آراءمقالات

افتحوا المساجد

Latest posts by رانيا مصطفى (see all)

بقلوب يملؤها الألم، شاهد المسلمون مقطع فيديو يصور مسجدا يرتفع منه الآذان بصوت مؤذن كويتي يخنقه البكاء، مستبدلا حي على الصلاة بـ”صلوا في رحالكم”، أي أقيموا الصلاة في بيوتكم.تم تغيير صيغة الآذان بعد أن اجتمعت معظم حكومات الدول الإسلامية، بموافقة كثير من المجامع الفقهية ودور الإفتاء على إغلاق أماكن التجمع كلها وأولها المساجد،تلك الحكومات التي لا تجتمع أبدا حتى على ميعاد رؤية هلال شهر رمضان. استسلم المسلم المغلوب على أمره، وفسر هذه المصيبة بأنها جاءت جزاء وفاقا لذنوب اقترفها مثلت حائلا بينه وبين رضا الله، فأغلق مساجده وطرده منها.

 

شكل قرار إغلاق المساجد صدمة نفسية للمسلمين الملتزمين بإقامة الصلاة في المسجد، ولغير الملتزمين، ولتاركي الصلاة أيضا؛ وخاصة بعد أن مزق أفئدتهم قرار إخلاء صحن المسجد الحرام بالسعودية، وغلق أبواب الحرم المكي لساعات طوال، وحظر التجوال بمكة والمدينة،وإلغاء عمرة رمضان، وتعطيل الحج.

 

عارض بعض الفقهاء مسألة الإغلاق بفتوى أنه لا يحل تعطيل الصلاة في المساجد لضرر غير محقق لمجرد خشية المرض، لكن يمكن أن تنتقص جماعتها فيصلي الإمام والمؤذن ومن حضر باستعمال الكمامات والقفازين والسجادة الخاصة،ولا يلزم اصطفاف المصلين ولا تقاربهم،ولا مصافحتهم،وهم بذلك يقومون عن أهل البلد بفرض الكفاية ويمكن نقل الخطب عبر الشبكات الإعلامية لمن لا يستطيع الحضور؛ على نفس النهج، رأس تواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية في مصر قداس الجمعة العظيمة لمدة ست ساعات بحضور أساقفة ورهبان، ومن قبله خميس العهد،وأحد السعف، وسبت العازر، وانتهى بقداس القيامة؛ وجدير بالذكر أنه كان قد صرح أن الدولة لم تفرض عليه إغلاق الكنائس.

 

في مصر، أصدر وزير الأوقاف قرارا بتعليق كافة الأنشطة الجماعية مع بداية ظهور فيرس كورونا؛ فكان غلق المسجد هو أول إجراء اتبعته الحكومة، وكان من المتوقع أن يتم الأمر بشكل متدرج، فأولا يتم الغلق في مناطق ظهور المرض، ثم تقليل أعداد المصلين مع التعقيم والتطهير، ثم المنع الكامل في حال ازدياد الأعداد بشكل يمثل خطورة حقيقية،ولكن هذا لم يحدث.

 

رضي المصري بالأمر الواقع،إلا أنه فوجئ أن قرار تعطيل المساجد هو القرار الوحيد تقريبا الذي ينفذ بكل حزم؛ فهو يركب وسائل المواصلات التي تعمل بكامل طاقتها، ويقرأ خبرا يعلن عن استقبال مول لـ 5000 زائر، ويقف أمام ثان في طابور ممتد لتعقيم الداخلين، ويشاهد صورة لثالث مزدحم بالعملاء، وأخرى لأسواق شعبية مكتظة؛ يرى الازدحام في كل مكان،في مدينة الإنتاج الإعلامي، وأمام مراكز الاتصالات،ومكاتب البريد،وفي طوابير المعاشات، وعندما يعترض على حرمانه من المساجد، تصفعه تصريحات وزير الأوقاف وتنعته بالجهل والحمق، وتقترح محاكمته بتهمة الخيانة العظمى!

 

تحاصر الدولة المصرية أبناءها على نحو غريب، فإن قرر بعضهم أن يخرجوا في الشرفات ليكبروا كنوع من التضرع إلى الله أسوة بإخوانهم في المغرب، يؤكد مركز الأزهر للفتوى أن التكبير بهذه الطريقة من البدع والمنكرات، وإن صعد الناس ليصلوا فوق أسطح المنازل، تبادرهم دار الإفتاء بأنه لا يجوز التجمع للصلاة هكذا في الظروف الحالية! وإذا صلى عدد قليل الجمعة بمنطقة مفتوحة مع اخذ الاحتياطات، يتم اعتقالهم! وإن صلى شيخ الجمعة جماعة بمنزله ونشر خطبته على فيسبوك، يستدعى للتحقيق معه!  حتى لما دعا المصريون ربهم أن يكشف الغمة قبل شهر رمضان حتى يتمتعوا بصلاة التراويح، استكثر وزير الأوقاف عليهم الحلم وصرح أنه لا نية لفتح المساجد في رمضان، وهدد بأن من سيخالف قراراته سيناله العقاب.

 

في نفس الوقت الذي تحارب فيه الدولة أي تجمع للصلاة، يقرأ المواطن تصريحا لنقيب الممثلين ينفي فيه وقف تصوير مسلسلات رمضان؛ويشاهد صورا لممثلين يزدحمون بالعشرات، وتجمهرا في مسجد لتصوير أحد المشاهد؛ ويصدم باستثناء الداخلية جنازة مقدم من التجمعات المحظورة،ثم يتابع المواقع الالكترونية فيرى إشراف قائد الانقلاب بنفسه على مشاريع الجيش الاقتصادية، ورفض قيادات بالعاصمة الإدارية الجديدة منح أحد المقاولين أجازة لعماله خوفا من العدوى، ومطالبات الرئاسة ورجال الأعمال بدفع عجلة الإنتاج والعودة للعمل!

 

قدم أحد رجال الأعمال اقتراحات من أجل عودة العمالة،مثل ترك مسافة كافية بينهم، وتعقيم المكاتب، وعمل تحاليل، وارتداء كمامات، ومنع السلام والقبل، مع عدم الإجبار على العودة؛ ونتساءل، إذا كانت هناك إمكانية لإيجاد حلول من أجل عمل يستمر لساعات،فلماذا يستحيل إيجاد مثلها من أجل صلاة لا تستغرق سوى دقائق؟

 

يوما بعد يوم،تزداد عملية تبديل أولويات الإنسان المسلم فجاجة عبر توجيه إعلامي مباشر أو غير مباشر، بحيث يصبح المفهوم المادي المتمثل في العمل والمال مقدم على الجانب العقدي الروحي المتجسد في العبادة؛ فبغرس تفوق أهمية الأنشطة الاقتصادية مقارنة بأداء الفروض،يصبح العمل أهم من الصلاة بالمسجد، والصوم سببا في الإضرار بجسم الإنسان.

 

إن من حقك أيها المواطن أن يوفر لك نظامك الحاكم عوامل سلامتك لأداء عباداتك،ومن حقك أن تضع أولوياتك فوق أولوياته. إن رمضان على الأبواب،فهل ستستقبله بنفس الروح الانهزامية التي أفقدتك صلاة الجماعة؟هل سيفقدونك طعم التراويح كما أفقدوك طعم الجمعة؟ وإذا كانت الدولة قد استجابت لوسوم الممثلين المطالبة بالاستمرار في تصوير أعمالهم بحجة أنهم يضحون من أجل تسلية المجتمع، فهلا استجابت لدعوات المصلين المستعدين لبذل أرواحهم أيضا تضرعا إلى الله لرفع الغمة عن البلاد والعباد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى