آراءمقالات

أفكار تجاوزها الزمن (لماذا الإسلام؟)

Latest posts by د. عمرو عبد الكريم سعداوي (see all)

كان أهم الأسئلة الوجودية التي انطلقت منها الحركة الإسلامية المصرية وتبعتها في ذلك أغلب الحركات الإسلامية في شرق العالم وغربه هو: لماذا الإسلام؟

كان هذا السؤال هو سؤال الساعة، وتحدّي المرحلة، وواجب الوقت،والمعركة الحقيقية بين الإسلام وخصومه أو أعداءه في الداخل والخارج.

كان الإسلام كدين على محك الصراع، وفي بؤرة الاستهداف، وكان الاتهام المباشر له أنه دين تجاوزه الزمن، وأصبح لا يجيب على التحديات الراهنة، وبالتأكيد لا يمكن أن يشكل قاطرة المسلمين لدخول عالم الحضارة “الغربية”، وكانت هي الحضارة الغازية والغالبة، “والمغلوب مولع دائما بتقليد الغالب” كما يقول ابن خلدون.

كانت عملية إسقاط الخلافة -وليس سقوطها- مدوية، ضجت منها أرجاء العالم الإسلامي: بلادا وأناسا، فلقد كانت تلك الراية هي آخر راية دولية (سياسية)تجمع تحت لواءها عالم الاسلام والمسلمين في وحدة أو شبه وحدة حقيقية.

وكان لابد من ردة فعل قوية تليق بحجم الصدمة التي مني بها عالم المسلمين، كان الإسلام نفسه كدين على محك التهديد تحت وقع سنابك خيل الغزو الاستعماري الغازي، وما أفسحه للمنصّرين والمستشرقين من مساحات شاسعة يجوبون فيها يشككون أهل البلدان المستعمرة في عقيدتهم ودينهم ونمط حياتهم، ويحملونه مسؤولية تخلفهم وتراجعهم في سلم الحضارة.

وكان الدفاع عن الإسلام: عقيدة وشريعة ومنهج حياة، هو الشغل الشاغل للمصلحين في تلك المرحلة سواء أكانت منطلقاتهم وطنية: تربط بين الاستقلال الوطني والدين الغالب للمواطنين، أو كانت منطلقاتهم دينية: تستهدف الدفاع عن بيضة الأمة وحياضها الحضاري وخصوصيتها العقدية.

وفي هذا الإطار أنصبت أغلب إجابات المصلحين في تلك المرحلة على سؤال: لماذا الإسلام؟ وما مدى صلاحية شريعته لكل زمان ومكان؟ وهل يملك الإسلام مقومات النهوض الحضاري بأهله، وهل يمكن للإسلام كدين وكمكون عقدي أن يشكل مخزون تحريري يساعد أهل البلاد المستعمرة على الاستقلال والخروج من ربقة الاحتلال؟

زلزلت تلك الأسئلة الوجودية والمعرفية كيان المسلمين تحت وقع مطارق تنتهك خصوصيتهم الدينية وبنيتهم المعرفية، وكان من اللازم أن ينشغل أغلب المصلحين بالإجابة على هذا السؤال المحوري.

وتراوحت الإجابات بين الجانب الذي يرتكز على المعاني العقيدية المتعلقة بصحة الاعتقاد وسلامة أصل الإيمان وعصمة الدين وخاتميته، وبين الجانب الذي يركز على صلاحية الشريعة لأن تنبثق منها القوانين وتشتغل على ما تنتجه من فقه أروقة المحاكم، وما بين الصوت الإعلامي والصحفي الذي يصدح دفاعا عن أصل الفكرة الإسلامية وخلودها: زمانا ومكانا وحالا، وصلاحيتها لأن تقوم عليها كل مناهج الحياة، والتأكيد على أن الإسلام كما هو دين شامل لكل مناحي الحياة، هو كذلك دين صالح لكل زمان ومكان.

كانت جل إجابات رموز الحركة الإسلامية هي محاولة تثبيت أركان الإيمان في نفوس الناس، والدفاع عن بيضة الإسلام في المجتمع،ورفع الراية الإسلامية لتظل معلما ينادى من على رأسها الشاردين والمتشككين، والذين أتت على أصول معتقداتهم أنشطة جحافل المستشرقين والمنصرين.

كانت الإجابات محاولة للإبقاء على جذوة الإيمان مشتعلة في النفوس، وعلى تثبيت أصول الاعتقاد والحفاظ على الهوية الدينية لما تبقى من أصول دين في قلوب الناس.

ففرضت طبيعة المرحلة وفداحة التحدي أمران أخصص هذه المقالة لأحدهما ألا وهو الاقتصار في الإجابة على سؤال التحدي وهو: لماذا الإسلام؟ وليس: كيف الإسلام؟

أما الأمر الآخر والذي أخصص له مقالة أخرى فهو عمومية الإجابات حيث جاءت أغلب الإجابات عامة غير متعينة ولا متلبسة بواقع حال، فجاءت إجابات فضفاضة تجيب على كل سؤال ولا تجيب على أي سؤال.

استفرغ رموز الحركة الإسلامية كل جهدهم في الإجابة على سؤال: لماذا الإسلام؟ ولم ينشغل إلا قليل بسؤال آخر لا يقل عنه حدة وتحد وهو كيف الإسلام؟ وأي الصيغ نتبع؟ وما هي تفاصيل تلك الرؤية التي يحملها الإسلام والمتعلقة بكل جوانب الحياة ودروبها، وفي التفاصيل يكمن التحدي.

لقد استوعبت ظروف المرحلة المصلحين وفرضت عليهم إجابات معينة: نوعية وطبيعة، وظلت هذه الإجابات صالحة لفترة طويلة من الزمن حتى ساد الاعتقاد العام بين جموع المسلمين بأن الإسلام كدين ليس محل تساؤل، وأن طبيعته وشموله لكل نواحي الحياة من ضرورات تعريف الإسلام كدين سماوي، وأن صلاحية الإسلام كدين لكل زمان ومكان من ضرورات تعريفه كدين خاتم.

ومنثم أصبحت الإجابات المقدمة على سؤال: لماذا الإسلام إجابات تجاوزها الزمن، وقضايا لم يعد لها محل من الإعراب في واقع المسلمين المعاصر، وكان من المفترض أن ينشغل المصلحون بسؤال آخر أشد تحديا وأعمق أثرا، ليسهو لماذا الإسلام؟ بل سؤال: كيف الإسلام؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى