تقاريرسلايدر

أفغانستان.. دولة مفقودة بعد 98 عامًا من الاستقلال

منذ نيلها الاستقال عن بريطانيا، في مثل هذا اليوم من عام 1919، لم تتمكن أفغانستان الحفاظ على سيادتها بشكل كامل، والنأي عن التجاذبات الدولية، وتحقيق ما يعنيه الاستقلال من وحدة واستقرار، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن واقع ومستقبل البلاد.

تقع أفغانستان على مفترق طريق استراتيجي في وسط آسيا، الأمر الذي جعل منها محطة رئيسية للتجاذبات بين القوى الكبرى إقليميًا ودوليًا، قديمًا وحديثًا، وزرع فيها كافة أشكال الأزمات، قبل أن يتركها طريحة حقبة تاريخية غابرة.

ويعود التأريخ الحديث لتلك الصراعات إلى عام 1838، عندما توجه البريطانيون إلى أفغانستان في توسيع رقعة إمبراطوريتهم التي لا تغيب عن الشمس، إلا أنهم ما لبثوا أن دحروا بانتفاضة عام 1842، وتم للأفغان استعادة عاصمتهم، كابل، بعد معركة طاحنة، فيما أطلق عليه اسم الحرب البريطانية الأفغانية الأولى.

وعام 1878، عاد البريطانيون للمحاولة، يدفعهم الخوف من تقدم النفوذ الروسي نحو أبواب شبه القارة الهندية، التي كانوا يعدونها جوهرة التاج البريطاني، ما أشعل حربًا ثانية، انتهت بتمكن لندن من فرض نفوذها على القرار السياسي لكابل، في إطار معاهدة “غانداماك”، عام 1879.

وعام 1919، وقعت الحرب البريطانية الأفغانية الثالثة، وانتهت، خلال أشهر، بتوقيع معاهدة “روالبندي”، وأعلن الملك “أمان الله خان” استقلال أفغانستان، وتخلصها من الوصاية البريطانية على سيادتها وقرارها الوطني، وبدأ إقامة علاقات دبلوماسية مع مختلف الدول.

استمر حكم “أمان الله” عقدًا كاملًا، قبل أن يطيح به متمردون، ثم ورث عرشه “محمد ظاهر شاه”، الذي عرف عهده اتساعًا تدريجيًا للنفوذ الروسي بعباءة الماركسية، قبل أن تدخل البلاد في اضطرابات، عام 1967، انتهت بتدخل سوفييتي، عام 1979، خشية من سقوط كابل في قبضة المعسكر الغربي.

لم تنته مأساة الأفغان بهزيمة السوفييت نهاية ثمانينيات القرن الماضي، فقد اشتعلت نزاعات بين “المنتصرين”، أفرزت، بالإضافة إلى كل ما سبقها، طابعًا متطرفًا، سواءً على مستوى المجتمع أو الحكم الذي تولته حركة “طالبان” الإسلامية.

وعام 2001، جاء الأمريكيون إلى أفغانستان، يحملون شعارات دحر الإرهاب ونشر الديموقراطية والنماء، إلا أن قادة عالم “القطب الواحد” فشلوا بتحقيق أي من ذلك، بعد مرور 16 عامًا من احتلالهم البلاد.

العهد الأمريكي 

منذ احتلالها، لم تنجح جهود دول حلف شمال الأطلسي “ناتو”، بقيادة واشنطن، وقف الهجمات الإرهابية في أفغانستان، التي يروح ضحيتها مدنيون وعسكريون على السواء، فضلاً عن تحقيق الاستقرار والسيادة للحكومة التي ساهموا في تأسيسها.

وبالرغم من مرور تلك السنوات، وإنفاق واشنطن المليارات على تعزيز القوات الأفغانية الحكومية، إلا أن العمليات الإرهابية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنًة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بحسب تقرير لمكتب التحقيق الخاص بإعادة إعمار أفغانستان التابع للكونغرس الأمريكي.

وأشار المكتب الأمريكي في تقريره، الذي صدر في يوليو الماضي، أن العام الجاري، شهد عودة الاضطرابات لعدد من المناطق التي شهدت استقرارًا سابقًا، كالعاصمة كابل والمدن الشمالية.

وأضاف أن ألفان و532 جنديًا، من الجيش الأفغاني، لقوا مصرعهم خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري، سقط منهم 250 في هجوم واحد، حين هاجم 10 مسلحين قاعدة عسكرية بالقرب من “مزار شريف” (شمال)، في أبريل/نيسان الماضي.

بدورها، وعلى المستوى المدني، وثقت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان، خلال الفترة من 1 يناير و30 يونيو الماضيين؛ “سقوط ألف و662 قتيل، وإصابة 3 آلاف و581 آخرين”، مشيرة إلى تزايد أعداد القتلى من الأطفال مقارنة بالسنوات الماضية.

 إرهاب مزدوج

أدى ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي في أفغانستان، بذراعه “ولاية خرسان”، عام 2015، إلى تضاعف حجم المأساة، حيث ازدادت الهجمات الإرهابية، وتزايدت بشاعتها، وترافق معها توتر مع الجارة باكستان، وتبادل للاتهامات بين الجانبين.

ورغم بداية الحديث عن مفاوضات بين كابل وإسلام أباد، لوضع حد للجماعات المسلحة (داعش وطالبان)، إلا أن خلافات متأصلة بين البلدين ما زالت تعرقل التوصل إلى تعاون متكامل، أهمها الخلافات على الحدود وأزمة اللاجئين الأفغان في باكستان، والعلاقات الإقليمية للبلدين وغياب الثقة.

وفي تلك الأجواء، يتقدم “داعش” بخطىً ثابتة لترسيخ وجوده في المنطقة، خصوصًا على امتداد الحدود المضطربة بين البلدين، ويسعى لاجتذاب المزيد من المقاتلين، خصوصًا من عناصر “طالبان”، وربما لحث مزيد من الأطراف الخارجية للتدخل في المنطقة، وإطلاق جولة جديدة من جولات تدمير الشعب الأفغاني.

الأوضاع المعيشية

بحسب بيانات المركز الإحصائي الأفغاني لعام 2016، فإن نسبة البطالة في البلاد بلغت 40%، مقارنة بـ35% في 2015، ما يعتبر فشل آخر لحكومة كابل، ولواشنطن والناتو في نفس الوقت.

وييلغ معدل الدخل اليومي، لـ20 مليون شخص في أفغانستان، البالغ عدد سكانها 35 مليون نسمة، نحو 1.5 دولار فقط، أي أن أغلب السكان يعيشون تحت خط الفقر العالمي.

وبخصوص مكافحة المخدرات، التي تعد أفغانستان واحدة من أكبر البلدان المنتجة لها، فإن بيانات وزارة مكافحة المخدرات الأفغانية تشير إلى تضاعف إنتاجها مرتين، منذ مطلع العام الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من 2016.

ويشكل حجم الإنتاج الحالي لأفغانستان من الأفيون نحو 70% من الإنتاج العالمي، بالرغم من حديث كابل وواشنطن عن مساعٍ حثيثة، وأموال طائلة، وجهت لمكافحته.

وفي ظل ذلك المشهد السوداوي، يتساءل الأفغان عن مستقبل بلادهم، وعن صدقية النوايا الأجنية تجاهها، وخصوصًا عن إمكانية إحلال سلام وتفاهم بين الفرقاء، قبل أن تدخل في المئوية الثانية لـ”استقلالها”. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى