آراءأقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: رحيل أحد الأربعة الكبار!..

رحيل أحد الأربعة الكبار!.. من فضل الله تعالى على الأمة الإسلامية في العصر الحديث أن رزقها بعلماء نجباء حملوا أمانة تعليم الناس وتيسير علوم الفقه وأصوله من تراث السلف الصالح مع التصدر للفتوى لما استجد من أمر المسلمين وأحوالهم، مثل القرضاوي والشعراوي والغزالي وشلتوت وغيرهم من فقهاء العصر الحديث..

 

ومن تمام المنّة أن يسير إلى جوار هؤلاء الأعلام، رجال أفذاذ يتصدون بذكاء وبصيرة للمعارك الفكرية التي واجهتها الأمة في عصر الماديّة وشيوع الماركسية والعلمانية والإلحاد والتنكر للدين وعزله عن الحياة وشئونها، لينحصر في المسجد وخطبة الجمعة!.

 

وهؤلاء الرجال هم من عرفوا بالمفكرين الإسلاميين وفي الصدارة منهم أربعة جمعتهم خصوصية الفترة الزمنية الواحدة والتوافق في الفكر والثقافة والمشروع الحضاري الإسلامي الوسطي المعتدل المتصالح مع مستجدات العصر السياسية والاجتماعية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية ومناصرة حركات المقاومة ضد الاستعمار الغربي والكيان الصـهيوني، وهم حسب أسبقية المولد:

 

الدكتور محمد عمارة       (١٩٣١ – ٢٠٢٠م) رحمه الله ..

المستشار طارق البشري   (١٩٣٣ – ٢٠٢١م) رحمه الله ..

الأستاذ فهمي هويدي      (١٩٣٧ –         ) حفظه الله ..

الدكتور محمد سليم العوا (١٩٤٢ –         ) حفظه الله ..

 

وكما تلقينا فاجعة موت الدكتور محمد عمارة في ٢٨ فبراير الماضي، نفجع اليوم وقبل يومين من ذكرى المفكر الكبير، بخبر وفاة الفارس الثاني المستشار طارق البشري رحمه الله ..

 

وإذا كان النظام في مصر قد قصف قلم الأستاذ فهمي هويدي منذ منتصف العام ٢٠١٧م، وحرمنا من الاستنارة بفكره والاسترشاد برأيه، فإن أقل شيء هو نشر مقالته التي كتبها في ٣١ أكتوبر ٢٠١٥م، تكريما لصديقه واستاذه المستشار طارق البشري في ذكرى مولده!.

 

وهى أفضل ما نرثيه بها في يوم وفاته..

طارق البشرى ..

حين اعترض الخديو «عباس حلمي الثاني» على تعيين أحد العلماء شيخا لواحد من أروقة الأزهر.

 

فإن شيخ الأزهر رفض الاعتراض وقال له: «إذا كان الأمر لكم في الأزهر فاعزلوه ــ يقصد شيخ الرواق ــ وإن كان الأمر لي دونكم فهذا الذي اخترته ولن أحيد عنه»، ثم قدم استقالته.

 

الحوار جرى في الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة في أحد أيام عام ١٩٠٤. كان على رأس الأزهر آنذاك الشيخ سليم البشرى، فقيه زمانه الذي ضرب به المثل في العلم والزهد.

 

الشيخ سليم أنجب ابنه عبدالفتاح الذي انتمى إلى زمن القضاء الشامخ ورأس محكمة الاستئناف. وظل يذهب إلى عمله كل يوم مستقلا القطار والتاكسي. وهو من رفض سيارة الحكومة وحراستها أثناء محاكمته لقتلة المستشار أحمد الخازندار، قائلا إن ذلك يقلل من هيبته حين يبدو أمام المتهمين خائفا وبحاجة إلى حراسة، كما أنه يجرّح استقلاله حين يركب سيارة الحكومة وهو ينظر قضية المجني عليه فيها موظف بالحكومة.

 

طارق الابن الرابع للمستشار عبدالفتاح البشرى خرج من عباءة الشيخ والشامخ ولم يذهب بعيدا، إذ حين أحال “حسنى مبارك” إحدى القضايا إلى القضاء العسكري الذي أصدر فيها حكمه بالإعدام، فإنه أصدر حكما بإلغاء قرار رئيس الجمهورية حين عرض الأمر على محكمة القضاء الإداري التي كان يرأسها. وكانت حجته في ذلك أن القانون أجاز إحالة نوع معين من القضايا إلى القضاء العسكري في حالة الطوارئ. ولكن قرار رئيس الجمهورية أحال قضية بذاتها إلى قاض ومحكمة بذاتها. وهو ما يخل بالعدالة ويعد مخالفة تجعل القرار مشوبا بالبطلان. صدم القرار الكهنة الذين لم يتوقعوا أن يصدر قاض حكما ببطلان قرار أصدره فرعون فتعرض للهجوم من بعض الكتاب وأوعز الكهنة إلى وزير العدل آنذاك أن يعالج الأمر من خلال صنف آخر من القضاة ذاع أمرهم وارتفعت أسهمهم فيما بعد. فحققوا لهم ما أرادوا بإلغاء الحكم وتنفيذ الإعدام استجابة للتوجيهات العليا.

 

لم يبال طارق البشرى بالترهيب الذي تعرض له. الذي تمثل في عربة الشرطة التي رابطت أمام بيته ولا بمن ظل يتابعه حينما ذهب. إذ لم يتزحزح عن موقفه. حين عرض عليه بصورة عاجلة أمر قانونية التمديد لرئيس مجلس إدارة الأهرام بعدما صدر قرار رئيس الجمهورية بمد سن الإحالة إلى التقاعد من ٦٠ إلى ٦٥ سنة فقد ارتأى بطلان قرار التمديد للرجل لأنه صدر بعد بلوغه سن الستين. وفرصة الاستفادة منه كانت متاحة قبل بلوغه تلك السن. وحين تسرب موقفه إلى المراجع العليا في محيط الكهنة فإنه تلقى رسالة دعته إلى تأجيل قراره لبعض الوقت حتى تمر الأزمة. وهو ما استراب منه لأن استفتاء مجلس الدولة في الأمر كان عاجلا في البداية. لذلك فإنه لم يبال بالتوجيهات وسارع إلى إعلان القرار الذي رفض التمديد واعتبره غير قانوني. وقال إنه طلب منه الرأي في الموضوع من الناحية القانونية وقد فعل أما حكاية التأجيل فلا شأن له بها لأن الحسابات فيها سياسية.

 

في هذا الصدد يروى الدكتور مصطفى الفقى الذي كان أحد معاوني الرئيس مبارك. أن طبيب الأسنان المعالج للرئيس طلب مساعدته في تحويل ابنه من كلية إلى أخرى في جامعة القاهرة، فطلب مبارك من الفقى أن ينقل هذه الرغبة مصحوبة بتزكية منه إلى المستشار طارق البشرى، الذي كان آنذاك مستشارا قانونيا لرئيس الجامعة. وحين فعلها فإن البشرى وجد الطلب غير قانوني فطلب منه أن يبلغ الرئيس اعتذاره عن الاستجابة لرغبته وهو ما حدث.

 

ظل طارق البشرى ثابتا على موقفه طوال ٤٤ سنة قضاها في عمله بمجلس الدولة. ورغم أنه حرم من مزايا وفرص كثيرة تمتع بها أقرانه إلا أنه رفض كل إغراءات الإعارة للعمل خارج مصر. وبعضها كان مما يتعذر الصمود أمامه. وحين حل عليه الدور في رئاسة مجلس الدولة جاءت لحظة تصفية الحساب معه. كان ذلك في عام ١٩٩٢ حين خلا المنصب. وطبقا للأعراف المتبعة فقد استحق أن يشغله أقدم النواب الأول لرئيس المجلس. وكان الأقدم ـ المستشار على الخادم ـ الذي كان معارا آنذاك إلى سلطنة عمان. وكان التالي له مباشرة طارق البشرى بفارق أشهر قليلة في الأقدمية. ولكن المستشار الخادم كان راغبا في الاستمرار بمسقط وعازفا عن شغل المنصب. فأبلغ طارق بذلك وأرسل ثلاثة خطابات أعلن فيها قراره، وجهها آنذاك إلى رئاسة الجمهورية ووزير العدل ورئيس مجلس الدولة المنتهية ولايته. إلا أن الإصرار على استبعاد البشرى جعل الرئيس مبارك يبعث برسالة إلى السلطان قابوس حملها إليه وزير الأوقاف فى ذلك الحين يطلب فيها إنهاء خدمة المستشار الخادم إذا لم يوافق على العودة إلى مصر وتولى المنصب. وتحت الضغط عاد الرجل أو أعيد، وحرم طارق البشرى من تولى رئاسة مجلس الدولة.

 

المدهش أن الرجل الزاهد استقبل كل ذلك بهدوء بالغ ونفس راضية. ذلك أن المناصب والطموحات الوظيفية لم تشغله يوما ما. فقد تجاوزت اهتماماته ساحة القضاء وأطلق أشرعته فى فضاءات التاريخ والفكر السياسي، وكما أثرى الفقه القانوني بأحكامه المرجعية، فإن عطاءه جاء وفيرا ومميزا في نظراته التاريخية ودفاعه عن الجماعة الوطنية والإصلاح السياسي وتأصيل التمييز بين الوافد والموروث. إلى غير ذلك من الفضاءات الرحبة التي استعرضها زملاؤه وتلاميذه في الندوة التي أقاموها بعد انتهاء ولايته القضائية عام ١٩٩٨ (صدرت بعد ذلك في كتاب أصدرته دار الشروق بعنوان «طارق البشرى قاضيا ومفكرا»).

 

رغم أنه ظل منارة مضيئة طول الوقت. فإن الدولة المصرية لم تكرمه يوما، وإنما حاصرته وحاربته، لكنه حفر لنفسه مكانة رفيعة في تاريخ مصر والعالم العربي. وحين يختم اليوم (الأول من نوفمبر) عامه الواحد والثمانين فمن حقه علينا أن نشد على يديه معبرين عن المحبة والتقدير والامتنان. سائلين الله له العفو والعافية وطول العمر…أ.ه‍ـ..

 

وإذا كان الأستاذ فهمي هويدي استنكر عدم تكريم المستشار الجليل من نظام مبارك، فإن من المستحيل تكريمه اليوم وخاصة أنه كان من أوائل من وصف ما حدث في منتصف ٢٠١٣م بالانقلاب العسكري وهو أيضا ما نقله عنه الأستاذ فهمي هويدي في الشروق بتاريخ ١١ يوليو ٢٠١٣م، حيث كتب:

 

«واصل المستشار البشري سباحته ضد التيار حين عاد إلى تعزيز رأيه الذي وصف فيه ما أقدم عليه الجيش في ٣ يوليو الحالي أنه انقلاب عسكري!.»..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى