مقالات

أم حسن وأشياء أخرى

Latest posts by د. خالد سعيد (see all)
في حالة الاحتقان المجتمعي وشيوع الاضطهاد أو المظلومية لفئة من الناس؛ خاصة لو كان بسبب شعائرهم الدينية كاللباس الشرعي وغيرها؛ فإن العقول المنهكة والنفوس الحارة اليابسة، تكون مؤهلة لالتقاط شرارة طائشة أهلية الهشيم لسريان النار، بصورة تحيل القدرة على الحكم السديد والتقييم السليم، وتزداد النار اشتعالاً والغيرة التهاباً إذا تعلق الأمر بحساسية العرض وحمية الشرف.

وفي الصراع العشوائي المحتدم والذي قد ينشب فجأة دون أطراف واضحة او تخطيط منظم في التجمعات الكبرى كالأفراح والمطاعم والشوارع وغيرها؛ فإنه من العسير جداً ان تصل إلى الحقيقة أو أن تجمع كل أطرافها، فكل يرى علة فيها لما اعتقدَ !!

لكن تبقى هناك أمور مهمة ينبغي وضعها في الاعتبار:

▪أن الانتصار للدين متمثلاً في شعائره والعرض متمثلاً في رباته؛ هو من الواجبات الخطيرة والتي تشمل قوام المجتمع ذاته، بل قوام الإنسان ككائن مكرم ليحتفظ فقط بإنسانيته.

▪أن معالجة مثل هذه القضايا والحوادث معالجة صحيحة ينبغي أن تتصدى له الفئات والشخصيات العامة الحريصة على المجتمع هوية وثقافة وحاضراً ومستقبلاً؛ بالحكمة المسئولة والتي لا تُضَيعْ حق من لهم او لهن حق او تخذلهم، كما لا تضرهم من حيث تريد إنصافهم او إنصافهن بصورة او بأخرى او تضر بنية المجتمع ذاته!!

والإشكال هو في غياب أو تغييب دور هذه الرؤوس المجتعمية طوعاً أو قسراً؛ فَتُتْرَك عقول العوام لتضيع سدى، فتهيج يوم تهيجها هوجاء، فيتناولها الغيورون من نفس جهة من أجرموا أو قل أساءوا فيها، فينتصرون للمنتقبات فقط على سبيل المثال كما هو في حادثة الأمس، بل ويقارنون ذلك بما لو كانت هذه متبرجة أو سافرة أو مسيحية!!

فكأنهم كانوا بعض الجناة، نعم هي قضية تهيج فيها الحمية لشرائع الدين والغيرة على أعراض المسلمين، فلنذكر ذلك ولنرفض أن يمس نقاب مسلمة أو حجابها، ولنرفض كذلك أن تمس المتبرجة كَعِرض ولو خالفت بعض شرائع الهدي الظاهر ولنرفض أن تمس النساء ولو كن على غير ديننا، عِرُضنا هم جميعاً وشرف مجتمعنا وضميره إن بقي له من ضمير بعد إهانة النساء فيه.

▪ وإن انتصرتم لهذه الدعوى من هذه الجهة فقط فقد عمقتم الخندق المجتمعي وانتصرتم لعقيدة الجيتو وزدتم من حصار بناتكم إذا التزمن بهذا الهدي الظاهر بالمقابل وسرن في الأماكن العامة، فلتكن دعوتكم للانتصار لهن عامة برفض هذه المسالك المنحرفة في المجتمع والتضييق عليها، فلتكن دعوة للثورة على النظام الفاسق المنحرف الذي كرس انتهاك أعراض النساء في البيوت والسجون والمعتقلات والشوارع، فلتكن ثورة على إعلامه الداعر المريض الذي جعلهن سلعة للرقص والخنا؛ تارة عند لجان التزوير إظهاراً لفرحة زائفة بمولده السِفاح الحرام، وأنّى لمثله من محفل إلا بهز أوساط النساء، لكنهن لسن نسائنا نحن بل تلكم الهزازات المستأجرات، أو يعرضهن للمتعة الحرام في التلفاز والقنوات، أو تقتلهن وتعتقلهن أجهزته المجرمة في سابقة لم يتجرأ اليهود على النساء إلا بعدها.

▪وفي الحادثة الهائجة اليوم ترى أمراً فيه عجباً خلاصته مهما قالوا فيه أنه قد تم التعدي على مجموعة من الفتيات خرجن لمكان عام لنزهة بريئة، ولا يعيبهن أن بعضهن انتصرن لأنفسهن ولا ينفي ذلك احتمال تَزَيُّد إحداهن ولا يعفيها من الخطأ إن أخطأت، ولكن يبقى الأمر فضيحة مجتمعية عامة وخاصة لهذا المطعم ولمن تعدى عليهن من عماله او بعض زبائنه بالفعل والقول؛ خاصة التعديات العنصرية منها وما تناوش منه الحجاب والنقاب وأن مكانه الشوارع وربما بعض الشتائم القاذعة أو الفاحشة من هذا أو ذاك، فهي وقائع تطول الدين والعرض معاً، في مجتمع تجنح به قيادته السياسية المجرمة اليوم نحو مزيداً من التجروء على الدين والانسلاخ من الشرف.

▪ أما من يعيب على الفتيات أو ينعي عليهن فهو مبدل للحقائق وواضع للضحية في موضع الجاني، ومن يتعلل بشراسة بعض تلكم المستضعفات فقد نسي أو تناسى ما تلاقينه كل يوم بل كل ساعة تخرجن فيها من بيوتهن من مضايقات وإساءات وسفالات من شراذم ما لها في الناعقين ندا، وأن أكثرهن ذات سجين ومعتقل وقتيل ومطارد.

▪ لقد تصدينا بفضل الله لانتهاك كرامة أخت لنا في التحرير في أحداث مجلس الوزراء والموسومة بست البنات -وهي كذلك-، كما تصدينا لكشوف العذرية وقضية سميرة إبراهيم ومن كن معها وتظاهرنا أمام مجلس الدولة، كما لم نخذل بضعة وعشرين امرأة تم التحرش بهن في التحرير في مظاهرات العار التي أطلقتها الثورة المضادة قبل نكبة 30 يونيو المخزية، ولن نخذل أخواتنا اللاتي انتهكت كرامتهن في مطعم أم حسن والواجب عليه وفوراً ودون أي تبرير الاعتذار الفوري لشعب مصر الذي يقتات وملاكه وعماله من يده، وخاصة منه نساء مصر وبناتها وتحديداً أولئك اللاتي أساء لهن الأراذل فيه بالأمس.

▪ وأخيراً فلن تمحوا أيها الظالمون ذاكرتنا ولن ننسى قضايانا المصيرية أو تغيبوا وعينا، ولن ننسى أن السيسي خائن باع الأرض وضيع العرض وستبقى تيران وصنافير مصرية

نحن نتذكر جيداً أن أسرانا في سجون سيسي اليهود بعشرات الآلاف وأن أحكام الإعدام والمؤبد طالت المئات.

يسقط .. يسقط حكم العسكر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى