آراءمقالات

أدركني ووجه إليها نصيحة!

د. صلاح الصاوي
Latest posts by د. صلاح الصاوي (see all)

لي ابنة محجبة، والحمد لله، ولديها قدر من العلم الشرعي وإن لم تكن متخصصة فيه، وقد قرأت القرآن وإن لم تستكمل حفظه، ولكنها شديدة على أبويها وتنفجر في وجه أمها لأتفه الأسباب، وإن طلبت منها أمها عونا تلكأت وترددت ألف مرة بحجة أن بقية إخوانها من الذكور أو من الإناث لا يفعلون ذلك! فلماذا هي؟ وتكاد أمها تذهب نفسها هما وغما بسبب سلاطتها معها وحدة لسانها عليها، ونحن قد كبر سننا وعلى مشارف لقاء ربنا ولا نريد أن يتراكم أثر هذه المعاملة ويترك شؤمه على حياتها بعد رحيلنا عن الدنيا

نحن الآباء يمكننا أن نصبر على مرارة تقلبات أولادنا وسوء عشرتهم لنا! ولكن هل يصبر على ذلك بقية الناس؟ أخفى أن تجد شؤم ذلك في أولادها وفي مستقبل أيامها وهذا الذي لا نحبه لها

ندعو لله لها بعدد سجداتنا وفي كل خلواتنا! لم ندع عليها قط! ولكننا نتجرع الغصص والأحزان مع كل انفجاره تنفجرها في وجوهنا! والتي تحس معها وكأن إحدى علامات الساعة الصغرى قد تحققت حيث تلد الامة ربتها! نتخير الكلمات والألفاظ مخافة هذه الهبات الغاضبة، ولكننا بشر قد يخوننا التعبير أو التقدير فنكتوي بمثل هذه الانفعالات! فماذا نفعل؟ وهل من نصيحة تصل إليها من خلالكم؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فشكر الله لكم صبركم، وتقبل الله دعاءكم، وأقر أعينكم بصلاح ابنتكم، وأدخلكم وإياها برحمته في عباده الصالحين، ونصيحتي لكم باستدامة الصبر والنصيحة والدعاء، وما كان الله ليضيع إيمانكم ولا دعاءكم، وأرجو أن تجدوا إن شاء الله عقبى ذلك الصبر قريبا صلاحا في بنتكم، ودماثة في خلقها، ورقة في طبعها، وانخلاعا مما هي عليه من سلاطة اللسان وحدة الطبع وسوء الخلق، وما ذلك على الله بعزيز، وإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه!

أما نصيحتي لها فأقول يا بنيتي

أنت كما يقول والداك صاحبة دين وعلم وقرآن، فهل قرأت فيما قرأت من كتاب ربك كيف قضى الله في كتابه وفي عليائه أن يعامل الأولاد آباءهم؟

هل مر بك قول الله تعالى (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )؟!

كيف يجتمع هذا البلاغ القرآني مع انفجارك في وجه أبويك أو أحدهما عند أول عارض من مراجعة في القول، أو اختلاف في تقدير بعض الأمور؟ بأي وجه تلقين ربك يا فتاتي الحبيبة الغالية؟!

هل مر بك فيما مر قول نبيك صلى الله عليه وسلم: “رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف” قيل: من يا رسول الله؟ قال: “من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة!

هل بلغك يا بنيتي أن الإسلام يقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله الذي هو كما تعلمين ذروة سنام الإسلام تأكيداً على حقوقهما، وإمعاناً في التوصية بهما خيراً.. كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال: جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فاستأذنه في الجهاد فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” أحي والداك؟ ” قال نعم، قال: ” ففيهما فجاهد! كما قدمه على الهجرة كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: «أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: إني جئتُ أبايعك على الهجرةِ، ولقد تركت أبويَّ يبكيانِ! قال: ارجعْ إليهما فأضحكْهما كما أبكيتَهما» (النسائي وصححه الألباني)

هل بلغك فيما بلغك أن هذا الحق لا يسقط ولو كان الوالدان مشركين، وجاهدا ولدهما على الشرك بالله عز وجل؟ ! كما قال تعالى (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)

هل بلغك فيما بلغك قصة الثلاثة فَأوَوْا إِلَى غَارٍ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ ، فَسَدَّتِ الْغَارَ، ثم دعا كل منهم ربه بصالح عمله، وكان منهم من دعا ربه ببره لوالديه، حيث كان لا يقدم على والديه أحدا من أولاده لا في غبوق ولا في صبوح، وأنه جاء ليلة متأخرا فوجدهما قد ناما فكره أن يشرب أولاده قبلهما وكره أن يوقظهما، وظل واقفا أمامهما بيده الوعاء إلى أن استيقظا عند طلوع الفجر فسقاهما، وأطفاله تحت أقدامه يتضورن من الجوع ! ففرج الله عنهم بسبب هذا البر!!

هل بلغك قول يزيد بن أبي حبيب: (إيجاد الحجة على الوالدين عقوق!). أي الانتصار عليهما بالكلام عقوق؟!

هل بلغك ما ذكره بعض السف من أنه (إذا حرص أحد والديك على اختيار كلامهم معك خوفًا من انزعاجك وغضبك فأنت عاق؟!

إن الأمر قد لا يقف عند حدود الحرص على اختيار الكلام خشية الغضب ورد الفعل، بل يتجاوزه إلى تحاشي الكلام بالكلية مخافة ذلك! فيتحاشى والداك من أجل ذلك النصيحة الواجبة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم جماع الدين في قوله (الدين النصيحة) فاحذري يا بنيتي أن تكون بك شعبة من الذين قال الله عنهم (ولكن لا تحبون الناصحين!) أو قال فيهم نبيه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه (يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) .ولفظ البخاري إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) . قال ابن حجر: “قَوْله : (اِتِّقَاء شَرّه) أَيْ قُبْح كَلَامه”. وعند أبي داود بإسناد صحيح (4792) بلفظ : (يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ الَّذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقَاءَ أَلْسِنَتِهِمْ) .

هل بلغك فيما بلغك قول نبيك صلى الله عليه وسلم (والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) فكيف إذا لم يأمن والداه بوائقه؟! ويخافان إن زل بهم اللسان في موقف أن ينفجر ولدهما فيهما كالإعصار! وأن يجعل عاليها سافلها في حياتهما أو في مشاعرهما؟!

هل بلغك أنه ليس من البر بهما أن تشعريهما أنّ إخوتك لا يهتمون بهما ..وأنك البارة الوحيدة بهما؟! بل ينبغي أن تؤكّدي لهما أنهما قرة عيون أولادهما جميعا، وأن تقصير من قصر من أولادهما كان لظرف طارئ ! فحين يختارك الله ويصطفيك لتبرّي بأحد والديك أو كليهما..فاحذري أن يفسد الشيطان عليك هذا الاصطفاء فيقول لك: وباقي إخوتك؟ ما دورهم ؟ وأين هم ؟! فاحذري ثم احذري!

هل بلغك أن من البر بهما إظهار حسن علاقتك بأخواتك وإخوتك، والسكوت عن ما قد يؤلمك منهم، والتماس المعاذير لهم، وإبداء محاسنهم، وإخفاء مساوئهم أمام والديك، إقرارا لعيونهما في شيبتهما، وتجنبا لإزعاجهما وكسر خاطرهما في شيخوختهما؟!

هل بلغك أن من البر إذا قسا عليك أحد أبويك في موقف أن تظهري بساطة الأمر وإن تصدعت له نفسك؟! وأن لا تظهري حزنك له فإنهما سريعا الفيء والندم، وذلك لأن حزنك يفطر قلبهما مرتين!

هل بلغك أنه ليس من البر أن يكون للوالد عدد من الأولاد الكبار العقلاء ثم لا تكاد تراهم معه، بل هو بصحبة صديق في المستشفى أو المسجد أو في المناسبات؟!

يا بنتي إن أبويك لا يعيشان لك إلى الأبد! سيرحلان عما قريب!

فابن ستين صيرته الليالي هدفا للمنون وهي سهام!

ويريدان أن تطمئن نفوسهما قبل رحيلهما عليك حاضرا مستقبلا، ولا يؤمن الحاضر والغد مثل تقوى الله عز وجل وصالح العمل، وفي مقدمته البر بالوالدين، ولا يجلب الشؤم مثل الذنوب والمعاصي، وفي قمتها القسوة على الوالدين والجفوة معهما!

هل علمت يا بنيتي انه مع كل موقف قاس من قبلك تضرع أمك إلى ربهما ان يغفر لك هذه القسوة، وتناجيه بأن العقوبة التي قد تنزل بك ستنزل بها قبل أن تنزل بك! وأن سهم القدر الذي قد يسوقه الله جوابا عن هذا الموقف سيطعن في قلبها قبل أن يمس ثيابك!

محال يا بنيتي ان تري في هذه الدنيا صدرا أحن عليك من صدر والديك! أو قلبا أرفق بك أو أكثر حبا لك من قلبهما! قد لا تدركين ذلك الآن! ولكن عندما يكبر ولدك، وتتذوقين بعمق معنى الأمومة، وتتشوفين كما يتشوفون إلى بره، ستدركين هذا الذي أقوله لك، ولكن قد يكون هذا بعد فوات الأوان! وبعد أن غيب التراب والديك! وأصبحا خبرا من الأخبار! وأثرا من الآثار!! ورحم الله القائل

فإذا نفضت غبار قبري من يدك، ومضيت تلتمس الطريق إلى غدك

فاذكر مرارة والد تحت التراب! ضيعته بيديك أيام الشــباب!

هل تعلمين يا بنيتي أن الكلمة التي كانت لا تريح أبويك فيما مضى في حال قوتهم.. الآن تجرحُهم في حال ضعفهم وشيبتهم! والتي كانت تجرحهم فيما مضى؛… الآن تذبحُهم ؟!! إنهم قد يرقدون ولا ينامون، وقد يأكلون ولا يهضمون، وقد يضحكون ولا يفرحون ، وقد يوارون دمعتهم تحت بسمتهم، أجسادهم مليئة بالأوجاع، وقلوبهم مترعة بالأحزان، فانتبهي ولا تكوني من الحمقى!

إن أبويك يا بنيتي فقدوا الكثير من حيوية الشباب، وعافية الجسد، ورونق الشكل، ومجد المنصب، وضجيج الحياة، وصخب الدنيا!! ولقد فقدوا والديهم وشيعوا كثيرا من أحبابهم إلى مراقدهم، وما بين الفينة والفينة يودعون ضيفا جديدا إلى مثواه الأخير، وينتظرون دورهم الذي بات وشيكا! لقد غادر بهم القطار محطة اللذة! وصاروا في صالة الانتظار! صالة السفر! ينتظرون الداعي ليلبوه، فقلوبهم جريحة، ونفوسهم مطوية على الكثير من الأحزان! فهم يحتاجون من يسمع لحديثهم ، ويأنس لكلامهم ، ويبدو سعيدا بوجودهم! يحتاجون إلى بسمةٍ في وجوههم ، وكلمةٍ جميلة تطرق آذانهم ، وعقلاً لا يضيق برؤاهم! إنهم الآن كبار السن الآن، وغدا سيذهبون ، وعما قليل ستكونين أنت هذا الكبيرَة المسنَّة؛ فانظري ما أنت صانعة وما أنت زارعة! وكوني العِوضَ عما فقدوا ، وكوني الربيعَ في خريف عمرهم ،، وكوني العُكّازَ فيما تبقى!!

فتدبري أمرك يا بنيتي قبل أن يخطف الموت أحدهما أو كليهما على غرة، واجعلي أبويك يعيشان أياما سعيدة، ولياليَ مشرقة ، ويختمون كتاب حياتهم بصفحات ماتعة من البر والسعادة حتى إذا خلا منهم المكان لا تكوني من النادمين!

وبعد فأنت ابنتهم في جميع الأحوال: إن بررت بهم وأحسنت إليهم شكرا ودعوا الله لك، وإن قسوت عليهم وأسأت إليهم صبرا ودعوا الله لك، فالدعاء قائم في جميع الأحوال، لأنهم آباء صالحون! والفرق هو التفاوت بين عبودية الصبر أو عبودية الشكر، فاختاري لأبويك الموقع الذي تحبين أن يكونا فيه!

واعلمي يا بنيتي أن ما تزرعينه اليوم ستحصدينه غدا: إذا زرعت الأمانة فستحصدين الثقة، وإذا زرعت الطيبة فستحصدين الأصدقاء، وإذا زرعت التواضع فستحصدين الاحترام، وإذا زرعت المثابرة فستحصدين الرضا، وإذا زرعت الاجتهاد فستحصدين النجاح، وإذا زرعت الإيمان فستحصدين الطمأنينة، وعلى قدر عطائك في الحياة تأتيك ثمارها! وأجمل من هذا كله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، فاعمل ما شئت كما تدين تدان!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى