آراءأقلام حرة

أحمد دبُّور يكتب: لماذا نغضب ونشجع كرة القدم؟

أحمد دبُّور
Latest posts by أحمد دبُّور (see all)

تحبس الجموع أنفاسها وهي تشاهد أول مباراة لمصر في كأس العالم الذي غابت عنه 28 عامًا، الأوروجواي تُسجّل هدفًا في عرين مصر بوقت قاتل -الدقيقة 90- إلا أن عشرات الملايين من المتابعين لا زالوا ينتظرون أي أمل، رغم أنه لم يبق إلا ثواني وتنتهي المباراة!

هكذا حذو المشجعين يضغطون أنفسهم فيما يقول عنه علماء النفس (((الضغط الصحي الإيجابي)))، ضغط وإثارة تكسر ملل الحياة الرتيبة الباهتة، ضغط ليس له ثمن إلا فرحة النصر أو مرارة الهزيمة، ولا يُكلّف صاحبه لا الأموال ولا الدماء، هكذا يختلس المشجعون هذه اللحظات؛ ليشعروا بضغط يقول لهم: ما زلتم على قيد الحياة، هكذا تُثار حواسهم ويتأكدون أنها ما زالت فيها الروح.

وبعد ثواني من نهاية المباراة بدأت الحشود تقول “أداء مشرف، أداء ممتاز”، وهم هنا يُعبّرون بصورة أو بأخرى عن احتياج نفسي آخر ألا وهو (((تقدير الذات)))، فالكرة التي دخلت في شباكهم وألحقت بهم الهزيمة، يُمكنها أيضًا أن تقول لهم: أنتم قادرون.. تستطيعون الفوز المرة القادمة.. أداؤكم كان مشرفًا يليق بالبطولة، نعم يظن المُشجّع أنه هو من أحرز الأداء المشرف الممتاز لذا يشعر بتقديره لذاته مستمدًا ذلك من فريقه الذي يُشجعه.

صبية صغار ومعهم الكبار يُشاهدون بشغف دافعهم جميعاً (((المتعة والترفيه)))، هكذا البشر يحبون الترويح عن أنفسهم، وكلما كانت المباراة فارقة في نتائجها ومثيرة مثل مباراة اليوم كانت ممتعة، والناس في أوطاننا الجريحة بعالمنا العربي تتوق لتستمتع أو ترفّه عن نفسها أو تفرح، فالأسعار تكوي جباههم، والمجال المدني والحياة السياسية مؤمّمة لصالح نظام القمع العربي؛ لذا يكون للتسلية والترفيه دور في كسر هذا النمط من الإحباط والبؤس.

وإلى جانب الرغبة في الترفيه ستجد مشجعاً يقول: “االشناوي ما شاء الله نجم المباراة”، أو آخر يهتف: “أداء راقي ونجوم رياضة عالمية”، هؤلاء المشجعون ينجذبون (((للقيمة الجمالية والأداء)))، فتأسرهم الاحترافية واللعب ذو المهارة العالية، وكذلك الأخلاق الطيبة والروح الحلوة، هؤلاء عاشقو التفاصيل ومحبّو جمال الكرة وألقها وبريق أدائها.

ولأن الكرة للجماهير فيُعبّر عن الجموع دافع نفسي مهم وهو (((الهروب من روتين الحياة اليومية)))، فهذا الفاصل الذي أخذته الملايين اليوم، هو فاصل لصناعة يوم مختلف عن حياة تشبه بعضها بعضًا، كما أنه ليس مجرد خروج من الروتين، بل هروب من هذا الزخم اليومي وسط أشغال ومهام مكررة أو مجهدة متعبة قاسية، هروب جماعي غير مُكلف بل ممتع ومثير، يتيح لنا فرجة وراحة؛ لنعود بعدها لروتين حياتنا الممل، أو رحلتنا المستمرة التي تسرق العمر في معاناتنا اليومية بالعمل أو الدراسة أو الهرولة وراء لقمة العيش.

كما أن هذه المباريات وخاصة كونها موسم كروي عالمي فإنها تُصبح فرصة (((لتسهيل التواصل الاجتماعي)))، بل في ذاتها تجربة تشعر فيها أنك جزء من مجموع (مصر)، فأنت لست وحدك، أنت تستطيع الحصول على التأييد (لأن الجميع يؤيد مصر)، نحن كلنا كيان واحد بهدف واحد (كلنا منتخب مصر).

كما تُسهل الكرة التواصل الاجتماعي حيث يرى البعض مشاهدتها وتشجيعها فرصة لمشاركة غيره موضوعات واهتمامات مشتركة، كلنا نفهم في الكرة، وكلنا نتكلم عنها، هكذا تجمعنا أحاديثها دون أعباء دراسة أو متطلبات معرفة، هنا فقط من حقي أن أكون خبيراً ومحللاً فنياً دون عناء، كما أن هناك من يراها فرصة ليشاهد المباراة ويجتمع بأهله وأحبابه وأفراد أسرته.

وفي الوقت الذي تشعر فيه أنك جزء من هذا الكل، تجد نفسك تشعر بذاتك عبر هذا الفريق، وتعبّر عن هويتك من خلال دعمك لمنتخب بلدك الوطني، فأنت تفكر بوصفك عضواً في هذا الكيان، تلكم الجماعة المتخيلة التي ربطت بينك وبين غيرك دون نسب أو مصاهرة، رابطة مُتخيلة تُشجّع التواصل بينكم وتخلق بيئات للتضامن حولكم، وكأنك أنت صلاح أو الشناوي الذي يمثل بلده أو يرفع رأس فريقه، ويكفيك فخراً أن تقوم بهذا الدور على أكمل وجه حتى ولو خرج فريقك من المباراة خاسراً، فتقديرك لذاتك وفريقك شيء مستقل عن الانتصار والفوز، ولذا الفريق وفّر لك (((الانتماء))) والاحتواء وتقدير الذات حتى وإن لم يحرز في البطولة أفضل النتائج.

والآن، ما الوظيفة الاجتماعية التي تقوم بها كرة القدم وتشجيعها؟

يرى عالم الاجتماع “هاري إدواردز” أن لتشجيع كرة القدم وغيرها من الرياضات وظيفتين اجتماعيتين أساسيتين؛ أولاهما أن هذا التشجيع يولد لدى المشجعين شعوراً بالانتماء، الثانية أنه يقدم متنفساً اجتماعياً مقبولاً للسلوكيات التي قد يكون من غير المقبول اجتماعياً التعبير عنها في بقية اﻟﻤﺠالات الأخرى، فمنتخب بلدك الوطني سيمنحك الانتماء وأنت تجلس في البيت، وسيكون متنفسًا لك فتتحمس وتشجع وتشجب وتندد وتثور في سياقه وسيكون قضيتك.

كما يرى آخرون أن تشجيع كرة القدم ما هو إلا تكريس للمنظومة الرأسمالية التي تستنزف الناس وتحثّهم على الاستهلاك -استهلاك سلبي للكرة ومنتجاتها وما يتصل بها- بمشاهدتها وحضور مبارياتها وشراء الأدوات الرياضية وكافة المنتجات المرتبطة بها، فيما يدر هذا مليارات الدولارات سنوياً على النوادي والمستفيدين وأصحاب المصالح، حتى وصل سعر انتقال أحد اللاعبين (نيمار) من نادٍ لآخر ما يزيد عن 4.5 مليار جنيه.

كما أنها تُسكّن آلام الناس وأوجاعهم اليومية وبؤس حياتهم، وتعطيهم السعادة التي حُرموا منها، وتساعد على تغييبهم عن الوعي بمشكلاتهم الحقيقية ومحاولة حلّها، فهي أداة للترفيه عن الهم والغم والكبت الذي يعيشه الشعب، كما تستخدمها النظم المستبدة في توطيد شرعية حكمها كأنها هي من أحرزت الفوز، فهي رياضة مُمأسسة تحت سمع وبصر الدولة، ولها اتحادات ونوادٍ ومنظمات وإعلام يسير في فلك نظام الحكم؛ لتكون تحت السيطرة، ولتصير مُخدّر الجماهير الأول، الذي يصنع لهم البهجة والفرحة، ويلهيهم عن قصتهم الحزينة اليومية، فيجعل الحياة أكثر احتمالاً.

هكذا يُنبئنا علم النفس أن هناك دوافع نفسية واجتماعية لتشجيع كرة القدم، ولذا هي دوافع في أصلها مشروعة، نشأت عن حاجات نفسية طبيعية، إلا أن ماكينة الاقتصاد وآلة السلطة تمسك بخناق هذه الدوافع والحاجات، لا لتشبعها ولو بطريقة أخرى، وبدائل أنفع وأفضل وأحسن غير كرة القدم، بل لتستغلها وتستخدمها لضبط المجتمع وإحكام السيطرة على الفرد كمشجع، مما يذكرنا بقول مارشال ماكلوهان: آخر شيء قد تلحظه السمكة -أو ربما الشيء الوحيد الذي لا تلحظه إطلاقاً- أنها تعيش في الماء!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى