آراءمقالات

أنصار الله “الحوثيون” والإستراتيجية المزدوجة

Latest posts by د. وليد عبد الحي (see all)

سؤال محدد: هل تفجيرات السفن في إمارة الفجيرة (الإمارات) التي لم يعلن عن المسئول عنها حتى الآن، ثم في اليوم التالي قيام سبع طائرات مسيرة بضرب محطات ضخ نفط سعودية قرب الرياض هما تنفيذ للتهديد الذي أطلقة عبد المالك الحوثي في 22 ابريل الماضي بضرب المصالح الحيوية لكل من السعودية والإمارات المتحدة؟ أم أن الموضوع له صلة بالمنازلة الإيرانية الأمريكية التي يجري الترويج لها من أطراف عديدة؟

 

في جانب تنفيذ التهديد الحوثي الذي أعلن أنصار الله مسئوليتهم عن جانب منه (ضرب مضخات النفط)، لا بد من التأكيد على أن أنصار الله تمكنوا من إدارة الصراع مع السعودية والإمارات بقدر كبير من “الصبر والتحمل المضني” من ناحية، ولكنهم من ناحية أخرى وضعوا العسكرية السعودية في موقف حرج للغاية، وكشفوا عن مكامن ضعف سعودي هائلة في جوانب إدارة الصراعات الدولية رغم الإمكانيات المادية السعودية مالا وعتادا، فرغم أن إنفاق السعودية العسكري يعادل مجموع الإنفاق الروسي والإسرائيلي (معهد SIPRI) إلا أن مردود هذا الإنفاق عاجز عن تحقيق أي تقدم في ميدان معركة شبه محلية، وهو ما يعني أن الخلل في العنصر البشري للعسكرية السعودية أعمق مما يبدو على السطح.

 

أما ربط موضوع الهجمات (في سفن الفجيرة ومحطات الضخ قرب الرياض) بالتوتر الأمريكي الإيراني فهو ربط متسرع رغم أنه قد يشحن الجو أكثر لصالح جر الولايات المتحدة المترددة تماما نحو الصراع العسكري المباشر مع إيران وحلفائها في المنطقة.

 

إن العقل الجمعي البراغماتي الأمريكي من ناحية والخلفية التجارية لصانع القرار الأمريكي من ناحية ثانية تشكل متغيرات تشير إلى أن الولايات المتحدة غير معنية حاليا بالهجوم على إيران نظرا لما يترتب على ذلك من نتائج على النحو التالي:

 

1- ارتفاع هائل في أسعار البترول يضر بمصالح أغلب دول العالم بخاصة حلفاء أمريكا مثل أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية ..الخ ، ويترافق مع ارتفاع الأسعار ارتفاع مواز له في أسعار التأمين على شحن النفط في المنطقة وخارجها، فإذا اشتعلت المعركة فلن يكون فقط الشرق الأوسط مسرحها بل حتى طرق الإمداد النفطي، وما القرصنة الصومالية قبل فترة وجيزة عنا ببعيد.

 

2- أن ارتفاع أسعار النفط سيصب في خاتمة المطاف في جيوب بوتين، ولا أظن أن هذا ما يحرص عليه ترامب وإدارته.

 

3- أن الهجوم على إيران قد يجعل البيئة غير مواتية للإعلان عن صفقة القرن (إذا أعلنت قريبا)، فمن يريد تيسير الأمور أمام مشروعه “السلمي” في المنطقة لا يغرقها في حرب طاحنة قد تزيح المشروع من طريقها لسنين طويلة، لا سيما أن ترامب يراهن على هذا المشروع لتحسين فرصته في ولاية ثانية.

 

4- إن المشروع الأمريكي للحرب مع إيران ستجعل الولايات المتحدة في مقارنة خاسرة مع المشروع الصيني (الطريق والحزام) السلمي والتنموي والمدعوم ببنك البنية التحتية الصيني والذي انخرط فيه عدد غير قليل من الدول العربية، وهو ما قد يدفع الصين للنظر للحرب على أن مشروعها جزء من الأهداف الأمريكية وهو ما قد يدفعها أكثر في الاتجاه المعاكس للسياسة الأمريكية في المنطقة.

 

5- إن وضع الاقتصاد الأمريكي (العجز التجاري الكبير وارتفاع فلكي للديون والحرب التجارية مع الصين وروسيا والتي أدت إلى ارتفاع العجز التجاري الأمريكي بحوالي 13% مقارنة بالعام السابق على قرارات ترامب التجارية)، كل ذلك جعل مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي يصل في خلاصة دراسته إلى أن معدل النمو الاقتصادي (2.7 % حاليا) سيتراجع إلى حوالي 2% خلال السنوات الخمس القادمة، فإذا اشتعلت الحرب فان الأمور ستذهب بالنمو نحو الأسوأ.

 

6- أن اتجاهات الرأي العام الأمريكي تشير إلى تزايد متواصل في نسبة الذين يشعرون بتراجع الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يتضح في ارتفاع المتشائمين من وضع الاقتصاد الأمريكي من 36 % في نوفمبر 2018 إلى 48% في الشهر الحالي، وهو أمر يجعل ترامب اقل حماسا للمواجهة العسكرية.

 

ذلك يعني أن الضربات الموجهة لكل من الإمارات والسعودية تخدم ” الغرض الإيراني” بشكل غير مباشر لكنها ليست في السياق الحربي الأمريكي، بل هي محاولة من الحوثيين لتبني إستراتيجية مزدوجة، فمن ناحية يقوم الحوثيون بإعادة انتشار في ميناء الحديدة تعلن الأمم المتحدة عن رضاها عنه وتعتبره مؤشرا على التوجه السلمي في وقت تبدي دول التحالف السعودي عدم الرضا عن موقف الأمم المتحدة من هذه الخطوة الحوثية، ومن ناحية أخرى تأكيد على القدرة العسكرية للحوثيين في الوصول إلى “الجهاز العصبي في الجسد السعودي والإماراتي”.. أنها إستراتيجية مزدوجة: استرضاء أممي من ناحية وقدرة إقليمية من ناحية مقابلة، وهكذا خدم الحوثيون حليفهم الإقليمي بشكل غير مباشر وخدموا قضيتهم بشكل مباشر….

 

ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى