أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: يوم وفاة الزعيم !..

Latest posts by أحمد الشريف (see all)

«إن ما حدث لي يوم ٥ يونيو ١٩٦٧م، وما بعده لآية من آيات السخرية التي تثير العجب!.. ذهبت إلى مكتبي بجريدة «الأهرام» فوجدت أحد سعاة المكتب في يده راديو ترانزستور صغير، يعلن في كل ربع ساعة بياناً من المسئولين في وزارة الحربية أو قيادة الجيش، أننا أسقطنا مائة طائرة للعدوّ، وعندما جاء الظهر كان عدد ما أسقطناه من الطائرات قد بلغ قرابة المائتين!.

أما في المساء فقد ارتفع العدد إلى ما لا أذكر من أرقام، فما شككت في أن العدو قد انتهى أمره!..

ومشيت في شوارع القاهرة من ميدان التحرير إلى ميدان سليمان باشا فإذا لافتات كبيرة علقها الاتحاد الاشتراكي كُتبت عليها عبارات النصر، ثم عبارات تقول إلى تل أبيب !.

فلما قال لي أحد الأصدقاء في قلق وحزن أنه سمع من الإذاعات الأجنبية أن العريش قد سقطت في يد العدو، وأن جيوشنا تتقهقر باستمرار، لم يظهر علي أي انزعاج!.

وقلت في هدوء وتبسم وبلهجة الوثوق التام:

اسمع … أنت لا تفهم خطة جيوشنا!.

لقد اتضح لي الآن أنها لا تقصد الوصول إلى تل أبيب ولا التوغل في أرض العدو، إنما هي تريد استدراج جيشه إلى أعماق صحراء سيناء والقضاء عليه، وتحطيم قوته العسكرية تماماً!.

وذلك من ذكاء القيادة عندنا لأن احتلال تل أبيب أمر قد تقوم له قيامة مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة!.

هذه هي الخطة وسرّ التراجع والتقهقر في صفوفنا»[١]..

هذا ما كتبه الأستاذ توفيق الحكيم في كتابه الشهير عودة الوعي في يوليو ١٩٧٢م، بمناسبة مرور ٢٠ سنة علي ثورة يوليو ١٩٥٢م..

الثورة التي غيّبت العقول وضربت حولها غشاوات سميكة من الجهل والشعور الزائف بالعظمة والانتفاخ!.

وقد تعجب «توفيق الحكيم» وهو الأديب المخضرم والمفكر السياسي الذي شارك في ثورة ١٩١٩م، أن يقع وغيره من النخبة السياسية في تلك الغيبوبة مثل الشباب المتحمس وبسطاء الشعب المصري طوال كل تلك السنوات!.

حتى أنه يذكر أن أكثر الناس تشاؤمًا وتشككًا في الثورة لم يكن ليخطر على بالهم مثل هذه الهزيمة المُنكَرة وبتلك الصورة المُذلّة، فقد كان لسان حالهم دائما:

«ربما كانت الثورة فاشلة في كل شيء إلا والحق يقال، في الجيش، فرجالها أصلًا رجال جيش، وهو عماد وجودهم وقد أنفقوا عليه ما أنفقوا، فإذا اختل كل شيء في المجتمع على أيديهم، فلا يمكن أن يصل الخلل إلى الجيش»!.[١]..

ولكي نتفهم أسباب هذه الغيبوبة الرهيبة لدى قطاعات عريضة من الشعب المصري يجب ألا نغفل الآلة الإعلامية الجبارة لنظام جمال عبد الناصر، ولا أقول لنظام ثورة يوليو١٩٥٢م، التي انتهت منذ انقلاب العام ١٩٥٤م، ووضع الرئيس محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية ثم فتح المعتقلات على مصراعيها لآلاف المعارضين من جماعة الإخوان المسلمين وأيضا من اليساريين!.

تلك الآلة التي حولت الهزيمة العسكرية أمام الجيش الصهـيونـي الهزيل في ١٩٥٦م، إلى نصر عظيم حققه عبد الناصر على ثلاث دول هى بريطانيا العظمي وفرنسا وإسرائيل!.

فقد انبرى الكتاب يمجدون ويزيفون الوعي والتاريخ ويزيدون العقول ظلاما وغيبوبة، ومن ذلك ما كتبه «أنور السادات» في أوائل العام ١٩٥٧م، في كتابه: يا ولدي هذا عمك جمال، عقب العدوان الثلاثي مباشرة، والذي يعتبر آية في التطبيل والتزييف الفجّ للحقائق يتوارى معها خجلًا أمثال مصطفى بكري، وأحمد موسى وعمرو أديب في أيامنا هذه!.

حيث رُزق السادات بمولود ذكرٍ فأطلق عليه اسم الزعيم الذي يحكم البلاد، وكتب يُعرّف ولده الرضيع ومعه الشعب كله بتاريخ الثورة المصرية وحتى العدوان الثلاثي الذي تصدى له الزعيم وحده!.

«وجمال يا رب من صنعك الرائع وابداعك القاهر، إنه عبدك المؤمن، المُسيّر بإلهامك، الباعث في شعبه رسالة الحق والعزة والسلام.

نصرتنا به يا رب في مواطن كثيرة..

نصرتنا به يوم أن ضاقت علينا أرضنا، وحَبَس الملك الخليع هو وشركاؤه علينا أنفاسنا، فشاءت قدرتك أن ينتصر الشعب بتضحية وفداء وصلابة من خلال جمال، وعلى يد جمال، وبيقين منك يا رب وهبته جمال!.

ونصرتنا به يا رب يوم أن خضنا مع بريطانيا معركة الجلاء ..

ونصر اليوم يا رب هو أروع ما وهبتنا من انتصارات..»!.[٢]

وقد كتب «السادات» ذلك على الرغم من علمه التام بالانسحاب المُذلّ لجيشنا العظيم من سيناء وترك سلاحه للعدو الصهيـونـي، ولولا الرفض الأمريكي والاِنذار السوفييتي للدول المعتدية لتجرع عبد الناصر ورفاقه السم خوفًا من الخلع والسقوط مع عودة الاحتلال تارة أخرى!.

وقد خرجت بريطانيا وفرنسا بالضغط الأمريكي والانذار السوفييتي، ثم خرجت إسرائيل بعدهما نتيجة إتفاقية سرية وقعها عبد الناصر أعطتها حق المرور الملاحي في مضيق تيران وخليج العقبة، وهو الهدف الذي من أجله دخل الصهاينة الحرب!..[٣]

وهو ما لم يعرفه الشعب السكران بالاِنتصار الوهمي وأغنية “محمد عبد الوهاب” الجديدة بهذه المناسبة:

يا جمال النور والحرية .. يا جمال ثورتنا القومية

كنا على معاد ويّا الأجداد .. هليت مع نور الحرية

المجد يا نيل هل صباحه .. والنصر أخدنا على جناحه

يا جمال النور والحرية .. يا جمال ثورتنا المصرية !..

وظلّ الناس في الغيبوبة تحت هذا النظام الفاشي الدكتاتوري، الذي قمع كل معارضيه سواء زملاء السلاح والتنظيم من الضباط المختلفين معه، أو التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا منذ ١٩٥٤م وخرج من بقى حياً منهم في ١٩٧٤م، أو حتى التيار اليساري الشيوعي الذي فتح لهم المعتقلات لمدة خمس سنوات كاملة (١٩٥٩–١٩٦٤م) بعد رفضهم حل تجمعهم الشيوعي والانضمام للاتحاد القومي الذي يجمع كل أهل السياسة في مصر!.

فالزعيم المُلهم لم يكن يقبل بأي معارضة سياسية أو رأي مخالف لرأيه أو حتى مؤيد له من خلال مؤسسة غير مؤسسته!.

كما ظل الناس وراءه من المغامرة العسكرية في الكونغو إلى خراب حرب اليمن، حتى حشد الجيش في سيناء وطرد قوات الطوارئ وتسعير حرب دون استعداد ضد العدو الصـهيوني بإغلاق المضايق أمام الملاحة الإسرائيلية، ولسان حال الزعيم الطاغية يقول لشعبه: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ»!.

والناس سُكارى يرددون أغنية محمد رشدي:

يا ابو خالد يا حبيب، بكرة هاتدخل تل أبيب

ياللي جمعت قلوب ملايين، رهن إشارتك فدائيين.

فيه في قلوبنا يا ريس كلمة، هانقولهالك في فلسطين!.

إحنا جنودك وانت بطلنا، وانت حياتنا ومستقبلنا..

أنت القوة اللي بتدفعنا وبنحقق بيها أملنا.

يا ابو خالد يا حبيب، بكرة هاتدخل تل أبيب..

وكم كانت الصدمة رهيبة أثناء الاستماع لخطاب الزعيم المهزوم في ٩ يونيو ١٩٦٧م يعلن مسؤوليته عن الهزيمة الساحقة لمصر والعرب أمام الدولة اللقيطة التي لم يكن لها وجود في هذا العالم قبل عشرين سنة فقط من تاريخ النكسة المُخزية، ويتنحّي عن الحكم في تمثيلية سخيفة، معلنا تولية “زكريا محيي الدين” رئيس الوزراء السابق (١٩٦٥–١٩٦٦م) والمكروه شعبيا لارتفاع الأسعار في عهده، ليخرج الشعب المسلوب الإرادة مطالبًا ببقاء الزعيم والأب الذي رأوه لأول مرة مخذولا مدحورا!.

ومن يومها مات عبد الناصر سريريًا (إكلينيكيًا Clinical death)، ولم يعلن وفاته إلا بعد ثلاث سنوات في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠م..

وللأسف لا يزال –بعد كل تلك السنوات وتكشف الوثائق والحقائق– الوعي غائبًا عند الكثير من أيتام الزعيم خالد الذكر!.

الذين وقفت معرفتهم عند أبيات نزار قباني التي كتبها في رثائه:

قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ

قتلناكَ..

ليسَ جديدًا علينا

اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ!..

وهنا يأتي السؤال: إذا كان كل هذا الاِحتفاء وتلك الشعبية الكبيرة لطاغية مهزوم، فماذا لو كان مات منتصرا؟!.

هوامش المقال:

[١] عودة الوعي، توفيق الحكيم، ص٦١ وما يليها، الشروق ١٩٧٤م.

[٢] يا ولدي هذا عمك جمال، أنور السادات، ص ٢١٥، طبعة دار الهلال سنة ١٩٥٨م..

[٣] تفاصيل الدور الإسرائيلي في حرب العام ١٩٥٦م، في مقال «حكاية المضيق»

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى