آراءمقالات

أردوغان بين الإخوان المسلمين واليساريين العرب

Latest posts by د. وليد عبد الحي (see all)

شكل الرئيس التركي أردوغان ظاهرة سياسية لها سمات تستحق التأمل، ولعله من بين أكثر الزعماء الدوليين الذين أثاروا جدلا حادا بين التيارات السياسية العربية بخاصة الدينية واليسارية، فالمجموعة الدينية الأهم عربيا وهي الإخوان المسلمين -في معظمها- تكاد أن تقدمه بالطريقة ذاتها التي وصف فيها حسن البنا الملك فاروق بأنه “أمير المؤمنين” و”حامي المصحف” و”الملك الأكرم”، بينما يميل اليساريون العرب من قوميين واشتراكيين إلى وصفه “بالتابع للامبريالية” أو أنه تعبير عن عثمانية جديدة تجلت في موقفه من “الربيع العربي”، وان ديمقراطيته لا تعدو أن تكون “مموهة” كشفتها حملات الاعتقالات الواسعة بعد الانقلاب الفاشل عليه.

 

أمام هذين المنظورين العربيين المتضادين، أزعم بان التقييم الموضوعي لأردوغان يجب أن ينظر له من الزوايا كلها لا من زاوية واحدة ، وهو ما يوحي بما يلي:

 

أولا: استقلالية القرار السياسي وأولوية المصالح التركية: أزعم أن كل قرارات أردوغان الإستراتيجية هي قرارات تم اتخاذها ” باستقلالية كبيرة وبمراعاة تامة للمصالح الإستراتيجية العليا لتركيا، فهو يشتري أسلحة متطورة من روسيا متحديا الموقف الأمريكي، ويقترب من إيران لمسافة تتجاوز كثيرا الرغبة الأمريكية، وينتقد السياسات الأمريكية في كثير من المواقف، ويهاجم الموقف الفرنسي وموقف الاتحاد الأوروبي في كثير من المواقف، ناهيك عن انتقاده المواقف الغربية المنحازة تجاه إسرائيل والمعادية لفنزويلا…ويحتضن قيادات المعارضة الإسلامية العربية رغم إن الكثير من هذه الدول العربية تعتبر هذه القيادات وأحزابها” إرهابية”.

 

ثانيا: حقق الرجل -نسبيا – تطورا اقتصاديا وضبطا -إلى حد ما- للفساد الإداري والاقتصادي ، وحقق قدرا من التنمية الاقتصادية والعلمية في حدود تمثل نقلة نوعية لدولة من العالم الثالث رغم مشاركته في مجموعة العشرين.

 

ثالثا: شكل أردوغان نوعا من الحل المتوازن لكيفية إدارة الدولة العصرية استنادا لإرث ديني يظلله دستور علماني ، ومهما برز من مشكلات في هذه الموازنة فأظنها موجودة في كل النظم السياسية ، فليس ثمة من نظام سياسي ليس فيه مشكلات في التناغم بين الثقافة المجتمعية والاطار القانوني والدستوري.

 

بناء على ما سبق، لا ينظر الإخوان المسلمون إلى أردوغان إلا من هذه الزوايا التي هي بحق ذات أهمية وتبرر لهم بعض ما يروجونه ، بينما يلقي اليساريون العرب -قوميون واشتراكيون- ظلالا على كل ما سبق و مركزين على نقاط مقابلة تستحق هي الأخرى التأمل:

 

أولا: العلاقة بين تركيا وإسرائيل في فترة حكم أردوغان: هنا نجد أن معدل التبادل التجاري -كاتجاه عام- يتزايد بين الطرفين بشكل مضطرد بلغ في السنوات الأخيرة زيادة كبيرة وصلت إلى 14% وبقيمة تصل إلى 4.3 مليار دولار، ناهيك عن استمرار تدفق السواح بين الطرفين واستمرار الاعتراف التركي بإسرائيل دولة قانونية وشرعية بغض النظر عن الملابسات العابرة بين الطرفين.

 

ثانيا: عضوية تركيا والتزامها بحلف الناتو الغربي، ولعل التصريحات الأخيرة للمسئولين الأتراك في أعقاب أزمة شراء الأسلحة الروسية(اس اس 400) تؤكد بشكل واضح أن تركيا -حرفيا- “ملتزمة بالتوجهات الإستراتيجية للتحالف الغربي”، وهو ما يستوجب توجيه السؤال إلى الأخوان المسلمين للإجابة عليه: ما هي التوجهات الإستراتيجية الغربية التي تعلن وتتعهد تركيا بالالتزام بها؟

 

ثالثا: التدخل في الشأن الداخلي للدول العربية، فإذا كان التدخل في الشأن السوري والعراقي مبررا بحجة الجوار الجغرافي وانعكاساته، فأن التدخل في ليبيا فاقد لهذه الحجة، بل إن دعواته في فترات سابقة بأنه سيصلي في المسجد الأموي لا تخرج عن نطاق التدخل في الشأن الداخلي للدول الأخرى بغض النظر عن أي موقف من تلك الدول، فمن يرفض التدخل الروسي أو تدخل حزب لله عليه أن يبقى على نفس الموقف تجاه التدخل التركي في سوريا، ومن يطالب مصر والأردن وسلطة التنسيق الأمني بقطع العلاقات وإنهاء التطبيع مع إسرائيل عليه أن يوسع دائرة طلبه ليشمل تركيا.

 

رابعا: إن موقف اردوغان الحاد من النزعة الاستقلالية للأكراد -أو سمها النزعة الانفصالية- تؤكد أن ديمقراطيته عرجاء، فهو يرفض إجراء استفتاء على الانفصال أو البقاء في تركيا لحوالي 15 مليون نسمة من الأكراد، ويبرر تدخله في سوريا والعراق بضرب الحركات الكردية التي يسميها مسلحة لكنه لا يقبل أن تقوم العراق أو سوريا بضرب الحركات التي تعتبرها هاتان الدولتان حركات إرهابية لكنها تعسكر في الأراضي التركية أو تتلقى من اردوغان كل الدعم والتأييد..وهو يريد فوق ذلك إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا بالاتفاق مع الولايات المتحدة. وهو ينتقد الموقف الصيني من “أقلية الإيغور” المسلمة (ذات الأصول التركية) في المقاطعات الغربية الصينية، لكنه يمارس ذات السياسة تجاه الأكراد ويعتقل قائدهم أوجلان…

 

الموازنة بين الاتجاهين

 

أرى أن فهم هذه الازدواجية في السلوك السياسي لتركيا أردوغان يتم من خلال قاعدة محددة وهي أن اردوغان يعمل لصالح بلاده ، فليس لديه معايير مزدوجة كما يبدو للوهلة الأولى، بل لديه معيار واضح وهو “الإقدام على أية خطوة يرى أن فيها مصلحة لتركيا بغض النظر عن ما يبدو انه ازدواجية”، فهي أحادية المصلحة القومية التركية.

 

وهذه الأعمال تلتقي في بعض جوانبها مع توجهات تيارات عربية (كالإخوان المسلمين) ولكنها تصطدم مع توجهات تيارات عربية أخرى (القوميون واليساريون) في جوانب أخرى، والحقيقة هي أن أردوغان يعمل لصالح بلاده لا لصالح الإخوان المسلمين العرب ولا عداء لليساريين العرب ، فضالته هي المصلحة التركية فلا هو “أمير المؤمنين” ولا هو ” إبليس”، إنه تركي يخدم بلاده، فهل يعمل التياران “الإخوان واليساريون العرب” على تطبيق دبلوماسية “أحادية المصلحة” لفهم ازدواجية السلوك؟

 

سؤال يحتاج للتأمل!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى