أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: تكريم في غير أهله!.

Latest posts by أحمد الشريف (see all)

تكريم في غير أهله!.

في الخامس من سبتمبر سنة ١٩٧٩م قام الرئيس السادات بزيارته الثالثة إلى دولة الكيان الإسرائيلي، واصطحب معه زوجته «جيهان» وأولاده منها،

وقد وصلوا إلى ميناء «حيفا» على متن «المحروسة» -اليخت الذي أقلّ الملك فاروق إلى منفاه في إيطاليا في يوليو ١٩٥٢م-

حيث كان في استقباله بالميناء الرئيس الإسرائيلي «إسحاق نافون»،

واصطفت الحشود وأُطلقت نيران المدافع ترحيبا بالزيارة الحميمة التي أعقبت توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في مارس من نفس العام.

السادات يخاطب اليهود عن مشاريع مصر الاقتصادية

وخاطب «السادات» اليهود معلنا في تلك الزيارة عن مشاريع مصر الاقتصادية تجاه «إسرائيل» ومنها إقامة توأمة بين «حيفا» و«الإسكندرية»

وإن مصر ستبيع الدولة اليهودية مليوني طن من النفط سنويا، كما وعد بأن النيل لن يروي سيناء فقط عبر ترعة السلام، ولكن سيمتد إلى صحراء النقب أيضا!.

وفي خلال تلك الرحلة عقدت جيهان السادات صداقة مع زوجتي «مناحم بيجن» و«إسحاق رابين».

وقد انبهرت بالرحلة لدرجة التساؤل إذا ما كانت تحلم وهى تركب طائرة مروحية تدور فوق «الأراضي الفلسطينية المحتلة» وإلى جانبها «عزرا وايزمان» وزير الدفاع آنذاك!.[١]..

ولم تكن جيهان السادات تحلم ولكنها وزوجها قاما بتغيير الأمور وعبرا بالأمة الحاجز النفسي الكبير الذي بنيت أحجاره بدماء الشهداء واغتصاب الأرض وما تبعها من العداوة والبغضاء بين الأمة العربية والإسلامية وبين الكيان الصهيوني!.

السادات وجيهان على طريقة رضا بهلوي وفرح ديبا

وقد سار «السادات» وزوجته في ذلك على منوال شاه إيران «محمد رضا بهلوي» وزوجته الشهبانو «فرح ديبا» التي جمعتها صداقة امتدت طويلاً مع «جيهان السادات».

حيث كان الشاه هو رجل أمريكا الأول بالمنطقة وأقرب أصدقاء «إسرائيل»، والذي اعترف بها سنة ١٩٦١م.

وهو الدور الذي سعى إليه «السادات» بقوة، وظهر جليّا في رده على قول الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» عندما قال له:

«لا أوافقك الرأي في أن ٩٩٪ من ورق لعبة الشرق الأوسط في يد أمريكا»!.

فكان رد السادات: «عزيزي جيمي، إنك على حق، فهي ليست ٩٩٪، وإنما ٩٩.٩٪.»!.[٢].

حفلات السادات وجيهان الأسطورية

وإذا قيل بأن النظم المقلدة لغيرها تظهر نفسها من خلال احتفالاتها.

فقد قام «السادات» باحتفالية ضخمة مبهرجة على غرار الحفل الأسطوري للشاه في مدينة «برسيبوليس» الإيرانية سنة ١٩٧١م، بمناسبة مرور ٢٥٠٠ سنة على قيام دولة الفرس المجوسية!.

وقد كان لجيهان السادات السهم المُعَلَّى في تنظيم هذا الحفل الذي أقيم فور عودتها من رحلتها للكيان الصهيوني وبرعاية شركة «ريفلون» العملاقة المتخصصة في أدوات التجميل والتي كانت مطرودة من السوق المصرية والعربية قبل ذلك بسبب دعمها المعلن وتعاملاتها مع «إسرائيل»!.

وقد أقيم الحفل بمناسبة توقيع اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني، حيث اعتبر مهرجانا للسلام العالمي.

وبحضور أربعمائة شخصية غربية صهيونية،

وكان ضيف الشرف هو المغني العالمي «فرانك سيناترا»،

وتحت مسؤولية «مايكل بيرجراك» رئيس مجلس إدارة شركة «ريفلون»،

الذي أعلن أن الهدف من الحفل هو جمع التبرعات للجمعيات الخيرية التي ترعاها حرم الرئيس السادات!.

وكما أنفق الشاه ببذخ وإسراف على حفلته في ظل فقر مدقع لغالبية الشعب الإيراني،

فقد وصفت جريدتي «نيويورك تايمز» و«الهيرالد تريبيون» حفل جيهان السادات الذي أقيم بالقاهرة في يومي ٢٨–٢٩ سبتمبر ١٩٧٩م قائلة:

«قام مجموعة من الناس هذا الأسبوع بخلق جزيرتهم المتسمة بالوفرة الظاهرة وسط بحر الفقر المصري،

حيث كان هذا مهرجانا لراكبي الطائرات الخاصة في ظل الأهرامات»!.[٣]..

سطوة جيهان السادات

وقد كانت «جيهان السادات» وقتها في ذروة قوتها ونفوذها في إدارة البلاد وهى السطوة التي لم يقلل منها إلا ما اقتطعه المهندس عثمان أحمد عثمان صهر السادات وأحد أهم مراكز القوى في عهده (محمود عثمان زوج جيهان الصغيرة ابنة السادات)،

حيث ظهر هذا الصراع بينهما على السطح في أكثر من مناسبة،

مثل واقعة الاستيلاء على منصب رئيس تحرير الأهرام أكبر المؤسسات الصحفية بعد وفاة الصحفي على حمدي الجمال رئيس مجلس إدارتها ورئيس التحرير في ١١ سبتمبر ١٩٧٩م،

عندما قامت جيهان السادات باستدعاء الأستاذ «أحمد بهاء الدين» إلى مكتبها وأخبرته أن «السادات» فوضها في تعيين رئيس مجلس إدارة الأهرام،

وأنها تعرض عليه هذا المنصب الذي يعتبر صاحبه هو الأقوى والأخطر في منظومة الإعلام المصري مثلما كان «محمد حسنين هيكل» في العهد الناصري!.

وقد رفض العرض الأستاذ «بهاء الدين» معتذرا لها رغم الصداقة التي تجمعه بها وبالرئيس السادات،

وعلل ذلك بما جرى بعد نشر النصوص المعلنة لاتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات مع مناحم بيجن في سبتمبر ١٩٧٨م،

عندما قام بكتابة مقالا تحليليّا ونقديّا للاتفاقية نشرته العديد من الصحف العربية حيث كان يشغل وقتها منصب رئيس تحرير مجلة العربي الكويتي،

وتم منعه من النشر في مصر ثم تبعه حظر مقاله الأسبوعي «حديث الأحد» من النشر في كافة الصحف المصرية!.

فما كان من جيهان السادات إلا الضغط عليه قائلة: (هل يرضيك أن «عثمان» يأخذ «الأهرام» أيضا بواسطة رجاله هناك)!.[٤].

الرئيس مرسي يكرم جيهان.. وهي تخون

وهى الواقعة التي توضح بصورة كبيرة كيف كانت تدار الأمور داخل العائلة التي كانت تحكم البلاد في واحدة من أحرج فترات تاريخها الحديث!..

ولذلك وغيره كان من المؤسف أن يقوم الرئيس الدكتور «محمد مرسي» رحمه بإصدار قرارا بمنح الرئيس الراحل «أنور السادات» قلادة النيل ووسام نجمة الشرف وتكريم زوجته في احتفالات أكتوبر سنة ٢٠١٢م،

في الوقت الذي كان يجب الكشف عن التاريخ الحقيقي لهذه الفترة وتعرية من أضاعوا الأمة وفرطوا في مقدرتها!.

والطريف أن «جيهان السادات» قالت وقتها في تصريح خاص للقناة الأولى بالتلفزيون المصري تعليقا على ذلك التكريم:

«أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن الله يدافع عن الذين أمنوا»!.

ولكن في النهاية وكما قال الشاعر زُهَير بن أبي سُلْمَى:

ومَن يجعلِ المعروفَ في غير أهلهِ

                                       يَكُنْ حَمْدُهُ ذمًّا عليهِ ويَنْدَمِ !.

حيث وَصَفت «جيهان السادات» الفريق «السيسي» عندما ترك القوات المسلحة ليستولي على حكم البلاد،  بأنه «هدية الله لمصر»،

واعتبرته مزيجا من الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في شعبيته،

والرئيس الأسبق محمد أنور السادات في أنه القائد المنتصر، الذي خلص مصر من جماعة الإخوان،

وخلص البلاد العربية من مؤامرة التقسيم، بما فعله في ٣٠ يونيو!.

محمد الجوادي يسقط في مدح جيهان السادات

والأشد أسفا أن يأتي بعد كل هذا كاتب من أبرز مناهضي حكم العسكر مثل الدكتور «محمد الجوادي» ليكتب عن تلك المرأة ممجدا ومعظمًا من شأنها،

والأنكى من ذلك أن ينسب إليها الفضل في بداية الصحوة الإسلامية، وقد فاح عوار قوانينها التي خالفت فيها شريعة الله عز وجل وذاع صيتها،

حتى نسبت إليها وافتخرت بذلك في مذكراتها مع اتهام مخالفيها من علماء الإسلام بالتعصب والأصولية والرجعية!.[٥]

قانون جيهان السادات للأحوال الشخصية

ومن الأهمية بمكان معرفة تفاصيل وملابسات هذا القانون لمن أراد الحكم عن بيّنة وبرهان،

حيث واتتها الفكرة بعد عرض فيلم «أريد حلًا» الذي كتبت قصته الصحفية حُسن شاه، وقامت ببطولته الفنانة فاتن حمامة،

وما أثاره من ضجة وتعاطف مع (فاتن حمامة) المرأة التي تريد الطلاق من زوجها وتظل قضيتها لسنوات في المحاكم دون جدوي!.

قرار جمهوري له قوة القانون لإنصاف المرأة

فأرادت -جيهان السادات المنبهرة كزوجها بالنموذج الغربي وعاداته- القيام بدور نصير المرأة،

ومن ثم عملت على إصدار قرار جمهوري له قوة القانون لإنصاف المرأة ومراعاة حقوقها المهدرة!.

وهو القانون رقم ٤٤ لسنة ١٩٧٩م.. أو ما عرف شعبيًّا باسم «قانون جيهان للأحوال الشخصية»!

والذي ينص على: «يعتبر إضرارا بالزوجة اقتران زوجها بأخرى دون رضاها، ولو لم تشترط عليه في عقد زواجها عدم الزواج عليها…»!.

وبناءً عليه يُلزم القاضي بتطليق الزوجة الأولى للضرر متى طلبت الطلاق، حتى لو كان الزوج عادلًا وفيًّا بسائر حقوقها، رافضًا لذلك الطلاق!.

وطبقا لهذا القانون المخالف لشرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أصبح ممكنا أن تتزوج المرأة بعد «طلاقها بقوة القانون» من رجل آخر،

ولأن طلاق المكره لا يقع (فلا يجوز إكراه الرجل على تطليق زوجته دون سند شرعي)، فقد أصبحت المرأة على ذمّة رجلين في وقت واحد!.

جيهان السادات ومشايخ السلطان

وبالطبع لم تعدم جيهان السادات من مشايخ السلطان من يدافع عن قانونها وفي الصدر منهم،

شيخ الأزهر الدكتور «عبد الرحمن بيصار» الذي عينه السادات في يناير ١٩٧٩م،

ومفتي الجمهورية المُعيّن في ١٩٧٨م الشيخ «جاد الحق علي جاد الحق»،

والشيخ «عبد المنعم النمر» وزير الأوقاف،

وكانوا جميعًا أيضا من المؤيدين والمدافعين عن جميع سياسات السادات وخاصة اِتفاقية السلام الإسـرائيلي مع العدو الصهيوني!.

الشيخ  صلاح أبو إسماعيل يتصدى لقانون جيهان

ورغم قتامة الصورة وسوداويتها، كان بمصر علماء ورجال لا يخشون في الله لومة لائم،

تصدوا بقوة لهذا العوار وفي الصدر منهم الشيخ المجاهد «صلاح أبو إسماعيل» الذي بمجرد انعقاد جلسات مجلس الشعب الجديد في أواخر العام ١٩٧٩م،

اِنبري للتصدي للقانون وبيان مخالفته لشرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم..

وبيّن أن الإسلام شرع للمرأة مفارقة زوجها وخلعه متى شاءت بعد رد صداق الزوج (المهر) دون أي حقوق لها بعد ذلك،

على عكس الطلاق الذي يعطيها حقوقها كاملة مثل نفقة العدة ونفقة المتعة ومؤخر الصداق وغيره،

حتى ولو كانت هي التي طلبت الطلاق من زوجها الذي لا تعيب عليه خلقا أو دينا إلا أنه تزوج بأخرى!.

حزب السادات يتصدى لاستجوابات صلاح أبو إسماعيل

وقد ظل «صلاح أبو إسماعيل» يتصدى لكل ما هو مخالف لشرع الله ومصالح العباد باستجواباته المتتالية في المجلس ضد رئيس الجمهورية وحكومته!.

ولما كانت الغالبية الكاسحة لحزب السادات أُجهضت جهود «صلاح أبو إسماعيل»

ولم يجد جدوى من هذه الاستجوابات قام في المجلس مغضبًا في أبريل ١٩٨١م، يخطب في أعضائه بقول الله تعالي:

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

ولأنه دخل المجلس يحمل أمانة شعاره الانتخابي «أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين»  ..

فقد قال : «لقد وجدت طريقي بينكم إلي هذه الغاية طريقا مسدودا، لذلك أعلن استقالتي من مجلس الشعب غير آسف على عضويته»!..

وخرج الشيخ الجليل من المجلس ضاربا المثل في مجابهة الظالمين وعدم الركون إليهم،

مجاهدا من منبر الخطابة والصحافة مثل إخوانه من علماء الإسلام المعتبرين وقتها الذين جهروا بالحق ضد جور السلطان وفساد حاشيته..

وفي مقدمتهم العالم والداعية المجاهد «محمد الغزالي»، والشيخ الجليل «عبد اللطيف مشتهري» رئيس الجمعية الشرعية،

والعالم القدير «د. عبد الستار فتح الله سعيد» أستاذ التفسير بكلية أصول الدين،

والعلامة «د. موسى شاهين لاشين» صاحب موسوعة «فتح المنعم في شرح صحيح مسلم»،

وغيرهم الكثير من علماء الأمة ورجالها الشرفاء..[٦]

وفي الختام يجب التنويه إلى أن قانون الأحوال الشخصية ذاك، قد سقط بعد هلاك السادات،

حيث تم الإطاحة به في المحكمة الدسـتورية في الرابع من مايو ١٩٨٥م، بدعوى عدم دستوريته!.

هوامش المقال:

[١] السادات، روبير سوليه، صـ٢٤٣، طبعة ٢٠١٥م، دار نوفل، بيروت

[٢] السادات، ديفيد هيرست – إيرين بيسون، صـ٤٣٨، صدر في نوفمبر سنة ١٩٨١م، نقلا عن مجلة أكتوبر عدد ١٩ مارس ١٩٧٩م.

[٣] المصدر السابق، ديفيد هيرست صـ٤٣٩

[٤] محاوراتي مع السادات، أحمد بهاء الدين صـ١٩١، طبعة الهلال سنة ١٩٨٧م.

[٥] سيدة من مصر، جيهان السادات، صـ٤٢١، طبعة المكتب المصري الحديث، سنة ١٩٨٦م..

[٦] تفاصيل موضوع قانون الأحوال الشخصية بكتاب الشهادة في قضية تنظيم الجهاد، الشيخ صلاح أبو إسماعيل، صـ١٧٤، دار الاعتصام. طبعة ١٩٨٤م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى