأمر، وكانت كثيرة، وبعضها اتخذ طابع الجدال والملاحاة، ونتيجة لبعض المقابلة بين ما يقرره مؤلف ما في قضية معينة من جهة، وما يقع في الخطأ نفسه الذي أشار إليه من جهة أخرى، بتُّ متيقنًا مِن أن الكتَّاب والمؤلفين يخطِّئ بعضهم بعضًا، فهل هذا يعني أن الأخطاء الشائعة أكثر مما يتصور؟ أم أن هناك هرجًا ومرجًا بين العلماء والكتَّاب والمؤلفين؟ أم أننا ابتعدنا عن كتاب الله تعالى مادة اللغة العظمى؟ أم أنه حب التأليف بصرف النظر عن التحقيق والتدقيق والتشذيب؟ أم أنه اقتحام بعض المؤلفين مجالًا غير مجالهم وخوض غماره؟

وقد وقعتُ في حيرة شديدة، ودار في رأسي أسئلة ما لها حل، هل نقبَل باللفظة كما هي كما تعارف عليها الناس، على وَفْق قاعدة: “العادة محكَّمة”؟ أم نقف عند كل خطأ ونفتش في كل لفظة، لنرى هل هي صحيحة أم لا؟

كلُّ هذه الأسئلة لست وحدي بقادرٍ على حلِّ معضلاتها، ولكني أثق ثقة كبيرة في أن اللغة وألفاظَها هي المِحَكُّ الرئيس لفهم الكلام على حقيقته، ولا يُجدي نفعًا إذا ما قبِلْنا الأخطاء الشائعة، مِن باب: خطأ مشهور خيرٌ من صحيح مهجور، أو من باب: أن علمَ اللغة الوصفي يجيز دخول هذه الألفاظ، أو استعمال المعاني الجديدة للألفاظ التي تدل على معنى مختلف كليًّا، ولهذا كثيرٌ جدًّا مِن الناس مَن يفسر (الفشل) في القرآن الكريم على أنه من الإخفاق (كما مر معنا قبْلُ)، وهذا غلطٌ كبير؛ إذ هو مِن الخوف والجبن، وليس من الإخفاق، وكذلك (الكَهْل) في اللغة تُطلق على الرجل الشاب، ولا يمكن لهذه اللفظة أن تدل على معنى الشيخوخة، ولكن كثير من الناس يستعملون هذه اللفظة في الرجل الشيخ الذي بلغ من الكبر عتيًّا، ولن يستطيعوا أن يجدوا العلاقة بين هذه اللفظة ومعناها الصحيح إن لم يبحثوا عنها في المعاجم؛ولهذا قد نقع في تناقض ظاهري، لا سيما في تفسيرنا آياتِ الله تعالى؛ إذ قال لعيسى عليه السلام: ﴿ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ﴾ [المائدة: 110]، ومعروفٌ أن النبي الكريم عيسى عليه السلام قد رفَعَه الله إليه وهو شابٌّ، حسَب الأحاديث النبوية الشريفة، فكيف يستقيم أن الكهل هو الشاب (المعنى الصحيح) وهو الشيخ الكبير (المعنى الظاهري!)؟ علمًا أن هذه اللفظة ليست من المشترك اللفظي! وهكذا دواليْكَ في كل لفظة، مثل: (الشاطر، الرمش …).

وبحسبك أن تعلَمَ أن القرآن الكريم لا ينبغي أن يُفسَّر بناءً على المنهج الوصفي الذي يقرُّ بالتطور الدلالي للألفاظ وما تحمله من معانٍ جديدة؛ إذ بذاك تضيع اللغة، ويضيع معها التفسير الصحيح للآيات القرآنية الكريمة (!)، بل يجب أن نعطي لكل لفظة معناها اللازم لها، لا معنى آخر؛ فيَصِدُّ غير يَصُدُّ، وصَغَت ليست كأصْغَت، وتَحُسُّ غير تُحِسُّ، ويَعْجَز ليس كيَعْجِز(!) وهكذا دواليكَ؛ فإذا ما أردنا فهمَ القرآنِ معجزةِ اللغة الخالدة ومعجزة العرب الدائمة، فيجب أن نعيد النظر في ألفاظنا الدارجة، التي لطول عهدنا بفهمها أصبحت تدلُّ على معانٍ لا تمتُّ إلى المعنى الأصيل لها بصلة! ولذلك وقع كثيرٌ ممن يتصدَّوْن لتصحيح الأخطاء اللغوية في هذه الأخطاء نفسِها التي يقع فيها غيرهم، ولا مهربَ ولا محيص، كلا ولا وَزَرَ، مِن الوقوع في مثل هذه الأخطاء؛ لشدة التصاقنا بها، وهنا نقع في متاهة الفهم الصحيح للفظة بما تحمله من دلالات.

وإن كانت المشكلة في استعمال الألفاظ استعمالًا منافيًا لأصل معناها، فالأمر أشدُّ في التراكيب، وقد يكون التركيب سليمًا لغويًّا في أصل وضعه، ولكن يُفهم فهمًا مغلوطًا، فمثلًا قال تعالى: ﴿ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ [البقرة: 61]، تفسير الآية واضح: تريد أن تجرب التافه وتتعامل معه وتترك الأفضل والأحسن والأجود (!) فوقع حرف الجر الباء مع الشيء الذي تريد تركَه، ولكن الناس أغلبهم يتحدَّثون ويكتبون ويفهمون الجملة والكلام عكس ما هو أصلٌ، فمِن ذلك قولهم: استبدلت السيارة القديمة بسيارة جديدة، وهم يقصِدون: تملَّكْتُ سيارة جديدة وتركت السيارة القديمة، فوقع الخطأ هنا؛ إذ حرفُ الجر الباء لا يقع مقترنًا بالشيء الذي تملَّكْته بدلًا من شيء قديم تريد تركه؛فلذا كان من الصواب أن يُقال: استبدلتُ بالسيارة القديمة سيارة جديدة، وهكذا..

وخلاصة القول أن الفَهْم الصحيح للفظة يساعدنا في الفهم الصحيح للقرآن الكريم أولًا، وللحديث الشريف ثانيًا، ولكل تراثنا ثالثًا، ولا يُجدي نفعًا الإقرارُ بالمنهج الوصفي على أنه تطوُّر تاريخي ولغوي، فإذا تحوَّل معنى الكلمة إلى معنى آخر، وكان المعنى الأول الصحيح واردًا في تراثنا الذي يقوم عليه الدِّين والمجتمع، فمِن الخلل أن نقبَل بهذا الشيء، أما إن كان في الأمر سعةٌ، بحيث نخرج عن حُكم: قل ولا تقل، دون أن يؤدي هذا إلى قلبِ المعاني، وإلى التساهل اللغوي، أو إلى الخروج على قاعدة لغوية حاسمة، فلا بأس في ذلك.

واللهُ مِن وراء القصد!

————–

المصدر: الألوكة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى