آراءمقالات

أفكار تجاوزها الزمن (الهرمية)

Latest posts by د. عمرو عبد الكريم سعداوي (see all)

كان نشوء ما يسمى بالحركات الإسلامية التنظيمية عقب سقوط أخر شكل من أشكال الوحدة الإسلامية على المستوى السياسي وهي الدولة العثمانية مؤذنا بقيام الكيانات الموازية للدولة والمجتمع (وهي كيانات دون الدولة الوطنية وفوق المجتمع تشغل تلك المساحة الشاسعة بين المجتمع والدولة).

قامت تلك الكيانات الموازية بما يشبه المحاكاة لنظام الدولة أو في أحيان كثيرة بديلا عنها، فقامت وكأنها دولة داخل الدولة تريد أن تشغل تلك المساحاتالاجتماعية الواسعة فكان لابد من تشكيل نظامي (تنظيم) يربط حركة الأفراد بعضهم ببعض، وشكل من أشكال الولاء والانتماء (الطاعة) يلزم الأفراد بتنفيذ ما يرد إليهم من أوامر وتعليمات من المستويات الإدارية العليا.

كان الشمول أحد أهم صفات تلك الحركات بمعنى أنهاتمثل “الإسلام كدين ونمط حياة” وبما أن الإسلام دين ومنهج حياة يشمل جميع المناحي فلابد أن تكون الحركة الداعية إليه تشمل بهيمنتها جميع مناحي الحياة، وفرض هذا الشمول المفرط خطابا عاما (بالغ العمومية) يفسر كل شيء ولا يفسر أي شيء على الإطلاق كما يقول أستاذنا الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وهكذا انتظمت جميع أركان المنظومة التي فرضت الجمود على خطاب الحركات الإسلامية ليس في مصر وحدها بل في أغلب النسخ العربية والإسلامية التي نقلت عنها الفكر والتنظيم وأسلوب الحركة.

أما “الهرمية” وأعني بها الشكل الهرمي في التنظيم الإداري فأقول إنه كان من مستلزمات القناعة التامة بأهمية وجود تنظيم يعمل على هذا الفكر، ويربط الأعضاء بشكل من أشكل الانتماء ويسمح بنشوء علاقات تنظيمية بين المكونات الاجتماعية التي تشغل الهيكل التنظيمي.

لقد فرض العقل التنظيمي اختيار الشكل “الهرمي” لضبط العلاقات بين الوحدات التنظيمية وكان هو الشكل الإداري السائد في تلك المرحلة المبكرة من عمر العلوم الإدارية على مستوى العالم، وأتاح هذا الشكل الهرمي التحكم في المجموعات الكبيرة عن طريق السيطرة التي تخلقها مساحات الولاء للقيادة أو ما يسمونه الثقة، وكلما ارتقى الفرد في السلم التنظيمي ارتفع موقعه في أعلى الهرم الإداري وكلما ارتفع في موقعه الإداري تحكم بمساحة أكبر من المعلومات التي تنزل دائما من فوق، باعتبارها المعلومات الوحيدة الموثوق فيها والملزم اتباعها، وكلما ضاق رأس الهرم تمكنت القلة القليلة التي تمسك بمقدراتالتنظيم من التحكم بكل القرارات الصادرة بل وبمجريات الأمور كلها.

وساعد على ذلك ما يوفره قلة عددتلك المجموعة الحاكمة من ارتباط عضوي حيث يجمعها فكر تنظيمي واحد ونمط حياة واحد وربما أحيانا كثيرة مصالح واحدة (وحيث تجتمع شبكات النسب والمصاهرة والبزنس ونمط التفكير الواحد فلا تسأل عن أي مرجعية شرعية أو اخلاقية) وتعلم الجميع الحكمة من رأس الذنب الطائر، فمن تجرأ وعارضتلك المجموعة الحاكمة وجد نفسه على قارعة الطريق تنهش عرضه وسمعته وتاريخه الكتائب الالكترونية ويكون مصيره الإعدام المعنوي بلا أدنى شفقة أو رحمة.

ومن الأمانة العلمية القول بأنه في النصف الأول من القرن العشرين كان الشكل التنظيمي السائد أو المعروف هو هذا الشكل الهرمي،ذلك الشكل التنظيمي أو الإداري الذي أنتج مفاهيم التخصص ووفورات الحجم الكبير وما أحدثه من ثورة صناعية هائلة كان هو أحد مفاهيمها.

وكان رأس الهرم التنظيمي أو الإداري لديه صلاحيات مطلقة في إصدار القرارات وبالتالي تتجمع عنده كل المعلومات وما تتيحه هذه المعلومات من سلطة وسيطرة على باقي مكونات الجسد التنظيمي معروف ومشاهد في مختلف التنظيمات الاجتماعية.

تطور العالم وتطور الفكر التنظيمي والإداري في العالم وظل فكر وتنظيم الحركات الإسلامية ثابتا على حاله حتى تجاوزهما (الفكر والتنظيم) الزمن، وأصبح الشكل التنظيمي الهرمي من مخلفات التاريخ بعد ثورة المعلومات أوالثورة التكنولوجيةالهائلة وبروز أشكال جديدة من التنظيمات العلنية المفتوحة أو الأشكال الدائرية أو الشبكيةتلك الأشكال التي تتسم بتدوير الأفراد ذوي الكفاءة والمؤهلين على المواقع التنظيمي فلا احتكار للمعلومات ولا حجب لها ولا تلاعب بمشاعر الأتباع ولا ترويج أفكار بالغة العمومية ولا اعتماد خطاب دعائي هو أقرب للترويج الساذج ولا توسيد الأمر إلى غير أهله ولا تأبيد في المواقع والمناصب.

باختصار العالم تجاوز كل تلك المنظومة البالية من أفكار عفى عليها الزمن ولم يتجاوزها فقط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى