آراءأقلام حرة

أنس الرهوان يكتب: أتأمل كثيرا في حكايات السيدة خديجة

Latest posts by د. أنس الرهوان (see all)

حياة هذه المرأة تدهشني كثيرا، وأجدني أستدعي إلى الذهن أحاديث تفضيلها على النساء فأحاول استنطاق أخبارها التي كانت تلك النصوص النبوية ترجمة مختصرة وافية لها.

 

لا أخفي أني أستشعر سطحية واسعة الانتشار في الناس في قراءتهم لسيرة هذه المرأة العظيمة، فَمَن لا يعرف سوى أنها زوجة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأم المؤمنين، ومن لا يدري إلا أنه تزوجها ولها أربعون سنة وعمره خمس وعشرون عاما، ومن غايةُ معرفته بها أنها كانت تشارك في التجارة قبل البعثة، أو نحو ذلك من المحفوظات المتناقَلة بين الناس، وأما الحظيظ من معرفة أخبارها فبضاعته أحاديث ومرويات متفرقة يسيرة ليس فيها سبرٌ لأغوار حياتها الشخصية أو الأسرية.

 

ليس قُصارى الأمر في شأن أمنا خديجة أنها زوجُ النبي، صلوات الله وسلامه عليه، ولا كونُها أما للمؤمنين، أو أولَ المسلمين من أمته، عليه الصلاة والسلام، -مع كونِ هذه الأمور مناقب عظمى تقاصَرُ عنها سورة المتطاول-، بل الأمر أوسع من ذلك وأبعد غورا.

 

مما اشتهر من أخبار الإمام أحمد بن حنبل، رحمة الله عليه، أنه مكث مع أم صالح -زوجته- ثلاثين سنة ما اختلفا في كلمة، وهذا أمر عظيم وحياة زوجية نادرة المثال في دنيا الناس!

 

ولكني لما قِستُها بأمر السيدة خديجة في بيتها ومع زوجها الإنسان الأعظم، صلوات الله وسلامه عليه، وجدتُ الفضل مع السابق على اللاحق بل إني لا يحضرني في قديم الدهر وحديثه حكايةٌ عن أهل بيتٍ كانوا أطيب عيشا وأهنأ حياةً وأرعى لحقٍّ وفضلٍ وأحسن عِشرةً من بيت سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمنا خديجة، رضوان الله عليها.

 

هذه الكلمة من الإمام أحمد تحكي حالا نادرة من الوئام والصفاء في هذا البيت الكريم لكن لعلك لو تدبرتها لوجدت أن غاية ما فيها: أن أم صالح كانت تحت كنفه وأحسنت التبعل إليه ولم يجْرِ منها ما يجري من كثير من النساء على أزواجهن من شقاقٍ وإعنات ولم يقع عليها من زوجها ما يقع من الأزواج من تفريط وتضييع لحقها ونحو ذلك، وأنت لا بد واجدٌ في سابق الزمان ولاحقِه أبياتًا هذا حالُها، لكن أمر السيدة خديجة يُجاوز الحديث عن الوفاق والصفاء وهذه المعاني السامية إلى شيء أبعد من ذلك أصلا!

 

السيدة خديجة كانت هي سترًا لزوجها وكنفًا وصدرا رحبًا يأوي إليه وذراعا حانية تعطف عليه ووزير صدقٍ ونصيرَ حقٍّ له، تلك المرأة قامت في حياة زوجها قبل بعثته وخلاله وبعدها مقاماتٍ لا يقومها إلا أولو العزم من البشر، وإذا كان الناس يعدُّون في مناقبها أنها أول الناس إيمانا به، صلوات الله عليه وسلامه، فما الأمرُ مقصورًا على ذلك وحسبُ ولذا لم يكن الصديق، رضوان الله عليه، أول الناس إيمانا به إلا أنه خير أصحابه طُرًّا، ولكن كان شأن السيدة خديجة أكبر من ذلك بكثير.

 

إن هذه المرأة كانت تُهيَّأ لذلك الإيمان والتصديق قبل المبعث بزمان، وحسبُك من امرأة كانت تدعى الطاهرة حين كان الناس يهيمون على وجوههم في أودية الجاهلية غارقين في لُجَج الكفر ما يرون أن دينا خيرٌ من عبادة الأوثان والتقرب إليها من دون الله، ثم أنفذ الله بصيرتها خلال سُجف الغيب فلم تر لنفسها خيرا من محمد الشاب الصادق الأمين زوجًا ورفيق حياةٍ، هذا وكانت مطمح أبصار السادة الكبراء من أهل مكة لسيادتها وشرفها ونسبها ومالها، ولَنعم ما اختارت لنفسها!.

 

وحسبُك من امرأة لما دخل عليها زوجها فزعا ترجف بوادره من هول ما رأى وسمع، لم تجزع ولم تهلع مع أن المظنون بها أن يساورها شيء من الخوف أو الفزع جريا على طباع النساء في مثل هذا وما دونه أيضا إلا أنها ثبتَتْ ولم يبادرْها الشك طرفة عين في أن هذا الذي جاء به حقٌّ لا مرية فيه، ألا ترى أنها لم تذهب به إلى طبيبٍ أو راقٍ ولم تنطلق به إلى كاهنٍ أو شيخ قبيلة بل أسرعت به إلى رجلٍ عالم بأخبار الأنبياء عارف بالكتب السماوية وما ذاك إلا أنه وقع في نفسها أنه نُبِّئ عليه الصلاة والسلام، فلو لم يكن ذلك تهيئة من الله لها وإعدادا لقلبها لتكون مؤمنة مؤازرة لنبيه في تلك اللحظة العصيبة أفكان هذا الموقفُ يظهر منها؟

 

كان يمكنها بكل يسر أن تخرج في الناس فتصرخ فيهم أن زوجها قد جُنَّ جنونه -حاشاه صلوات ربي وسلامه عليه وحاشاها، عليها رضوان الله،- أو تسأله أن يخلي سبيلها بالطلاق لو كان خالط قلبَها الوجل مما سمعت منه، وكان في مقدورها -لولا سبْقُ القدر- أن ترجئ إيمانها مدة حتى تستوثق من أمره وكان يمكن أيضا غير ذلك، لكنها لم تكتف بالإيمان بل تجاوزته إلى التثبيت وطمأنة الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه على خير وأن أمره حق وأنها أول المؤمنين به وكانت من ذلك الإيمان على أوثق العهد وأوضح السبيل من أول لحظة إلى أن اصطفاها الله إلى دار كرامته وأحلَّ عليها رضوانه الأبدي!

 

لم يكن حُسن تبعُّل السيدة خديجة أمرا مبذولا لكل زوجة وليس شيئا يسيرا على كثير من النساء بل كانت حياتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ضربا من الأعاجيب ولونا فريدا من الجمال الصافي المحض، وإنك لَتجد في أخبار سيدات النساء وخيراتهن والكُمَّل منهن لحظات يكون فيها ما يكون من النساء من نقصٍ أو جزع أو شكوى أو نحو ذلك وإن يكن شيئا يسيرا أو نادرا، لكنك لن تجد شيئا من ذلك في أخبار السيدة خديجة بل تكاد تبصر بعينيك نفسَها الرضية وروحها النقية ويخيل إليك أن لها نفسا لو أرادت أن ترتكب شيئا ينقصها لما كان لها إلى ذلك سبيل.

 

إن من لغو الحديث أن يقال إن السيدة خديجة لم يكن بينها وبين النبي، صلى الله عليه وسلم، خلاف في كلمة، هذا شيء لم يكن محتملا في بيتهما أصلا بل إن حياتهما الزوجية أُسِّست على الوفاق والانسجام من أول يومٍ ثم تتامَّ بناؤها عاليا رفيعا وما بالك بقول النبي، صلى الله عليه وسلم، لأحبِّ نسائه إليه الصديقة بنت الصديق، رضي الله عنهما: ما أبدلني الله خيرا منها!

 

إن جبريل عليه السلام أتى ليقرئ خديجة السلام من رب الأنام ويزف إليها البشارة ببيت في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب، وكانت ما تزال حية ترزق، إنها لم تصخب على زوجها، صلوات الله وسلامه عليه، ولم يدركه منها نصَبٌ طيلة حياته معها فكان جزاؤها مجانسا لعملها الكريم!.

 

كانت سيدتنا خديجة، عقلا راجحا، وعاطفة صادقة، وحبا خالصا، ووفاء نادرا، وإيمانا تاما، وسخاء وافرا، كانت زوجة عظيمة، وأمًّا كريمة، وأصلا جنيًّا، طابت فروعه وزَكَت ثمراته، وحسبك أنها وابنتَها فاطمة الزهراء هما المرأتان الوحيدتان في أمَّةٍ واحدة، ممن قيل عنهن إنهن سيدات أهل الجنة، وحسبك ما في بيتها من إسلام لا تجد له نظيرا إلا أن يكون بيتا كثيرَ الأنبياء، فزوجها محمد، صلى الله عليه وسلم، أكرم الخلق على الله، وبناتها بناتُه وأبناؤها أبناؤه، وأحفادها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ورجلان من أزواج بناتها من العشرة المبشرين بالجنة الذين هم خيار الناس بعد النبيين والمرسلين!

 

لذلك فإن أبلغ رد على الكلمة السائرة “كوني له خديجة يكن لكِ محمدا” أن يقال: لن تكوني خديجة ولن يكون محمدا، لأنه عفوا عما كان محمد، صلى الله عليه وسلم، فيه من النبوة وعن كون خديجة رضوان الله عليها من سيدات الصحابة والنساء فحياتهما الزوجية حكاية فاذة لا تحدث في التاريخ مرتين، بل ولم تكن حياته مع أزواجه الأخريات عِدْلًا لحياته معها، هذا وهنَّ خيرات النساء وكرامهن وأمهات المؤمنين، وغاية المنشود بعد ذلك: اقتفاء آثارهما بالجهد والمغالبة!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى