الأمة الثقافية

أمير البيان “شكيب أرسلان” في ذكراه

في شهر ديسمبر  من عام 1869 ولد الكاتب والأديب والمفكر شكيب أرسلان الذي اشتهر بلقب أمير البيان لغزارة كتاباته، ويعد من كبار المفكرين وأبرز دعاة الوحدة العربية والإسلامية. كان يجيد اللغة العربية والتركية والفرنسية والألمانية، ويتحدر من أسرة درزية عريقة. وشكيب تعني بالفارسية: الصابر، وأرسلان تعني بالتركية والفارسية: الأسد.
وفي الشهر ذاته بعد 77 عاما توفي أرسلان في التاسع من ديسمبر عام 1946 في بيروت بعد رحلة طويلة في الحياة والمنافي، في زمن عرف انحطاطا ترافق مع دق المستعمر أبوابه لإقامة طويلة في حواضر الشرق، معها بدأت شعوب الأمة تعاين واقعها المرير وتطرح معضلتها على النخبة النهضوية، لماذا تقدموا وتأخرنا؟
السؤال الذي كان ينهال صادما على صاحب المنار (محمد رشيد رضا) أحاله بدوره على أمير البيان شكيب أرسلان، فهو رجل توسم فيه رضا الحصافة وطول التجربة ولم يكن ينقصه الانهماك والاشتباك مع معضلة التخلف، وهو الذي خلع عليه رضا أيضا لقب “أمير البيان”،
وطوال قرن فائت تغيرت صياغات السؤال قليلا، وتمظهر تحت عناوين، “الأنا والآخر”، والـ”نحن” والـ”هم”، بيد أن الفجوة راحت إلى اتساع والآخر أصبح آخرون، وشيفرة التخلف بقيت دون فك، ومنذ ذلك السؤال ضاعت بلاد وتمزقت الأمة وتداعت دول.
اجتهد شكيب أرسلان في الإجابة عن السؤال المعضلة، ورحل مخلفا وراءه غصة لا تزال في حلق الأمة، التي ينطلق أبناؤها اليوم في الميادين والشوارع مشتبكين مع واحد من أهم عوامل التخلف وهو الاستبداد علّ في زواله إجابة أنجع للسؤال.
وبعيدا عن اجتهاد الرجل في الإجابة عن السؤال، والانتقادات التي مسّت الكتاب الذي تضمن إجابة أرسلان عليه، وأنه خطبة مطولة، فإن السؤال بحد ذاته كان كفيلا بإثارة حفيظة بريطانيا وفرنسا ومنع الكتيب من الدخول إلى دول عربية كانت وقتئذ تئن تحت وطأة المستعمر في واقع معقد.
مشهد معقد
لم يكن المشهد الذي تفتح فيه وعي أرسلان الكفاحي واضح المعالم فيما يمكن تسميته في عالم السياسة بموازين القوى والتحالفات، بل كان في غاية التعقيد: أمة ترزح تحت ظلم فادح، لدولة خلافة تشاطر العرب دينهم، في حين أنها تزداد تخلفا، وأحرارها تنصب لهم المشانق في “عالية” وغيرها على يد جمال باشا السفاح، ومستعمر وضع سيداه (سايكس وبيكو) اتفاقيتهما لتمزيق أرض العرب.
انحاز أرسلان في مستهل حياته الفكرية وتوجهه السياسي إلى فكرة الجامعة الإسلامية ووحدة المسلمين تحت راية الخلافة، متأثرا بآراء جمال الدين الأفغاني، بيد أن إمعان الأتراك في ظلمهم دعاه إلى الانضمام للمنادين بالوحدة العربية وحقهم في دولتهم القومية، “فهي السبيل إلى وحدتهم وقوتهم”، آخذا على نفسه عهدا بالدعوة إلى وحدة الأمة والتبشير بها  قائلا “إنه سيظل يبشر بهذه الدعوة طوال حياته، فإن لحق بربه، قبل أن تتم فيوشك أن يبشر بها وهو تحت التراب”.
دعا شكيب إلى الجامعة الإسلامية في ظل الحكم العثماني، ووقف في وجه التعاون مع الغرب، وكان يدعم دولة الخلافة، إلا أنه أخيرا استاء من سياسة جمال باشا السفاح، ونصحه كثيرون ألا يتمادى في التدخل حرصا على حياته، فهاجر من سوريا إلى إسطنبول سنة 1917، وقرر ألا يعود إلى سوريا وجمال السفاح فيها.
مناضل ضد المستعمر
وفي عمره المديد (1869-1946) هجس أرسلان المولود في “الشويفات” بلبنان في هموم الأمة وتحررها، وعاش مناضلا على جبهة المستعمر الفرنسي، الذي اتهمه مفوضه في سوريا “مسيو جيوفيل” بأنه من أعوان السفاح، غير أن الاتهام في حينه لم يكن إلا محاولة تشويه لصورة الأمير الذي كان على رأس كتيبة لمقاومة المستعمر الفرنسي.
وإذا كان المنفى حرم أمير البيان العربي من مواصلة الكفاح المادي ضد المستعمر، فإن ذلك لم يمنعه من النضال على جبهة الثقافة والفكر، فراح ينشط في التأليف والنظم والخطابة تاركا وراءه إرثا مكونا من مئات الرسائل والقصائد الشعرية والعديد من الكتب.
إشكالية زائفة
وفي مواءمته مبكرا بين إسلامه وقوميته على صعيد انتمائه الفكري كان أرسلان يفك في وقت مبكر جدا الإشكالية “الزائفة” بين العروبة والإسلام، وهي الإشكالية التي غدت بعدئذ حروبا طاحنة بين المنظرين على الطرفين، وأبعد من ذلك بدا الأمير الدرزي واحدا من النماذج التي تطرح في ممارساتها الحياتية والسياسية رمزا لنبذ المذهبية والطائفية.
وقبل عامين من رحيل أمير البيان العربي عام 1946 كانت نذر النكبة تلوح في الأفق، وفي الوقت الذي بدا فيه أن شيئا لم يكن بوسعه تغيير المشهد ترك وصيته الأخيرة “أوصيكم بفلسطين”، على أن الوصية لم تجد من ينفذها وضاعت فلسطين، كما الأندلس التي كانت واحدة من محطات أرسلان الطويلة في تجواله في أصقاع العالم.
مضى أرسلان الذي تحل ذكراه هذه الأيام، وقد تعقدت الإشكاليات، وغدا سؤاله المعضلة أسئلة، بيد أن الرجل لا يلبث أن يحضر في أي محاولة جديدة لاختراق الواقع المر والبحث عن إجابات جديدة.
تكوين سيرة مناضل
حفظ أرسلان القرآن صغيرا، ودرس علوم العربية على عبد الله البستاني، ودرس التركية والفرنسية، وانتسب إلى المدرسة السلطانية ببيروت عام 1887.
أقام بدمشق وحضر دروس الشيخ محمد عبده، والتقى الشيخ جمال الدين الأفغاني في إسطنبول عام 1892، وأتاحت له إقامته في أوروبا أن يقرأ ما كتب الغرب عن العرب وحضارتهم وثقافتهم، وبسط قضايا العرب والمسلمين على منابر أوروبا بكل صراحة ووضوح.
التقى بالعديد من المفكرين والأدباء خلال أسفاره الكثيرة مثل أحمد شوقي وإسماعيل صبري. وقام برحلاته المشهورة من لوزان بسويسرا إلى نابولي في إيطاليا إلى بور سعيد في مصر، واجتاز قناة السويس والبحر الأحمر إلى جدة ثم مكة، وسجل في هذه الرحلة كل ما رآه وقابله.
كان من أوائل الدعاة إلى إنشاء الجامعة العربية، ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة دعا إلى إنشاء جامعة عربية، ولما أنشئت كان سروره بها عظيما، وكان يرى فيها ملاذا للأمة العربية من التشرذم والانقسامات، وسبيلا إلى نهضة عربية شاملة في جميع المجالات العلمية والفكرية والاقتصادية.
مجّد أعمال الدولة العثمانية، وافتخر بسلاطينها وامتدح جيشها، ورأى فيها الأمل الوحيد في جمع شتات المسلمين، والحفاظ على قوتهم ووحدتهم، وتصدى لمحاولات التشكيك في أهلية العثمانيين للخلافة الإسلامية، وانحاز إلى جانب الاتحاديين قبل أن يسفروا عن وجوههم المخادعة، وكان يرى أن الخلافة يومئذ على ضعفها وتفككها ملاذ المسلمين الوحيد ضد الطمع الصليبي الاستعماري، ولم يتردّد في أن يعلن الحرب على دعاة الطورانية، ووقف إلى جانب مسلمي البلقان، وأشرف على تنظيم أحوال المهاجرين من مناطق الحرب، ودعا إلى التطوّع إلى جانب القوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وحذر من دسائس الإنجليز لضرب الجامعة الإسلامية.
إرث تليد
أصدر شكيب أرسلان عشرات الكتب بين تأليف وشرح وتحقيق، منها كتابه المشهور “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟”، وكتب عن رحلة حجه “الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف”، و”تاريخ الترك” تعليقا على تاريخ ابن خلدون، و” الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية” في 3 أجزاء، وله تعليق على حاضر العالم الإسلامي للوثروب ستودوارد في 4 أجزاء، حيث بلغت الشروح والحواشي 4 أضعاف الكتاب الأصلي، حتى أصبح الأصل يعرف بها لشهرتها.
ومن كتبه أيضا: “شوقي أو صداقة أربعين سنة”، وأصدر ديوانه “ديوان الأمير شكيب أرسلان”، و”تاريخ غزوات العرب”.
اشتغل بالصحافة وأصدر في برلين عام 1921 جريدة “لواء الإسلام” التي كانت تهدف إلى إحياء الدعوة إلى الجامعة الإسلامية بعد انهيار دولة الخلافة العثمانية، وأصدر في جنيف مجلة “الأمة العربية” بين عامي 1930 و1938 بالفرنسية، بالاشتراك مع إحسان الجابري، وبلغ عدد مجلداتها 50 مجلدا.
———————
المصدر : الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى