آراءأقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: حرب أكتوبر في ميزان الحق! (2)

في رواية «الشيطان يعظ» أراد «شطا» أحد رجال فتوة الحارة المعلم «الديناري» الخروج عن طاعة معلمه، فقام بترك أهله وأصدقائه وحارته كلها، ثم لجأ إلى خَصْمِ «الديناري» في الفتونة المعلم «الشبلي» فتوة الحارة المجاورة..

 

ولكن «شطا» كان كالمستجير من الرمضاء بالنار والسعير!.

 

فبعد ان استقبله «الشبلي» بنعومته المعهودة وأغراه وطمأنه علي حمايته وحماية زوجته، ووعده بالأمان التام ورغد العيش في ظل جواره.. غَدر به، وقام بكل خسة باغتصاب زوجته مع الاعتداء عليه وسحق كرامته!.

 

هنا أدرك «شطا» خطأه الفادح وأفاق من أحلامه الوردية على الواقع المُرّ والحقيقة المخزية!.

 

ولم يعد أمامه سوى أمرين لا ثالث لهما:

الأول أن يبيع القضية وينجرف مع الوضع الجديد ليعيش بلا شرف وكرامة في ظل حماية «الشبلي» النَّجِس!.

 

أما الثاني؛ فيعود نادمًا إلى حارته الأولى في جوار المعلم «الديناري»، ويعيش مرة أخرى وسط أهله وأصدقائه أملا في الثأر والانتقام!.

 

فقرر اختيار الحل الأخير، ومكث يُعدَّ نفسه ليوم يمحو فيه العار ويثأر لشرفه من «الشبلي» ورجاله!..

 

وفي النهاية جاء اليوم الذي قامت فيه المعركة بين الفتوتين ورجالهما، وثأر «شطا» لكرامته بقتل المعلم «الشبلي» ثم قُتِـلَ شهيدا في سبيل ذلك!..

 

دائما ما أذكر سيرة البطل «شطا» في رواية الأديب نجيب محفوظ تلك، عند دراسة مسيرة مصر السادات من الحرب إلى السلام!.

 

لقد دخلت مصر حرب أكتوبر ١٩٧٣م، في ظل تحالف عربي وحَّد كلمة العرب من المحيط للخليج بصورة غير مسبوقة نادرة الحدوث في التاريخ المعاصر والقديم أيضا!.

 

وكان ذلك تحت رعاية الإتحاد السوفييتي احدى القوتين العظميين في العالم وقتها، لدرجة أن “هنري كيسنجر” وزير الخارجية الأمريكي  كان قلقا بشأن تدخل أمريكي مباشر لنجدة إسرائيل في الأيام الأولى لحرب أكتوبر، مما يثير حفيظة الاتحاد السوفيتي، ففي اعتقاده أنه في حالة تعرض العرب لهزيمة حقيقية هذه المرة، سيكون من الصعب على السوفييت أن يبقوا بعيدا عن القتال!. [١]

 

الغريب في الأمر أن السادات تنكّر للدور السوفيتي في حرب أكتوبر بصورة فاجرة وبلغ به الكذب أن يجحد دورهم في إنقاذ مصر أثناء العدوان الثلاثي عليها في أواخر العام ١٩٥٦م، عندما قال في مذكراته: «ونحن في أوج المعركة بين يومي ٢٩ أكتوبر ، و ٢ نوفمبر، كان “شكري القوتلي” رئيس سوريا في زيارة رسمية للإتحاد السوفييتي، وطلب منهم مد يد المساعدة لمصر، ولكن السوفييت تخاذلوا تخاذلا تامًا!.

 

فأرسل “القوتلي” ينصحنا بالإعتماد على أنفسنا فلا أمل إطلاقا في السوفييت، وهو ما جعلني منذ تلك اللحظة أومن بأن من يتغطى بالسوفييت فهو مكشوف»!..[٢]..

 

هذا ما قاله السادات عام ١٩٧٨م، بعد عامين من إلغاء اتفاقية الصداقة بين مصر والاتحاد السوفيتي وسحب السفير المصري حافظ إسماعيل بدون أدني سبب يستدعي ذلك، أكثر من مغازلة الولايات المتحدة التي قال عنها أنها تمتلك ٩٩ ٪ من أوراق إدارة الصراع في الشرق الأوسط!.

 

رغم أن الاتحاد السوفيتي وقتها كان ضد إسرائيل تمامًا، حتى أن وزير خارجيتهم “أندريه جُروميكو” قال صراحة لحافظ إسماعيل، «لو قدم بعض العرب تنازلات لإسرائيل، فسوف ينشأ خلاف بين السوفييت وبينهم قطعًا»!.[٣]..

 

👈ولم يكن الإتحاد السوفييتي يحارب مع العرب لوجه الله بكل تأكيد، ولكن أيضا بغرض فرض سيطرته ووضع قدم لنفوذه كأحد القوى العظمى في العالم وهو ما استفادت منه الدول العربية بلا شك، والطريف هنا أن الذي أكّد هذا الدور هو “أنور السادات” عندما كتب في عام ١٩٥٧م، يقول:

«وأرسلت “روسيا” إلى بريطانيا وفرنسا بإنذارها المشهور بعد أن حاولت أن تشرك معها “أمريكا” في وقف العدوان ولكن “أمريكا” رفضت وتخاذلت!!.

 

لقد صيغ الإنذار الروسي في عبارات أرسلت الرعب في مفاصل رئيسي وزراء بريطانيا وفرنسا!.

 

قال “بولجانين” في الإنذار إلى المتآمرين:

“إننا مصممون كل التصميم على استخدام القوة للقضاء على العدوان وإنهاء الحرب في مصر”!.

 

إن أول يد شريفة تمتد إلينا وتخوض معنا معاركنا في حماس وإخلاص هى يد الشعب السوفييتي الصديق!.

 

التي امتدت إلينا بالسلاح من غير قيد ولا شرط وبلا تحكم أو سيطرة، وإنما بصداقة وتجارة شريفة واحترام متبادل وتقدير لظروفنا فاق في كل معناه كل أخوة وكل صداقة..»!..[٤]..

 

ولكن السادات عندما أعاد كتابة التاريخ مرة أخري بعد عشرين سنة بما يليق بمنصبه الجديد كرئيس للجمهورية، والتقارب مع الولايات المتحدة، قال إن الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” هو البطل الذي أنقذ مصر في حرب ١٩٥٦م.!.

 

وفي حقيقة الأمر لم يتوقف الدور السوفييتي عند ذلك، بل حتى بعد نكسة العام ١٩٦٧م، التى جرّها علينا “عبد الناصر” ونظامه، زار وفدٌ برئاسة الرئيس “نيقولاي بودجورني” القاهرة ودمشق وبغداد، حيث وعد بتعويض سريع للأسلحة التي ضاعت في النكسة!.

 

وبالفعل بدأ الاندفاع لإعادة بناء القوات العربية على الفور، وخلال صيف وخريف ١٩٦٧م، هرع المستشارون السوفيت إلى مصر وسوريا تصحبهم معدات عسكرية، وفي نوفمبر من العام نفسه كان حوالي ٨٠ ٪ من الخسائر العربية قد تم استبدالها، وأعيد سلاح الجو المصري إلى قوته، السابقة على النكسة، وأعيد ملء ترسانات الأسلحة في سوريا..[٥]..

 

كان هذا في الوقت الذي أسفرت أمريكا عن وجهها القبيح في معاداة العرب وما نتج عنه من قطع العلاقات معها جرّاء عدوان يونيو ١٩٦٧م!..

 

ورغم دعمها العلني للصـهاينة في تعويض خسائرهم أثناء حرب أكتوبر المجيدة، وضرب العرب بالسلاح الأمريكي..

 

كان الهوى المسيطر على السادات أمريكيًّا بامتياز، مما جعله يأتلف بصورة عجيبة مع اليهودي “هنري كيسنجر” أحد أهم صناع القرار والسياسة الخارجية للولايات المتحدة في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين، خاصة في ظل فضيحة “ووتر جيت” التي أضعفت الرئيس “نيكسون” قبل أن تطيح به في العام ١٩٧٤م، حتى قال السادات عن اللقاء الأول الذي جمعه بكيسنجر في السادس من نوفمبر ١٩٧٣م: «أعتقد أنه لو رآنا أحد بعد الساعة الأولى من اجتماعنا بقصر الطاهرة لاعتقد أننا أصدقاء منذ سنوات وسنوات»!..[٦]..

 

وهذا كان بداية الطريق إلى الهاوية التى سقط في نهايتها السادات وجرّ معه العرب جميعا في #شِباك_المشروع_الصـهيوني ، حيث إن “كيسنجر” كان صاحب قرار تحويل نصر العرب إلى هزيمة، وتأكيد هذه الهزيمة على أرض المعركة في الميدان نفسه، قبل أن تتوصل هيئة الأمم إلى قرار يفرض على المتحاربين إلقاء السلاح والتوجه إلى مائدة المفاوضات!..[٧]..

 

وإن كان السادات قد سبقه بالخطوة الأولى في إجهاض النصر العظيم الذي حققته بفضل الله القوات المصرية، عندما هزمت المانع المائي المتمثل في عبور قناة السويس ذات الـ٢٠٠ متر عرض، وتحطيم خط بارليف المنيع بعد اجتياز ارتفاع الساتر الترابي البالغ ٢٠ مترًا، في ظل تحييد تفوق الطيران الإسرائيلي بالقتال تحت مظلة حائط الصواريخ الموجود غرب القناة والذي يغطي عشرة كيلو مترات شرق القناة..

 

هذه كانت خطة الحرب التي نجحت فيها قواتنا الباسلة في الأربعة أيام الأولى من الحرب..

 

ولكن للأسف قرر السادات الدفع بالقوات المصرية خارج مظلة الصواريخ وتطوير الهجوم علي الصهاينة يوم ١٤ أكتوبر بحجة تخفيف الضغط علي الجبهة السورية؛ بالرغم من المعارضة الشرسة للقرار من الفريق “سعد الدين الشاذلي” رئيس أركان القوات المسلحة

 

والذي ذَكّر السادات بأنه في عام ١٩٧١م، كان هناك اجتماع لوزراء الدفاع العرب في إطار اتفاقية الدفاع العربي المشترك ، وقد قال وقتها الشاذلي وكان سكرتير عام المؤتمر، أنه في حالة حدوث حرب مشتركة تدخلها مصر وسوريا معا ضد إسرائيل فإنه لا يمكن لأي دولة من الدولتين الدفع بقواتها خارج مظلة الدفاع الجوي لتخفيف الضغط علي الدولة الأخرى نظرا لتفوق سلاح الجو الإسرائيلي!..

 

وقد كانت المعارضة منطقية بصورة كبيرة حيث أن الهجوم المصري كان بأربعة ألوية ضد ثمانية ألوية إسرائيلية، فلم يكن هناك داع للصهاينة لسحب قواتهم من الجبهة السورية لمواجهة تطوير الهجوم المصري!..

 

ومن ثَمّ كانت النتيجة مذبحة هائلة للدبابات المصرية حيث خسرنا ٢٥٠ دبابة وحوالي ١٠٠٠ شهيد نتيجة تفوق سلاح الجو الإسرائيلي والخروج خارج مظلة حائط الصواريخ، وما تبعها من عبور لقوات الصهاينة غرب القناة ومحاصرة مدينة السويس ووقوع الجيش الثالث بالكامل في الحصار أيضا داخل سيناء وقطع جميع الامدادت الواصلة إليه، مع رفض “السادات” أي خطة لتصفية الثغرة وسحق القوات الإسرائيلية التي كان يقودها الجنرال “شارون” عند مدينة السويس غرب القناة، مما أدى لنهاية (اللا نصر لا هزيمة) التي وصفها الضابط البريطاني والباحث الأكاديمي المتخصص في العلاقات الدولية “إدجار أوبلانس” في كتابه عن الحرب العربية الإسرائيلية سنة ١٩٧٣م، والذي عنوانه #لا_منتصر_ولا_مهزوم:

No Victor, No Vanquished: The Arab-Israeli War..

 

وأما الخطوة الثاني التي قام بها “كيسنجر” وبمساعدة وخضوع من الرئيس “السادات”، فكانت عند اجتماع “كيسنجر” بالوفد العسكري المصري برئاسة الفريق عبد الغني الجمسي في أسوان يوم ١١ يناير ١٩٧٤م بعد شهرين من قرار وقف إطلاق النار…

 

والذي قام فيه كيسنجر بطلب تخفيض القوات المصرية التي عبرت القناة وتمركزت في سيناء، إلى سبعة آلاف جندي وثلاثين دبابة فقط، وهو ما يمثل أقل بكثير من ١٠ ٪ من القوات الباسلة التي عبرت القناة!.

 

ولما رفض الفريق “الجمسي” هذه الاقتراحات بشدة لخطورتها على موقف مصر في مفاوضات فض الاشتباك مع العدو الصهيوني، وتأمين القوات المصرية شرق القناة، أخبره “كيسنجر” بأن هذا ما اتفق عليه مع الرئيس السادات وعليه الإتصال به للتأكد من الأمر!.

 

فلما راجع “الجمسي” الرئيس وأخبره بأنه لن يستطيع الدفاع عن موقف مصر في سيناء بالقوات الهزيلة الباقية بعد تنفيذ أوامر “كيسنجر”، وأنه لا يوجد ما يدعو لهذا التخفيض سياسيًّا وعسكريًّا!.

 

أصرَّ السادات علي تنفيذ أوامر كيسنجر ، وامتثل الجنرال المطيع عبد الغني الجمسي للأوامر واغرورقت عيناه بالدموع على دماء المصريين المهدورة، وغادر الاجتماع إلى الحمام!..[٨]..

 

وعلى هذا المنوال من التنازلات مضى “السادات” إلى نهاية الشوط مبتعدا عن مصادر قوته وداعميه ولم يحاول الرجوع كما رجع “شطا” في رواية نجيب محفوظ، حتى بعد نصيحة صديق عمره، ووزير خارجيته “محمد إبراهيم كامل” الذي قال له قبل إمضاء اتفاقية كامب ديفيد:

«أرجو منك ثانية أن تعيد النظر في الأمر ولنعد إلي مصر ونجري مشاورات مع الدول العربية لنري خطوتنا التالية!.

 

فرد عليه السادات :  لا .. أنا أعلم ما أفعله، وسأمضي في مبادرتي إلي النهاية!.

 

فأسقط في يد وزير الخارجية وقال:

 

إذن فأرجو أن تقبل استقالتي، فأنا لا أستطيع أن أوافق علي شيء يبدو لي من المؤكد خطؤه وخطره، ولا أنا أستطيع أن أغشك وأغش نفسي وضميري!.»..[٩]..

 

لكن السادات –الذي قال لأحمد بهاء الدين أنه وعبد الناصر آخر الفراعنة– لم يستمع لأحد، وكانت النتيجة أن خرجت مصر ذات الثقل الحضاري والجغرافي والديموجرافي (القوة البشرية) بقدرتها على قيادة الصراع مع الصـهاينة، من معادلة القوى الفاعلة في الشرق الأوسط!.

 

ولم نلبث قليلا حتى رأي العالم السفارة الإسرائيلية في قلب القاهرة أكبر عواصم العرب، تحل مَحَلّ الجامعة العربية!..

 

ولذلك تفصيل في الجزء الثالث والأخير من هذه الدراسة في المقال القادم بإذن الله تعالى..

 

هوامش المقال:

 

[١] عملية السلام والنزاع العربي الإسرائيلي، وليام كوانت ص١٥٤، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ٢٠٠٩م..

[٢]البحث عن الذات، أنور السادات، ص١٥٩، طبعة المكتب المصري الحديث سنة ١٩٧٨م..

[٣] كتاب “أمن مصر القومي في عصر التحديات، مذكرات حافظ إسماعيل ص٤١٤، طبعة الأهرام للترجمة والنشر، سنة ١٩٨٧م”..

[٤] كتاب يا ولدي هذا عمك جمال، أنور السادات، ص٢٠٣، ص٢١٩، طبعة دار الهلال سنة ١٩٥٨م..

[٥] أمريكا والسلام في الشرق الأوسط، دان تشيرجي، ص٢٧، دار الشروق، طبعة ١٩٩٣م..

[٦] السادات، روبير سوليه، ص١٣٥، دار نوفل بيروت طبعة ٢٠١٥م..والبحث عن الذات، الطبعة الفرنسية، ص٤٢٢..

[٧] هموم داعية ص ٢١٨، محمد الغزالي، طبعة دار التراث، الدوحة سنة١٩٨٣م..

[٨] مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي، ص٤٨١..

[٩] كتاب السلام الضائع في كامب ديفيد، محمد إبراهيم كامل، ص٥٩٨، طبعة الأهالي سنة ١٩٨٦م…

#هل_كان_السادات_ثعلبا_حقا ؟!.

#معركة_الوعي_أم_المعارك ..

#قراءة_التاريخ_أول_درجات_سلم_الوعي ؟!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى