آراءأقلام حرة

أنس مراد الرهوان يكتب: صحابة للحبيب لهم في نفسي حب فاردٌ

Latest posts by د. أنس الرهوان (see all)

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لهم في نفسي خصيصةٌ من الحب فاردةٌ: أولئك الذين سكنوا الشامَ عُقَيب عهد النبوة واستوطنوها أو لبثوا فيها أمَدًا ولو غادروها بعد حين..

 

أُحبُّ أبا عبيدة ابن الجراح ومعاذَ بنَ جبل، أجدُ نفسي تنزع إلى تأمُّل ما لهما من الفضل والمكانةِ مشاطَرَةً كأنهما عينان في رأس أو كأنما بذرةٌ انفلقَتْ عن ثمرتين من أنضج ثمرات الدين وأحسنها مرأًى ولذةً. أبو عبيدة من المهاجرين ومعاذ من الأنصار، كلاهما من الدين والعلمِ بمكانٍ رفيع، أبو عبيدة أمينُ هذه الأمة ومعاذ إمامُ العلماء يُبعَث أمامَهم برَتْوة، تستجلي من أخبارهما رقةً ووداعةً مجللةً بالمهابة والوقار وخشية الله عز شأنه، تُخبر عائشةُ أن أبا بكر ثم عمرَ ثم أبا عبيدةَ أحَبُّ الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصارحُ النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بحُبه في لحظةٍ من الدهر غرَّاء، يتمنى عُمرُ أنْ لو كانا حيَّيْن ساعة يموت إذن لاستخلفَهما واحدًا تِلو الآخر، اتفق لهما صباحةُ الوجهِ وحسن الخُلق ونضارةُ الحياءِ وخفضُ الجناحِ ولينُ الجانب ووفرةُ العلمِ بل واشتركا في تفصيلات أدقَّ من ذلك، يقول الرواة إن أبا عبيدةَ لما انتزع حلقتَيِ المغفر من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ، صارَ أهتمَ فكان أحسنَ الناس هتمًا، ويُذكر عن معاذ أنه كان يفتَرُّ مبسمُه عن ثغرٍ كاللؤلؤ بياضًا وحُسنا، ثم اصطفاهما الله لرحمته وأخلصهما لدار كرامته شهيدَيْنِ في الطاعونِ الذي هلكَ فيه خلقٌ بالشام سنة ١٨، استُشهد فيه أبو عبيدةَ ثم لحق به معاذ في ركاب الخلود.

 

آوي إلى بلال بن رباح، الرجل الحر النبيل الذي كان في طليعة الركب الميمون من أهل الإسلام والصحبة العتيقة، كان مصفودَ اليدين بأغلال الرِقِّ لكن روحَه كانت متساميةً في فضاءٍ من الحرية وسموِّ النفسِ لا يدركُها متسيِّدٌ بطغيانٍ وتجبُّرٍ، لم تكن الصخرةُ العظيمةُ توضَع على جسده الرقيق بأرسَخَ منه قدَمًا في الدين القويم، وكان استمساكُه بحبل الله الوثيقِ أشدَّ من حبالٍ كان يُطَوِّفُه بها صبيانُ مكة وسفَهَتُها في أزقتها وبين أرجائها، كانت “أحدٌ أحدٌ” تشرق من فمِه النقي فتسطع لها أرجاء السماء وتتوارى دونَ حسْنِها شموسُ الكون، ثم ما زالتْ تتفصَّمُ عنه أصفادُه حتى انقلع عن يديه آخرُها وهو يرتقي ظهر الكعبة صادحًا بنداء الحق بصوته النديِّ الزكيِّ.. ارتحل هذا الرجل العظيم إلى الشام مرابطًا في سبيل الله فبقي هنالك حتى أدركَه أجلُه فطارتْ به أشواقُه قبلَ روحِه فأخذ يترنَّمُ في وداع الدنيا ترنيمةً ما زالتْ عذوبتُها تجلو صدى النفوس: غدًا نلقى الأحبَّهْ.. محمَّدًا وصحْبَهْ!

 

سعيدُ بن عامر الجمحي.. رجلٌ قرشي من بني جُمَح، القوم الذين كان فيهم بلال بن رباح فأنهكوه تعذيبا لعله يرجع عن دينه فلم يكن عندهم فيه رجاءٌ.. شهِد سعيدٌ مصرعَ خبيب بن عدي الأنصاري وهو يدعو على الكفرة من قريش فلم تزل أطيافُ ذلك المشهد تتراءى لسعيد زمانًا طويلا فتأخذه غشْيَةٌ كلما ذكرَها، انطلق مسلما قبل غزوة خيبر وهاجر إلى الله ورسوله، وتفتَّقَت نفسُه عن رجلٍ زاهدٍ في الدنيا بصيرٍ بسبيل الفلَجِ في الآخرة، كان واليَ عمرَ بن الخطاب على حمص بعد موتِ الصالحين من ولاتها واحدًا بعد واحد.. ذات يوم أمر عمرُ أهلَ حمصٍ أن يكتبوا إليه أسماء فقرائهم فكتبوا في الديوان اسمَ أميرِهم: سعيد بن عامر!

 

أما عمير بن سعد فهو رجلٌ من الأنصار كان يتيمًا في حجر رجلٍ منهم، سمعَ الغلامُ ذلك الرجلَ يطعن في صدق النبي صلى الله عليه وسلم فما ملَكَ نفسَه ولم يكن له إلى أن يزُمَّها عن الإخبارِ بما سمِعَ سبيلٌ، انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنبأه الخبرَ، فاستدعى النبيُّ ذلك الرجلَ فأنكرَ وانتفى من تلك التهمة، فنزل القرآن بتصديق ذلك الغلامِ النبيه.. الذي أصبحَ فيما بعدُ واليًا على حمص، قبلَ سعيد بن عامر أو بعده، ولعلك تَعجَبُ حين تعلم أن سيد المسلمين بعد نبيِّهم وصدِّيقِهم، الإمامَ المحدَّثَ الملهَم عمر بن الخطاب، كان يسمي عميرًا هذا: نسيجَ وحْدِهِ.. كان عمر مأخوذًا بصلاح هذا الرجل وزُهده وسمُوِّ نفسِه الكريمة.

 

أبو الدرداء حكيمُ هذه الأمة، وأبو ذرٍّ سيِّد زُهادها، عبادة بن الصامتِ أحد كبراء الصحابة الأمارين بالمعروف الناهين عن المنكر، شداد بن أوسٍ أحدُ العلماء الربانيين، تميم الداري ذلك الوليُّ الصالح، يزيد بن أبي سفيان الأميرُ المحمود في إمارته، عِياض بن غنم الوالي المشكور في ولايته، فضالة بن عبيد قاضي دمشق، خالدُ بن الوليد سيد المجاهدين الأبطال، وغيرُهم من الجواهر المنظومة في عقدٍ باهرٍ ازدان به جيدُ الدَّهر، واللآلئ البراقة التي ترصَّع بها تاجُ هامةِ الشام الأثيرة لدى النفوسِ، أولئك قومٌ لا يجود الزمانُ بمثلهم كثيرًا ولا قليلًا، مضوا إلى ربهم وبقيَ في العالمين ذكرُهم وأرجُ عبيرهم الذكيِّ وأضحت سيَرُهم مأوَى كلِّ مولَعٍ بالحبِّ والنقاء وجلالةِ النفوسِ وربَّانيَّتُها، عليهم سلام الله ورحمته ورضوانه!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى