آراءأقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: تجديد الخطاب الديني!..

تجديد الخطاب الديني

من أفضل كتب التراث الإسلامي التي لا يملّ القارئ  مطالعتها لجمال الأسلوب وعمق الفكرة وبلاغة العبارات وجزالة الألفاظ مع عظم الاستفادة الفقهية، كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام وعلم الأعلام مجدد المائة الخامسة «محمد بن محمد بن محمد الطوسيّ»، المشهور بأبي حامد الغزالي (٤٥٠ – ٥٠٥ هـ / ١٠٥٨ – ١١١١م). وهذا علي الرغم من السمعة السيئة للكتاب وصاحبه في أوساط العامة نتيجة الدعاية السلبية من غالبية أتباع الدعوة السلفية الذين اتهموا الإمام الغزالي بالتصوف وفساد العقيدة وجمع الأحاديث الضعيفة في مجلّده الضخم الذي قاربت صفحاته الـ ٢٠٠٠ صفحة!.

 

ولقد تأثرت في بداية قراءاتي بهذه الدعاية السطحية حتى أكرمني الله بمطالعة كتاب «التنبئة بمن يبعثه الله علي رأس كل مائة» للعلامة الحافظ جلال الدين السيوطي (٨٤٩ – ٩١١ هـ)، وفيه ذكر لكبار العلماء الذين حملوا هذا الدين ونفوا عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحملوا أمانة تجديد نبعه الرشيد في كل فترة زمنية كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم..[*]

 

وقد أورد السيوطي اختلاف العلماء في تحديد مجددي القرون الأولى من سادات علماء الأمة وفقهائها، حتى وصل إلى القرن الخامس الهجري فكتب: «وعلي رأس المائة الخامسة حجة الإسلام الغزالي لا أجد فيه خلافًا»!. [١]..

 

ودلل الإمام السيوطي على ذلك بقول الإمام اليافعيّ والحافظ ابن عساكر: «وعلى رأس الخامسة الإمام أبو حامد الغزالي، لتميزه بكثرة المصنفات البديعات وغوصه في بحور العلوم والجمع بين علوم الشريعة والحقيقة والفروع والأصول والمعقول والمنقول والتحقيق والتدقيق والعلم والعمل، حتي قال بعض أكابر العلماء الجامعين بين علم الباطن والظاهر لو كان بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، نبيّ لكان الغزالي!.».[٢]..

 

ومن ثم بدأت أُرَوي في الأمر وأراجع آراء المعاصرين من أهل العلم الذين أثق في علمهم وفكرهم السليم، قبل الشروع في مطالعة كتاب الإحياء، فكانت الضالّة في كتاب العلامة الفقيه يوسف القرضاوي الإمام الغزالي بين مادحيه وقادحيه، والذي تضمن فضلا عن رأي القرضاوي سيّد علماء العصر، آراء لعدد من الفقهاء والمفكرين المشهود لهم في الحقل الإسلامي مثل الإمام «أبي الحسن الندوي» الذي قال: «الغزالي من نوابغ الإسلام وعقوله الكبيرة، ومن كبار قادة الفكر الإسلامي والتجديد، الذين لهم دور كبير في بعث الروح الدينية، وإيقاظ الفكر الإسلامي، ومهما قيل فيه وقيل عنه فإن إخلاصه أسمى من أن يُشك فيه!.

 

وأيضا رأي الإمام «المودودي» الذي وضع أبا حامد الغزالي ضمن الأعلام المعدودين الذين كان دورهم بارزًا جليًّا في إحياء الدين وتجديده..[٣]..

 

وأما عن كثرة خصوم الإمام الغزالي فهذا قدر الرجل العظيم وقديما قالوا من ألّف فقد استَهدَف أو كما جاء في «العقد الفريد»: «مَن قرَضَ شعرًا أو وضع كتابًا فقد استَهدَفَ للخصوم واستشرَف للألسن، إلا عند من نَظَرَ فيه بعين العَدْلِ، وحَكَمَ بغير الهوى، وقليلٌ ما هم!.، فكيف برجل كالغزالي غزير التأليف متنوع القدرات مع حرية في التفكير وجراءة في التعبير؟!.

 

وقد أرجع العلامة القرضاوي سبب الخصومة وكثرة الأعداء للإمام الغزالي إلى: «مهاجمته للفلاسفة، وفضحه الشيعة الباطنية، وعيبه المقلدين وانتقاد المتكلمين، ولوم الفقهاء، وحمل على العلماء الذين يلتمسون الدنيا بالدين، وسماهم (علماء الدنيا)، وكشف علماء (الظاهر) الذين حجبهم القشر عن اللباب، و فضح ظواهر التدين المغشوش لدى كثير من طوائف المجتمع»!.

 

وفي رأيي الشخصي -الذي لا أُلزم به أحد- أن السببين الأخيرين هما اللذان ألّبَا علي الإمام الغزالي دعاة السلفية الوهابية، وفقهاء السلطان، لأن فقههم يهتم بصفة خاصة بالمظهر وخوض المعارك من أجل فرض اللحية والنقاب وتقصير الثوب، في حين يغيبون عند الحديث عن نهضة الأمة وحقوق الرعية وجهاد العدو ومجابهة حكام الجور، الذي يوجِبون طاعتهم حتى مع تبين عجزهم وعدم كفايتهم وجلاء طغيانهم وفسقهم!.

 

لأن من يطالع كتاب «إحياء علوم الدين» يجد معارضة ولاة الأمر والنصح لهم ونهيهم عن المنكر واضحة بكل قوة وصراحة ..

 

حيث أفرد لها الغزالي بابا كاملا تحت عنوان: «في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر»..

 

وضمّنه العديد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الصدر منها أفضلُ الجهاد كلمةُ حق عند سلطان جائر.

 

مستفيضا في شروحها وترسيخها في النفس بذكر العديد من المواقف الجسورة لعلماء الإسلام وصفوة التابعين في مواجهة حكام الجور من خلفاء بني أمية وبني العباس رغم شدة البطش والتعذيب، وتعرضهم للسجن وللقتل أيضا في بعض الأحيان!.

 

ومن أمثلة ذلك ما دار بين الطاغية «الحجاج بن يوسف الثقفي»، وبين العابد الثائر «حطيط الزيّات الكوفي» الذي عرف بزهده وعلمه وفضله رغم صغر سنه حتى وضعه ابن حبان في ثقات الكوفة!.

 

حيث جاء في الإحياء:

سأل الحجاج الثقفي حطيطًا الزيات، ما تقول فيَّ؟!.

فقال‏ حطيط:‏ أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة‏!.‏

هنا غضب الحجاج ولكنه أراد أن يقيم عليه الحجة فسأله:‏ فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟!.

فردّ حطيط:‏ أقول إنه أعظم جرمًا منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه‏!.‏

فأمر الحجاج جنوده قائلا: ضعوا عليه العذاب‏!.‏

حتى انتهى به العذاب إلى أن شقوا جسده وقطعوا لحمه وشدوه بالحبال حتى انتحلوا لحمه فما سمعوه يقول شيئا، ولا بدا عليه جزع أو ضعف!.

ثم قيل للحجاج إنه في آخر رمق، فقال‏:‏ أخرجوه فارموا به في السوق‏!.‏

فلما رآه أحدهم اقترب منه وسأله ألك حاجة؟!.

فقال‏:‏ شربة ماء.. فلما أتوه بها، شربها ثم مات وكان ابن ثمان عشرة سنة!.[٤]..

 

وبعد ضرب هذه الأمثلة وغيرها جاءت الخاتمة الجامعة التي أنهى بها الإمام الغزالي هذا الباب من كتابه والتي لخصت الهدف من عرض تلك الأخبار من سيرة السابقين، حيث كتب:

 

«فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين لكونهم، اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ورضوا بحكم الله تعالى أن يزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية أثّر كلامهم في القلوب القاسية فليّنها وأزال قساوتها.

 

وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألْسُن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا..

 

ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر!.»[٥]..

 

ومن عجيب الأمر أن نجد الشيخ محمد إسماعيل –أحد أقطاب الدعوة السلفية– يذكر قصة الحجاج مع حطيط [٦] وأمثالها لتحفيز نفوس الشباب وشحذ الهمم وتمثّل القدوة في كتابه الرائع «علو الهمة»، وهو الكتاب الذي قد يتبرأ منه الكثير من أتباع الدعوة الآن، أو لربما أنكروا على الشيخ قوله في الكتاب:

 

«إن من خصائص الداعية الكبير الهِمّة أنه لا يترخص في السكوت عند قوة أهل الفجور وأذاهم، لأنه يرى أن الترخيص هنا من شأن العامة من المستضعفين، وأما الدعاة، والقادة، والعلماء، فيتمسكون بالعزيمة، ويصدعون بالحق، وإن لحقهم الأذى والعذاب والموت»!.[٧]..

 

وذلك لأن مثل هذه الكتابات تسبب حرجا بالغا لدعاتهم الساكتين إزاء نباح كل ناعق يدعو إلى تفريغ مناهج التعليم من الآيات القرآنية  والأحاديث النبوية!.

 

والله المستعان على كل حال..

 

هوامش المقال:

 

[*] عن أبي هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.. رواه أبو داود (رقم/٤٢٩١) وصححه السخاوي في المقاصد الحسنة، والألباني في السلسلة الصحيحة..

 

[١] التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة، السيوطي، ص ٦٢

 

[٢] نفس المصدر السابق، ص ٤٧..

 

[٣] الإمام الغزالي بين مادحيه وقادحيه، مقدمة الطابعة الرابعة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٩٩٤م..

 

[٤] إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، تحقيق العلامة زين الدين العراقي، ص٨٢٥، دار ابن حزم،الطبعة الأولى ٢٠٠٥م..

 

[٥] إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، ومعه المغني عن حمل الأسفار، للعلامة زين الدين العراقي، ص٨٣٦، دار ابن حزم،الطبعة الأولى ٢٠٠٥م..

 

[٦] علو الهمة، محمد إسماعيل المقدم، ص ٤٠٩، ط. دار الإيمان ٢٠٠٤م

 

[٧] نفس المصدر السابق، ص٢٧٤..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى