آراءمقالات

رسائل إلى أهل السنة (٥)

أسامة شحادة
Latest posts by أسامة شحادة (see all)

صُدم بعض أهل السنة بسبب تحول التوجهات الرسمية في عدد من الدول تجاه تمكين أهل البدع والضلال وإقصاء الفضلاء وأتباع السنة،

وسواء كان هذا بضغط خارجي أو هوى ذاتي أو كان بسبب توصيات خاطئة من بطانة طالحة،

إلا أن تمكين أهل السنة بشكل رسمي هو عادة الاستثناء وليس الأصل، أما تمكن وتسلط أهل الباطل فهو الأكثر زمانا وواقعا.

وهذه السنة الكونية الربانية ربما يغفل عنها كثير من إخواننا بسبب الألفة والعادة للنعمة العظيمة التي أنعم الله عز وجل بها علينا في هذا الزمان.

ومَن تأمل قوله صلى الله عليه وسلم:

«الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم مُلك بعد ذلك» رواه الترمذي وصححه الألباني،

يجد إشارة واضحة إلى أن البعد عن المنهج النبوي الراشد في الخلافة هو الغالب في مسيرة الأمة وعودة ذلك سيكون في آخر الزمان كما أخبر المصطفى عليه السلام،

وروي بأسانيد فيها ضعف عن النبي وعن أصحابه أن القرآن والسلطان سيفترقان، وعلينا باتباع القرآن، وهو ما يشهد به الواقع عيانا منذ قرون بعيدة.

ورغم تكرر الكوارث على بلاد الإسلام بسبب تقريب أهل الضلال والبدع إلا أن الساسة لا يتعلمون من تجارب التاريخ!

إن خيار تمكين أهل الباطل والبدع عبر التاريخ أضر بالحكام وعموم الناس وليس أهل السنة فحسب، حيث:

كان أهل البدع جسرا للتشيع لغزو بلاد الإسلام ولا يزالون.

في الوقت التي تسعى فيه الجهات الرسمية لنشر العلم والصناعة فإن تمكين أهل الباطل لا يرسخ في المجتمعات إلا الجهل والخرافة كما يشاهد الجميع حال حضرات واجتماعات أهل الضلال والمبتدعة.

وفي الوقت الذي يؤسس الساسة لترسيخ الأمن الوطني أو القومي فإن معتقدات الضلال عبر التاريخ كانت توالي الغازي والمحتل بحجة وحدة الوجود أو الرضا بالقضاء والقدر!

وهذا الافتراق والانفصال بين القرآن والسلطان هو عقدة مركزية في تاريخ المسلمين، وهو ما ضلّ فيه المرجئة قديما وحديثا،

وغلاة الطاعة والتبديع اليوم بالتغاضي عن تجاوز القرآن ومحاولة تبرير كل خطأ للسلطان ولو بتحريف الدين وهو ما ذمّه شيخ الإسلام وسماه (طاعة شامية).

وقابل ذلك غلو الخوارج قديما ومن وافقهم اليوم من تنظيم القاعدة وداعش وغيرهما الذين كفروا الحكام بسبب افتراق الحكام عن القرآن وبعضهم كفر الجيوش والساسة واشتط آخرون فكفروا غالب المسلمين،

بينما تمسك أهل السنة عبر التاريخ بمعادلة دقيقة من هدي القرآن والسنة، فداروا دوما مع القرآن الذي أمر بالمعروف والدعوة إليه بالحكمة ونهى عن اتباع المنكر والتحذير منه بحكمة ولو زينه السلطان،

وفي نفس الوقت أمر بالحفاظ على الوحدة وجماعة المسلمين، ولو ظُلمنا في أموالنا وأبداننا.

وقد جسّد ذلك أئمة السنة عبر التاريخ، ومن أشهر الأمثلة الإمام أحمد الذي صدع برد باطل الخليفة وبطانة السوء حوله من المعتزلة حفاظا على دين الإسلام،

ولكن في نفس الوقت حافظ على جماعة المسلمين فصبر على السجن والتعذيب ولم يُحدث شغبا ولا تكفيرا ولا تهييجا.

وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تعامل مع حكام عصره بميزان الشرع فعاونهم وناصرهم وناصحهم في المعروف..

ورفض الباطل الذي أشاعه بعض بطانتهم من الصوفية الاتحادية والأشاعرة والتقاعس عن التصدي للتتار لما صدر  منهم،

وفي نفس الوقت لما سجن وظلم لم يؤجج ويؤلب تلاميذه عليهم ولم يشق عصا المسلمين.

إن شباب السنة اليوم يجب أن يعوا هذه المعادلة بوضوح:

نطيع ونعاون في الحق والمعروف وننكر المنكر بحكمة وحلم ولا نشق عصا الخلاف ولا نفتت الجماعة ونشق الصف،

ونصبر على الظلم والإيذاء في الأموال والوظائف والأبدان ونحتسب ذلك عند الله،

ولا يمنع ذلك من محاولة تخفيف الظلم أو رفعه بطرق مشروعة سلمية من شفاعة الوجهاء وتنبيه المسؤولين والتوضيح للإعلام وهكذا.

والخلاصة؛ نحن اليوم على أعتاب مرحلة تحول تاريخية يجب الوعي بها والوعي بمتطلباتها لنتجاوزها بأقل الأضرار وأكبر المكاسب،

وهو ما نحاول طرقه في الرسائل القادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى