آراءأقلام حرة

أحمد دبُّور يكتب: الصمت وشهوة الكلام!

أحمد دبُّور
Latest posts by أحمد دبُّور (see all)

بطريقة أو بأخرى لا أجد نفسي قادرًا على الكتابة، رغم أن ما أفعله كل يوم هو أنني أكتب! أكتب محتوى يبدو في كثير من الأحيان رصينًا؛ يعتمد على أرقام دقيقة ومعلومات واضحة ومصادر موثوقة، وهذه هي الأزمة أنني أريد أن أدعم كل فكرة ومعنى أكتبه بدليل وبرهان، ما جعلني غير قادرٍ على الكتابة! كتبت في الستة أشهر الأخيرة ثلاث مقالات فقط، وبقية كتاباتي هي للعمل الذي أحبه ولكنها ليست كتابات حرة، ورغم ذلك الأفكار تترى وتتوالى وتتزايد! إلا أنني صرت أخاف من الولوج بين الأسطر إلى عيون القرّاء، صار الكلام مُكررًا والحروف ذابلة.

أرى أمامي جيلًا تائهًا أنا جزء منه، ومن فرط التيه أصابنا فرط التفكير والكلام، ربما أجيال سبقتنا لم يكن بوسعها أن تتعرض لهذا القدر من الحوادث والملمات، ولكننا اليوم بتنا نشاهد معركة البشرية اليومية بثًا حيًا مباشرًا! فتشعر وكأن العالم يعصف بك، وأنت بالوسط لا حيلة بيديك، لا تستطيع أن تُحرّك ساكنًا، كل شيء يتحرك بأقصى سرعة وأنت واقف وقفة المشدوه! العلاقات الإنسانية تموت، والأوضاع الاقتصادية تسوء، والماضي يخنقك والأحلام تتهشم، وضيق النفس يؤلم وزيغ القلب يجرح، كل هذا البؤس والحيرة تحتاج انتفاضة صدق، انتفاضة تبدأها بنفسك في نفسك، أن تُلملم شعث قلبك وبقايا عقلك وحطام جسدك.

وأما عن بقايا العقل، فهو أن تستيقظ وتنتبه، لا تترك سكرة فرط التفكير وحب الكلام تُعميك، وفظاعة الواقع تشدد وطئتها عليك فتُرديك، فأن يبقى وعيك وفهمك وإدراكك بأقل قدر من الخسائر خطوة أولى للخروج من المأزق، علينا أن لا نفقد عقولنا أبدًا، ولا أن نُسلّمها لأعداء هذا الجيل أبدًا أبدًا، علينا أن نتشبث بالتفكير كقوة للحكمة التي تُنبت العمل، لا أن يتحول التفكير لملهاة بينما نظن أننا نصنع المجد! لن تنفعك متابعة الأخبار، ولا التفاعل مع الأحداث، ولن يشفع لك وعيك السطحي بالوقائع، ولن يزيد في ميزانك التعليق على كل شاردة وواردة، ولن تتحرر القدس بالسخرية أو الجدل والمراء، لا نريد عقولًا جهولة من قلة العلم، ولا قلوبًا غليظة من الغفلة، ولا حركة ميتة بعد أن ضاع العمل.

وقتها ستكتشف اكتشافًا مذهلًا! ستتفاجأ بشيئين

أولاً،

أنك مُطالب بأن تفهم وتعي بصدق وعلم، فبدلًا من التسلّي بالتفكير والكلام ستجد شغفًا للتحصيل والمدارسة، وسيزيد اهتماماك بالتفاصيل الدقيقة والخبايا العميقة والدلائل والبراهين والأسس، لن تكتفي بمتابعات سطحية أو إنشغالات مُهلكة ومُستهلكة، بل ستركز في موضوعات مُحددة بقصد أن تفعل فعلًا مُحددًا أو تخطو خطوة واضحة، هنا العلم يأخذ مكانه كقوة هائلة تنقذك وترشدك.

ثانياً،

سيبدأ فيضان الأفكار والأسئلة، فبدلًا من فرط التفكير بلا جدوى، والكلام عن كل شيء وأي شيء، ستقابل أفكار تحتاج تدقيق وأسئلة تحتاج إجابات، وكل هذا يحتاج تركيز ووقت وعمل، لم تعد وجبات التفكير السريعة كافية، ولا المعلومات الخاطفة نافعة، ولا الكتابات الركيكة مفيدة.

وكونك وصلت لهذا السطر من المقال، يعني أنك ممن أقصدهم، هؤلاء الأحباب الذين يُقدّرون التفكير والفهم، ولكن أصدقك القول نحن نُجرم في حق أنفسنا، نحن نستجيب بسهولة جدًا لآلة الواقع البائس التي تُريد أن تعيد تشكيل أفكارنا ووجداننا، نناقش “الترند” ونتكلم في التفاصيل الظاهرة للأحداث، فنتابع الأخبار ونُشارك في “المكلمات” وندلو بدلونا، وفي كل مرة يخرج الدلو فارغًا! نحن منذ شهور وسنوات مضت لم نخطو خطوة إلى الأمام، لم نزد على الحياة شيئًا!

نحن لسنا منتبهين أصلًا إلى الواجب، واجبك أن تمتلك قلبًا سليمًا وفكرًا صحيحًا وحركة وقضية تتحرك بها في الناس، ليس مطلوبًا منا أن نكون “محمد الفاتح” ولكن على الأقل نُلملم أنفسنا، نعرف من نحن، وإلى أين نتجه، وأي طريق نسلك، فلا نفقد قلوبنا ولا إيماننا أمام النوازل والمحن، ولا نفقد عقولنا كتائه مجنون، ولا نفقد طريقنا فنضل السبيل.

والحل:

لا تدلوا بدلوك، نعم لا تقل ما يستطيع غيرك قوله، ولا تفعل ما يستطيع غيرك فعله، اترك هذه النسخ المُكررة لتكرر نفسها وأوجد لذاتك دورها، وانتشل نفسك لتُفكر في ما لا يُفكر فيه أحد، ولتقرأ ما لا يقرأه أحد، ولتكتب ما لا يكتبه أحد، ولتقول ما لا يقوله أحد، ولتعمل ما لا يعمله أحد، وقتها يكون للأفكار معنى ولا يضرها من خالفها أو خذلها. وحتى ذلك الحين قد يكون الصمت أبلغ في مواجهة شهوة الكلام!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى