آراءأقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: عن التراث وابن تيمية وفهمي هويدي !..

أحمد الشريف
Latest posts by أحمد الشريف (see all)

إن تراث المسلمين وغير المسلمين حافل بما هو منير ومشين، لكنه يتعرض للانتقاء والتأويل في ظروف تاريخية معينة، بحيث تُدفن أو يُستخرج منها ما هو منير تارة في حين يستدعى منها ما هو مشين تارة أخرى!.

 

وتكون المشكلة دائما أن أصابع الاتهام تشير إلى المرجع الفكري الذي جرى الاستناد إليه وتأويله، وليس إلى الظرف التاريخي الذي استدعى هذه المرجعية أو تلك!.

 

وهنا يجب التنبيه على أنه ثمّة ظروف اجتماعية وسياسية تستخرج من الناس أفضل ما فيهم، لكنها حين تتغير في طور آخر فإنها تستخلص من الناس أنفسهم أسوأ ما فيهم!.

 

ولا مجال لاستعادة شواهد التاريخ الدالة على ذلك، لكنى أذكِّر فقط بحالة الإجماع والتلاحم الوطني المبهر التي شهدناها في مصر أثناء ثورة ٢٥ يناير٢٠١١م، وأدعو إلى مقارنتها بحالة الانفراط والنفور والاحتقان المحزن التي خيمت على البلد منذ ٣٠ يونيو٢٠١٣م.

 

إن القيود التي تفرض على الحريات العامة، والانتهاكات التى تتم لحقوق الإنسان، لا تلغى قيمة التسامح فقط، وإنما تلقن المجتمع أيضا دروسا في البطش والعنف، ناهيك عن أنها تفرغ مفهوم المواطنة من مضمونه، حيث لا قيمة للمواطن إذا ما صودرت حريته وانتهكت كرامته سواء في قسم الشرطة أو في أي مستشفي عمومي!.

 

ثم إن غياب العدل الاجتماعى وقسوة الغلاء المتزايد وانسداد أفق المستقبل أمام شرائح واسعة من الفقراء أو الذين تم إفقارهم، هذه كلها بيئة مواتية لنمو أشكال التطرف والعنف، تمهد الطريق أمام الإرهاب، وتلك عوامل مسكوت عليها في مناقشات قضية الإرهاب الجارية!.

 

إن بعض زملائنا تحدثوا عن البيئة الحاضنة للإرهاب، لكنهم سكتوا على البيئة المُنتِجة للإرهاب، على الرغم من أن الأخيرة أهم وأخطر بكثير من الأولى!.

 

لكن مشكلة أغلب المعلقين والسياسيين أنهم يمارسون الجرأة المجانية في التنديد بالبيئة الحاضنة، لكنهم ولأسباب تتعلق بالكلفة الباهظة يغضون الطرف عن البيئة المنتجة للإرهاب التى هى الأحوج إلى كلمة الحق!..[١]

 

ولابد من التذكير هنا بأن فقهاء الأصول اعتبروا “إصلاح السياسة من مقتضى التدين الصحيح”، وأن غاية الرسالة هى إقامة العدل بين الناس، بشقيه السياسي والاجتماعي.

 

وهو ما صرح به النص القرآنى: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…» إلى آخر الآية ٢٥ من سورة الحديد.

 

وفي موضع آخر اخْتُزلت الرسالة في عبارة «إن الله يأمر بالعدل» (الآية ٩٠ من سورة النحل)، كما اختزلت في توجيه للمؤمنين يقول «اعدلوا هو أقرب للتقوى» (الآية ٨ – المائدة)، إلى آخر الآيات والإشارات المماثلة التى يحفل بها مرجع العقيدة الأول.

 

هذه الخلفية دعت ابن قيم الجوزية التلميذ النجيب للإمام ابن تيمية، إلى القول في مؤلفه “إعلام الموقعين” بأن:

 

«الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهى عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها.

 

فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه».

 

كلام ابن القيم ليس اجتهادا خاصا ولا استثناء، لكنه يعبر عن تيار عريض في الثقافة الإسلامية كاد ينساه كثيرون بعدما احتلت أخبار داعش والإرهاب الأولوية في وسائل الإعلام وصار الصراع ضد الإرهاب هو الموضوع الأثير لدى أهل السياسة وكثيرين من أهل الرأى!.

 

حين قال الدكتور يوسف القرضاوى إن الديمقراطية مقدمة على الشريعة، فقد كان يستخدم لغة زماننا، رغم إدراكه أن الشريعة عدلٌ كلها كما قال ابن القيم، وأن الحرية هى الوجه الآخر للتوحيد!.

 

والعقل الأصولى الذى تبنى هذه الرؤية ذهب إلى أبعد، حين فضّل الكافر العادل على المسلم الجائر، وهو ما عبر عنه الإمام الفذ “ابن تيمية” في مؤلفه عن السياسة الشرعية، وتم تبرير ذلك باعتبار أن «المسلم الجائر إسلامه له وجوره علينا أما الكافر العادل فكفره عليه وعدله لنا»..[٢]

 

هذا هو شيخ المجتهدين ابن تيمية  الذي كان يعلي من شأن العقل والفهم الصحيح على النقيض تماما مما يظن البعض فيه ويتهمونه بالجمود والتزمت!.

 

فله كتاب كامل في “رد تعارض العقل والنقل”، خصصه لمناقشة القضية من زاوية دقيقة تتمثل في السؤال التالي:

 

ما العمل إذا تعارض الشرع – وهو المنقول إلينا من غيرنا – مع العقل؟!.

 

فكان رد ابن تيمية: «فإما أن يجمع بينهما وهو محال، لأنه بين النقيضين، وإما أن يُردّا (يُرفضا) جميعًا، وإما أن يقدم السمع (النقل) وهو محال.. لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه، كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدحٌ فيه، فكان تقديم النقل قدحا في العقل والنقل جميعًا»

 

ثم يضيف شيخنا الجليل إن هذا الرأي بمثابة قانون كلي عند أكثر الأئمة المجتهدين، الفخر الرازي وأتباعه، وقبله الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر بن العربي والجويني والباقلاني.. [٣]

 

تذكرت هذه الفقرات من كتابات المفكر الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي حفظه الله،  والتي كتبها في مناسبات مختلفة منذ أوائل الثمانينات وحتى حظره من الكتابة نهائيا في الثلاثين من يونيو شهر النوازل والنكسات من العام ٢٠١٧م.!..

 

عندما طالعت مؤخرا التقرير البائس لوزارة الخارجية حول جهود مصر المزعومة في مواجهة الإرهاب، واجتثاث الجذور المُسببة له، بما فيها مُواجهة كل التنظيمات الإرهابية دون استثناء، والدعوة لمُحاسبة الدول الداعمة له، وتجفيف منابعه الفِكرية والدينية!..

 

وهو من الدعايات الساذجة “للشئون المعنوية” مثل ما أقدمت عليه بإنتاج وعرض “مسلسل الاختيار” في شهر رمضان الماضي، لتحسين وتلميع صورة القوات المسلحة، مع إسقاط التهمة على التراث الإسلامي كمسبب رئيسي للإرهاب دون القمع والقهر ومصادرة الحريات وموت السياسة وقتل الديمقراطية كوسيلة للتعبير والتغيير!.

 

وبما أن ميراث الكاتب لا يمكن حظره أو إماتته، ما دامت القراءة والقُرّاء، ولما كان التقليد لا يغني عن الأصل، فقد أحجمت عن الكتابة واكتفيت بإبراز بعض ما أنتجته قريحة الأستاذ في مناسبات مختلفة، للرد على الاِفتراءات المتهافتة التي تروجها الدولة بإعلامها الدجال، ولأن الزّيْف والبهتان لا يصمدان أمام الصدق والبرهان حيث يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه، لم يجد النظام للتعامل مع الكاتب المحترم سوى سلاح العاجز الذي سنّه الفراعنة الطغاة منذ أربعة آلاف عام في وصية الملك خيتي لابنه:

 

«إذا وجدت في المدينة رجلا خطرا يتكلم أكثر من اللازم ومثيرا للاضطراب، فاقضِ عليه واقتله وأمح اسمه وأزل جنسه وذكراه وأنصاره الذين يحبونه»!. [٤]

 

هوامش المقال:

[١] من مقال فهمي هويدي «عن البيئة المنتجة للإرهاب» المنشور بجريدة الشروق في تاريخ الأحد ٢٨ مايو ٢٠١٧م.

[٢]من مقال فهمي هويدي «الإصلاح السياسى مقدم على الإصلاح الديني» المنشور بجريدة الشروق في تاريخ ٥ ديسمبر ٢٠١٦م.

[٣]كتاب القرآن والسلطان، فهمي هويدي، ص٤٩، طبعة ١٩٨١م.

[٤] كتاب شخصية مصر، جمال حمدان، ج٢ ص٥٥٥، دار الهلال..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى