آراءمقالات

إضاءات من المنهج العلمي لابن تيمية (1)

د. أشرف عبد المنعم
Latest posts by د. أشرف عبد المنعم (see all)

إن المتأمل للاختيارات العلمية لشيخ الإسلام ابن تيمية لا ينقضي عجبه وانبهاره، سواء من تعامله مع أدلة الشريعة، أو فهمه لتنوع الأدلة ولعلاقاتها ببعضها البعض ورتبها المتفاوتة، أو تحريره لأقوال أئمة الإسلام من قبله، أو فهمه للواقع ومراعاة تفاصيله بحيث يتوازن فيه بين الممكن والمطلوب .

فإذا تحول النظر إلى كثير من محبيه في واقعنا المعاصر، والذين يدعون الانتساب لمدرسته العلمية (بحق، أو بغيره) ، فإننا نجزم أننا أمام مستوى آخر في العلم والفهم، بعيدا عن مستوى شيخ الإسلام. مما يجعلنا نجزم أن تلك الفجوة الهائلة الموجودة بين فهم شيخ الإسلام – رحمه الله – وأفهام أكثر هؤلاء مما يحتاج إلى جهد غير عادي في محاولة ردمها، ليقتربوا من منهجه العلمي بحق .

 ولأجل هذا كان الرجاء أن تأتي كتاباتنا هذه فيما يساهم في بيان حقيقة المنهج العلمي لابن تيمية، ولو من بعض الزوايا التي رأينا أنها تحتاج إلى البيان، حين يتوهم التعارض، ويحتاج إلى الترجيح. وجعلناها في ثمانية منطلقات..

 المنطلق الأول : التمييز الدقيق بين دلالات الألفاظ (ذات الصلة ببعضها) بما يدفع وهم التعارض بينها .

 إذ الألفاظ وعاء المعاني، ولا تقال الألفاظ إلا لتنقل المعاني (سواء أكانت أفكارا، أم مشاعر) . ووجود صلة أو أكثر بين معاني لفظين (سواء أكانا مفردين، أو مركبين) هو الذي يتيح الفرصة لإمكان الوهم بتعارض بين المعنيين المرادين منهما .

 وهذا التمييز الدقيق بين دلالات الألفاظ من العلم بـ (حدود ما أنزل الله على رسوله) والذي به يضبط معنى اللفظ الوارد في الشرع، فلا يدخل فيه ما ليس منه (توهما أنه منه) ، ولا يخرج منه ما هو منه (توهما أنه ليس منه) .

 مثال : لفظي (العذاب) و (العقاب) .

 ففي ” الأحاديث الصحيحة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه” – وفي لفظ – : “من يُنَحْ عليه يعذب بما نِيحَ عليه” وفي الحديث الصحيح أن عبد الله بن رواحةَ لما أغمي عليه جعلت أخته تندب وتقول: واعضداه واناصراه. فلما أفاق قَال: ما قلت لي شيئا إلا قيل لي: أكذلك أنت؟ .

 وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره فهو مخالف لقوله تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الإسراء – 15] ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة.

 فمنهم من غلط الرواة لها كعمر بن الخطاب وغيره، وهذه طريقة عائشةَ والشافعي وغيرهما.

 ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه وهو قول طائفة: كالمزني وغيره.

 ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم فيعذب على ترك النهي عن المنكر وهو اختيار طائفة: منهم جدي أبو البركات.

 وكل هذه الأقوال ضعيفة جدا. والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الأشعري وغيرهم لا ترد بمثل هذا. وعائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – لها مثل هذا نظائر ترُدُّ الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه ولا يكون الأَمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئا.

 وعائشة – رضي الله عنها – روت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لفظين – وهي الصادقة فيما نقلته – فروت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قوله: “إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه” وهذا موافق لحديث عمر فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله؛ ولهذا رد الشافعي في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى، وقال: الأشبه روايتها الأخرى: “أنهم يبكون عليه وإنه ليعذب في قبره.”

 والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، واعتقد هؤلاء أن الله يعاقب الإنسان بذنب غيره …

 والمقصود هاهنا أن الله لا يعذب أحدا في الآخرة إلا بذنبه وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وقوله: “إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه” ليس فيه أن النائحةَ لا تعاقب بل النائحة تعاقب على النياحة كما في الحديث الصحيح: “أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطِران” فلا يحمل عمن ينوح وزره أحد.

 وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: ” يُعذب ” والعذاب أعم من العقاب فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابا له على ذلك السبب، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه” فسمى السفر عذابا وليس هو عقابا على ذنب. والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملا له عُوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملا له يعاقب عليه؟ .

 والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى: بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها كما جاءت بذلك الآثار، فتعذيبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب.

 وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة والأرواح والصور القبيحة. وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك: إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء – 48] وما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب فإن ذلك يكفر الله به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.” ” [24/270 – 275 – مجموع الفتاوى] .

 فخلاصة كلامه : 

  1. إن كل عقاب عذاب، وليس كل عذاب عقاب (فالعذاب أعم) .
  1. لا تلازم بين العذاب والذنب، فالتلازم إنما هو بين العقاب والذنب (أي : لا عقاب إلا بذنب) .
  1. العقاب لا يكون إلا بكسب العبد، أما العذاب فيكون بكسبه وبغير كسبه (مما يؤلمه) .
  1. قد يوجد سبب العذاب، لكن العذاب لا يقع، لمعارض من جهة المكلف، أو لمحض الفضل الرباني .
  1. كل عذاب هو كفارة لصاحبه (عقابا كان أو غيره) .
  1. فالميت قد يتعذب (أي : يتألم) بكسب غيره، لكنه لا يعاقب به، والعذاب كفارة له .

ففي هذا المنطلق تضبط العلاقة بين (الألفاظ) ذات الصلة ببعضها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى