الأمة الثقافية

أَصْلُ لفظِ الجلالةِ (اللَّه) فِي اللُّغَةِ

 

أَصْلُ لفظِ الجلالةِ (اللَّه) فِي اللُّغَةِ
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

قَالَ ابنُ الأَثِيرِ [2]: ” هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ إِلَهٍ وَتَقْدِيرُها فُعْلَانِيَّةٌ، بالضَّمِّ، تَقَولُ: إِلَهٌ بَيْنَ الإلَهِيَّةِ والأُلَهَانِيَّةِ، وَأَصْلُه مِنْ أَلِهَ يَأْلَهُ إِذَا تَحَيَّرَ، يُرِيدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ فِي عَظَمَةِ اللهِ وجَلَالِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَصَرْفِ هَمِّهِ إليها، أَبْغَضَ النَّاسَ حَتَّى لَا يَمِيلَ إلى أَحَدٍ ” اهـ [3].


قَالَ أبو الهَيْثمِ: فَاللهُ أَصْلُه إلَهُ:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ [المؤمنون: 91].

قَالَ: وَلا يَكُونَ إِلهًا حَتَّى يَكُونَ مَعْبُودًا، وَحَتَّى يَكُونَ لِعِبَادِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا وَمُدَبِّرًا وعليه مُقْتَدِرًا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ وَإِنَّ عُبِدَ ظُلْمًا بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ ومُتَعَبِّدٌ.

قَالَ: وَأَصْلُ إِلَهٍ وَلاهٌ فَقُلِبَت الوَاوُ هَمْزَةً كَمَا قَالُوا للوِشَاحِ إِشَاحٌ، وللوِجَاحِ إِجَاحٌ، وَمَعْنَى وِلاهٍ أَنَّ الخَلْقَ يَولَهُونَ إليهِ فِي حَوَائِجِهِم وَيَضْرَعُون إليهِ فَيمَا يُصِيبُهم وَيَفْزَعُونَ إليه فِي كُلِّ مَا يَنُوبُهُم كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إلى أُمِّه.

وَقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الشَّمْسَ لَـمَّا عَبَدُوها إلاهةَ.
وَقَدْ ضَعَّفَ الزَّجَاجُ هَذَا القَوْلَ (وهو أَنَّ أَصْلَ إِلَهٍ وِلاهٌ)[4].

وَقَالَ ابنُ سِيدَه: ” والإلاهةُ والأُلوهةُ والأُلوهيةُ العِبَادَةُ، وَقَدْ قُرِئ وَقَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ [الأعراف: 127] بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، أيْ: وَعِبَادَتَك، وهذه الأَخِيرَةُ عِنْدَ ثَعْلَبٍ كأنها هي الُمخْتَارَة “.


قال: ” لأنَّ فَرعَونَ كَانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ فَهُوَ عَلَى هَذَا ذو إلاهةِ لا ذو آلهةٍ والقراءةُ الأُولَى أَكْثَرُ والقُرَّاءُ عليها “.
قالَ ابنُ بَرِّيٍّ [5]: ” يُقَوِّي ما ذَهَبَ إليه ابنُ عَبَّاسٍ فِي قِرَاءتِه ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ [الأعراف: 127] قول فرعون ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، وَقَوْلُه: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38].

وكانَتِ العَرَبُ فِي الجَاهِليَّةِ يَدْعُون مَعْبُودَاتِهِم مِنَ الأَوْثَانِ والأَصْنَامِ آلهةً وهي جَمْعُ إلاهةِ. قَالَ اللهُ عليه السلام ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ وَهِيَ أَصْنَامٌ عَبَدهَا قَومُ فِرْعَونَ مَعَهُ، و( اللهُ) أَصْلُه إِلاهٌ، عَلَى فَعَالٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ عليه السلام لَأنَّهُ مَأْلُوهٌ أَيْ: مَعْبُودٌ، كَقَوْلِنا إِمَامٌ فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ عليه السلام لَأنَّهُ مَؤْتَمٌّ بِهِ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألفُ واللامُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَتِه في الكَلَامِ ” [6].


وقالَ ابنُ القَيِّمِ: ” القولُ الصَّحِيحُ أَنَّ (اللهَ) أَصْلُه الإلهُ. كَمَا هُوَ قَوْلُ سِيَبَويْه وَجُمْهُورِ أَصْحَابهِ إلا مَنْ شَذَّ مِنْهم”.

________

[1] النهج الأسمى (1/ 71 – 74) للشيخ محمد بن النجدي حفظه الله.
[2] هو مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد الشيباني الجزري المعروف بابن الأثير صاحب كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر، وكتاب جامع الأصول وغيرها، ولد سنة (544هـ) بجزيرة ابن عمر سبحانه وتعالى بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام سبحانه وتعالى وكان به نقرس فكان يحمل في محفة، توفى سنة (606 هـ) بالموصل، السير للذهبي (21/ 488)، وفيات الأعيان (14/ 141)، الأعلام (5/ 272).
[3] النهاية (1/ 62).
[4] تفسير الأسماء (ص : 25).
[5] هو عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي الأصل المصري، أبو محمد، من علماء العربية النابهين ولد سنة (449 هـ) بمصر، ونشأ بها وتوفي سنة (582 هـ)، ولي رياسة الديوان المصري، الأعلام (4/ 74).
[6] انظر : لسان العرب (1/ 114-115) وكذا الأقوال السابقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى