آراءأقلام حرة

أحمد دبُّور يكتب: هل أصبحنا نسكن الإنترنت؟

أحمد دبُّور
Latest posts by أحمد دبُّور (see all)

#جغرافيا_الإنترنت

ألا تُسمي ما ستخدله على الإنترنت (بالموقع)؟ وتقول أنك ستقوم من خلاله (بزيارة)، وتسجل (الدخول)، وتقوم (بالخروج)، (وتغلقه) (وتفتح) موقعًا آخر، وغير ذلك الكثير تفعله وأنت (جالس) على شبكة الإنترنت، التي تحولت إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية؛ فهي معنا حيثما كنا بالمنزل أو العمل أو الطريق، حيث أصبح الإنترنت حاضرًا في ثلاث مساحات رحبة وهي: الفضاء المعلوماتي من خلال مواقع الإنترنت، وفضاء التواصل والاتصال عبر التطبيقات والأدوات المختلفة، وفضاء شاشة الإنترنت التي تعمل كهمزة وصل بين المستخدم والمساحتين السابقتين (المعلومات والاتصالات).

صورة توضيحية للإنترنت ومساحاته المختلفة

وإن كنا نتحدث عن الإنترنت كمكان؛ فعلينا أن نتناوله كفضاء جغرافي، لنستكشف إلى أي مدى قد يكون متقاربًا أو مختلفًا عن الفضاء الحقيقي والأماكن الواقعية؛ هذا يجعلنا نرى جغرافيا الإنترنت كجزء من جغرافيا المعلومات، فعندما ندخل على الإنترنت من خلال الحاسوب أو الهاتف الذكي فنحن بالفعل في تجربة جغرافية، وهذا الشعور إزداد بسبب التطوير المستمر لقدرة شاشات الأجهزة على قراءة المواد البصرية فائقة الجودة، ذلك إلى جانب سرعات الإنترنت الهائلة.

نحن إذًا أمام نوعين من الفضاءات وهما المساحة الواقعية (المكان الحقيقي) والمساحات الافتراضية، ولا يُمكن تصور فضاء الإنترنت بمعزل عن الواقع المادي، فالحاسوب وغيره من أجهزة بل والمستخدم ذاته، أشياء يتجسد من خلالها الإنترنت، فالإنترنت بأماكنه لا يلغي الجغرافيا وإنما يعيد تعريفها، كما أنه يتشكل ويعكس ثقافات الأماكن التي تنشئه وتستهلكه، ولا زال الإدراك البشري يُفرق بين المساحتين الواقعية والافتراضية.

وخبرتنا كمستخدمين مع “الويب” بشكل رئيسي هي خبرة مكانية، ونقصد بالمكان الافتراضي كل ما له صلة بالفضاء التخيلي، يضم أنشطة عالمنا الواقعي المعتاد، بل ربما يضم أشياءً جديدة أخرى، ومن بين مزايا المكان الافتراضي هو نهاية فوبيا المكان، فعندما ندخل في منظومته نصبح لا نخشى شيئًا؛ بحكم عدم مقدرتنا على تملك الافتراضي؛ لذلك الإنترنت هو أكثر الأماكن تحررية.

سنركز هنا على العلاقة المباشرة بين الفضاء الحقيقي من أماكن مادية حقيقية والفضاء الافتراضي المتمثل في الإنترنت، وذلك من خلال خمسة محاور (المساحة أو الفضاء – البنية أو التكوين – المسافة – التنقل والحركة – الإدراك):

المساحة أو الفضاء:

يُعتبر الفضاء الإلكتروني فضاءًا موزايًا للفضاء الحقيقي، كما أنه كفضاء ومساحة يتضمن الكثير من المعلومات المساحية الأساسية التي يستخدمها الناس في البيئات والمساكن الواقعية.

صورة توضح الفضاءات الإلكترونية

 

البنية أو التكوين:

مصممو مواقع الإنترنت هم معماريو الإنترنت، وهم الذين يُمكن أن نقيس من خلال عملهم الظاهر على الشاشة واقع المساحة التي يصنعونها، كما أن سلوك الإنسان على الإنترنت يتشابه مع سلوكه المكاني في العالم المادي، وحيث تبرز في الدراسة للجغرافيا الأرضية مفاهيم (الأرض – المكان – المناطق – الحدود)، فماذا لو نظرنا للإنترنت من نفس المنطلقات؟

– شاشات الإنترنت (الأرض).

– بعض المواقع الإلكترونية أو بعض صفحاتها (أماكن).

– أقسام الويب أو الموقع (مناطق).

– المجانية وحرية تداول المعلومات والحدود السياسية (حدود).

المسافة:

المسافة كمقياس للفصل والتفريق، يُمكن قياسها في الفضاء الإلكتروني بعدد الضغطات المطلوبة للوصول لشيء معين بالإنترنت، وكذلك سرعة الدخول للموقع، وتفضيل نتيجة البحث الأولى مقارنة بغيرها، وتفضيل التواصل مع القريبين مكانيًا في الواقع.

كما أن اضمحلال المسافة الواقعية نتيجة الإنترنت جعلنا نرى النمو السكاني في مدن نائية بعيدة (مسافة واقعية كبيرة)، لوجود إنترنت وإمكانية التسوق من خلاله (اضمحلال المسافة – موت المسافات).

التنقل والحركة:

يُمكّن الإنترنت الناس من نوع جديد من الحركة والتنقل، حتى بات كثير من الناس يتعاملون مع الإنترنت كمكان إضافي، يُتيح لهم مساحة جديدة من الفعل أو حتى كبديل عن الحيز المادي الطبيعي الذي اعتادوا عليه.

الحركة السيبيرية تعني الحركة الهائلة للناس عبر الإنترنت، وتتشكل عبر انتقال المعلومات من جميع الأنواع لجميع الأغراض، وبلغت أوجها بظهور الهواتف الذكية، فأضحت التنقلات الشخصية الواقعية تحوي تنقلات حقيقية وافتراضية في ذات الوقت.

الإدراك:

في الإنترنت إدراك المستخدم للمكان هو خبرة حسية جزئية، تعتمد على أحجام الشاشات وقدرتها التقنية، وتظل الخبرة المكانية الافتراضية تجربة أقل عُمقًا في إدراكها عن الواقع الحقيقي، إلا أنها أشمل وأوسع، وقد أثّر الإنترنت على عدم وضوح الفصل بين العمل ووقت الفراغ؛ فأماكن العمل والترفيه والتسوق أصبحت حاضرة معنا في أي مكان، وأثّر أيضًا على الضبابية فيما يخص حضور الأشخاص وغيابهم، وسيظل إدراكنا للمكان الافتراضي يتغير ويتطور بالتقدم في تكنولوجيا المعلومات.

في الإنترنت يبرز أربعة فاعلين رئيسيين هم (المستخدمون ومتخصصو الكمبيوتر ومُصممو المواقع ومالكوها)، وتفتقر المواقع وتمظهراتها المرئية على الشاشات إلى عُمْق الهوية والتاريخ الذي تستطيع أن تقدمه الأماكن الواقعية، ومعظم مواقع الإنترنت لا يُمكن أن نختبرها ونعدها أماكن؛ حيث أن أغلبها مشابهة جدًا لبعضها وإن اختلفت محتوياتها، إلا أن هناك بعض المواقع فريدة من نوعها مما يجعلها يُمكن أن تختبر كأماكن إفتراضية.

الأماكن الواقعية لها دور خاص _ضمن أدوارها الكثيرة_ في إنتاج ونشر المعرفة، ولكن الأماكن على الإنترنت دورها الوحيد هو توفير المعرفة والمعلومات، إلى جانب تسهيل التواصل، كما أن الأماكن الواقعية فضاءات حية مأهولة بالبشر، إلا أن الفضاء الإلكتروني بشكل عام والمواقع بشكل خاص ليست مأهولة بالناس؛ وبالتالي هي أماكن ليست حية؛ مما حدى ببعض المتخصصين لعدها ليست أماكن، ويصف الباحث الفرنسي “مارك أوجيه” الفضاءات العامة التي تتحرك بسرعة، مثل المطارات ومحطات الحافلات والمترو وسلاسل الفنادق بأنها (لا أمكنة)، وهذا لأن هذه الفضاءات لا تخلق هوية فردية ولا علاقات، لذا يرى البعض أن الفضاء الإلكتروني أيضًا هو امتداد لـ (اللا مكان).

اللا أمكنة تُعطي شعورًا بالتحرر من العلاقات الاجتماعية، كما أن إدمان استهلاكها يقضي على أبرز وجود للإنسان (المكان الحميم – الخاص)، ويفقد بالتالي الفرد فرادته وخصوصيته ويصبح مسافرًا في اللا مكان، وكان قد تحدث الجغرافي الكندي “إدوارد ريلف” عن إنهيار الاحساس بالمكان في ما أسماه (فقدان المكان)، إلا أن مُستخدم الإنترنت يُدرك أنه لا يعيش في الفضاء الافتراضي حتى يختبر فقدان المكان، ورُغم ذلك يظل استخدام الإنترنت يُنشيء إحساسًا بالمكان والمجتمع والجغرافيا.

إذًا المواقع الإلكترونية ليست مأهولة بالسكان؛ فلا يُمكن القول أننا نسكن الإنترنت، فبالرغم من توافر “المكانية” في الإنترنت، إلا أنه ليس مسكن، فالبشر لا يختبرونه كسكن ومأوى، فهم لا يستطيعون امتلاكه وهو ليس حاويًا لهم، بل مستخدمو الإنترنت هم المحتويين له بدرجات متفاوتة؛ وفق ما يمتلك كل فرد منهم من مخزون ودفق معرفي تكنولوجي؛ إذا الإنترنت نختبره كمكان وجغرافيا إلا أننا لا نسكنه.

وجهة النظر الأخرى:

أنتج الإنترنت وسائلًا وأدوات احتوت الإنسان وتفاعلاته اليومية، فمثلا وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت قدرة متساوية للمستخدمين على التواصل وخلق بيئة الاتصال؛ فما عادت الطبقة الاجتماعية أو الموقع الجغرافي أو غيرها مُحددًا في قدرة الأفراد على تواصل حر سهل؛ وأصبح مستخدمو شبكات التواصل يقضون يوميًا مئات الملايين من الساعات عليها، وبات أصدقاء المدرسة الواحدة الذين يسكنون نفس الحي، يقضون أوقاتًا طويلة مع بعضهم عبر هذه الشبكات.

فيما دمج الإنترنت البيئات الافتراضية بالحياة الواقعية، كلعبة (بوكيمون جو)، والتي تسمح برؤية شخصيات كارتون البوكيمون أمامك في الحقيقة (الأماكن الواقعية) عبر شاشة هاتفك المحمول، بل أكثر من ذلك لعبة (سكند لايف) وهي عالم افتراضي تخيلي لحياة موازية لحياة البشر، وسُكانها عشرات الملايين يتعايشون ويبيعون ويشترون، تستطيع أن تختار جسد رجل أو امرأة وتقوم بتعديله، فتحت مجموعة من الجامعات الحقيقية والشركات العالمية فيها لها فروعًا، فضلاً عن دولة السويد التي افتتح وزير خارجيتها سفارة لهم هناك!

وما تم إنتاجه من تقنيات حديثة ككاميرات التصوير بمقياس “360” درجة؛ والتي توفر مشهدًا كاملًا للمُشاهد يستطيع التجول بداخله كواقع افتراضي، وغيرها من أدوات وتطبيقات تستخدم الإنترنت وتُحاكي وتُجسد البيئات المادية في الواقع المُعزز؛ مما جعلنا مُنشئين للأماكن ومحاكين لها وساكنين فيها؛ إذًا فالإنترنت ليس مجرد مكان فقط بل بالأدوات والتقنيات صار سكنًا وحياة كاملة ممتدة ومتطورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع الموضوع:

– Graham, Stephen. (1998). «The end of geography» (Article). Progress in human geography journal.

– Kellerman, Aharon. (2016). «Geographic interpretations of the internet». University of Haifa, Israel (Zionist entity).

– Kellerman, Aharon. (2006). «Personal Mobilities». Routledge: New York, USA.

– Opening of the Swedish Embassy in Second Life, Youtube.

– رحومة، علي محمد. (2008م). «علم الاجتماع الآلي»، عالم المعرفة: الصفاة، الكويت.

– مزيد، بهاد الدين محمد. «المجتمعات الافتراضية بديلًا للمجتمعات الواقعية»، جامعة الإمارات العربية المتحدة. (دراسة)

– جبّور، منى الأشقر. «الأمن في الفضاء السيبيري». (دراسة)

– سفيان، ساسي. «تكوين الهوية الرقمية للشباب الجزائري»، المؤتمر الرقمي الأول للإنسانيات والعلوم الاجتماعية: الجزائر.

 

نقلًا عن منصة المحتوى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى