أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: المفكر الثائر في ذكرى استشهاده!.

Latest posts by أحمد الشريف (see all)

«ماذا عمل بنا الغرب نحن المسلمين، نحن الشرقيين؟!.

 لقد احتقر ديننا، أدبنا، فكرنا، ماضينا، تاريخنا وأصالتنا، لقد استصغر كل شيء لنا، إلى حد أخذنا معه نهزأ بأنفسنا.. أما الغربيون فقد فضلوا أنفسهم وأعزوها ورفعوها، ورحنا نحن نقلدهم في الأزياء والأطوار والحركات والكلام والمناسبات، وبلغ بنا الأمر أن المثقفين عندنا صاروا يفخرون بأنهم نسوا لغتهم الأصلية!..

ما هذه السخافة؟!. هكذا يفخر الإنسان بفقد شعوره..

أفلا يكفي الواحد منا فخرا أنه تعلم لغة إفرنجية، حتى يفخر أيضا بأنه نسي لغته الأصلية!.

إنه لأمر عجيب أن نرى الأجنبي يعمل على تحقير دين الشرقي وإيمانه، أدبه وفكره، كبار رموزه، ماضيه وكل ما لديه، ثم نجد المُهان يفر من تلك الأمور التي سببت إهانته، والاستخفاف به، ويلجأ إلى المصدر الذي شنّع عليه وعابه، فيُخرج نفسه على شاكلته،  لئلا يقع في إطار تُهَمِه وتشنيعه»!.[١]

♦♦♦

في المؤتمر الصحفي لرئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس «يحىى السنوار» في ٢٦ مايو الماضي، رحب بكل المساعدات ومشاريع إعادة الإعمار لقطاع غزة دون الخشية من أخذ أو توجيه دولار واحد من تلك الأموال لصالح المقاومة كما قالت أمريكا وحلفاؤها في دول الموادعة والتطبيع مع الكيان الصهيوني!.

وقال إن الدولة الوحيدة الداعمة للمقاومة الإسلامية منذ نشأتها بفلسطين والجنوب اللبناني في ثمانينات القرن الماضي هي إيران!..

ومن المفارقات المحزنة في هذا الصدد أن تكون إيران هي أحد الجسور الرئيسية التي عبرت منها «مصر-السادات» إلى أحضان العدو الصهيوني حيث كانت أيام «الشاه» الحليف الأكبر والداعم الرئيس وأحد أهم محطات تمركز الموساد الإسرائيلي في المنطقة!.

ولذلك لا يجب أن تمر ذكرى الدكتور «علي شريعتي» صاحب النص في صدر المقال والذي كانت كتبه التي جاوزت المائة كتاب فضلا عن آلاف المحاضرات والمقالات مصدر الإلهام والتفكير والعطاء لعديد من الحركات والثورات وفي الصدر منها الثورة الإسلامية في إيران والمقاومة المسلحة ضد إسرائيل في جنوب لبنان، دون إحياء أو مرور الكرام!.[٢].

وقد بدأت الإرهاصات الأولى لصناعة المفكر الكبير في العام ١٩٥١م، حين انتخب البرلمان الإيراني رئيسا جديدًا للوزراء، هو النائب «محمد مصدق» وزير العدل والخارجية الأسبق وقائد الجبهة الوطنية «جبهة ملّي»، التي كان من بين أهدافها تأميم النفط الإيراني وتخليص البلاد من هيمنة البريطانيين والأمريكان!..

وبالفعل كان الدكتور «مصدق» عند حسن الظن به، حيث قام بتأميم آبار النفط لصالح الاقتصاد الوطني الإيراني. وهو ما أدي للتكالب عليه، من الإنجليز والأمريكان ومعهم عميلهم الأكبر شاه إيران، الذي جاء به البريطانيون حاكمًا لإيران بعد عزل أبيه!..

فتم افتعال الأزمات الاقتصادية لتشويه صورة «مصدق»، وإشاعة الفوضى، والانفلات الأمني بعمليات الاغتيال للشخصيات العامة، مع شراء الذمم وتجنيد البلطجية والزُّعّار وأهل الفتن من أجل الانقلاب عليه!.

وهو المخطط الذي نفذته المخابرات المركزية الأمريكية –وقد تكشفت وثائقه فيما بعد– حيث أرسلت الـ CIA إلى طهران اثنين من كوادرها هما «كيرميت روزفيلت» و«نورمان شوارزكوف» لتنفيذ ذلك المخطط، والذي عُرِفَ باسم العملية أجاكس !.[٣]..

وبعد نجاح الانقلاب في العام ١٩٥٣م، حُوكم “مصدق” بتهمة الإضرار بالبلاد، وقد بلغ السبعين من العمر وقتذاك قضي منهم أربعين سنة في خدمة بلاده، وبعد محاكمة هزلية كشأن قضاء الانقلاب دائما، حُكم عليه بالإعدام، ثم خفف للسجن الإنفرادي الذي مكث فيه حتى وفاته سنة ١٩٦٧م!..

وفي هذه الأجواء الملحمية تشكّل وجدان مفكرنا الشاب الذي أتم العشرين من عمره في نفس السنة (١٩٥٣م) التي أُجهضت فيها ثورة مصدق الوطنية، وأُجهض معها الحلم بدولة تتمتع بالعدل وسيادة القانون وتحافظ على ثرواتها لصالح تقدمها ورفعة مواطنيها.

والطريف هنا أن هذا الشاب كان غنيا ميسورا ينتمي إلي أسرة مِنْ عُلِّيَّةِ الْقَوْم، ولذلك أرسله أبوه للدراسة الجامعية في فرنسا لعل نفسه تهدأ وينشغل بالحياة الأوروبية عمّا حدث في بلاده!..

ولكن كانت خيبة أمل أبيه كبيرة، لأن روح الاِبن الثورية أبت عليه إلا مناصرة الحق والانحياز له ضد القوي الاستعمارية العالمية!..

فمع دراسته العلمية للقانون، نشأت له صلات وتَوَطَّدَتْ علاقات مع حركات التحرر في مختلف البلدان وعلى رأسها جبهة التحرير الجزائرية!..

حتى أنه تعرض للسجن داخل فرنسا سنة ١٩٦١م، بسبب اشتراكه في تظاهرة تضامنية مع الزعيم الكونغولي المنتخب باتريس لومومبا والذي اغتالته مخابرات المستعمر البلجيكي لوأد مشروعه الاستقلالي للكونغو!..

فلما رجع إلي إيران بعد حصوله علي الدكتوراة من جامعة السوربون سنة ١٩٦٤م، ليعمل بالتدريس وإلقاء المحاضرات وصناعة الرجال الأحرار من طلبته، وإعدادهم لمواجهة فساد الشاه واستبداده وعمالته الفجة للإدارة الأمريكية!..

مما جعل السافاك (منظمة الأمن والمخابرات الإيرانية) تقوم باعتقاله مع مجموعة من طلبته، وتوضعهم السجن!.

وهنا تأتي ثمرة جهوده وعلاقاته السابقة بحركات التحرر، فيتوسَّط الرئيس الجزائري هواري بومدين ومعه منظمات دولية للإفراج عنه، بعد عام ونصف في معتقلات الشاه!..

وبعد خروجه تم التضييق عليه من قبل سلطات الشاه ومطاردته لما يقرب من عامين، فاُضطرّ لمغادرة وطنه خائفاً إلي أرض الله الواسعة، واستقر به المقام في لندن!. 

ورغم ذلك لم يتركه المجرمون، فوجِدَ مقتولاً، بعد ثلاثة أسابيع فقط من وصوله هناك، في الـ١٨ من يونيو سنة ١٩٧٧م -ذلك الشهر الذي يأْبَي إلا أن يكون شهر النوازل والنكسات باِمتياز- ولم يشُك أحد وقتها في أن القاتل هو الشاه وسافاكه!..

هذا الشاب هو المفكر و الفيلسوف الإيراني الكبير الدكتور على تقي الدين شريعتي، الذي كانت دماؤه لعنة على قاتليه، فأصبحت آراؤه وكتاباته وقود للثورة الكبرى في إيران التي أطاحت بالشاه ونظامه بعد سنة ونصف فقط من اغتياله رحمه الله!..

وقد كان الرجل ذو فكر مستنير تجسد في دعوته التي ضمنّها كتابه العودة إلى الذات ، بضرورة عودة الشيعة إلى التشيع السنيّ الذي كان عليه الأئمة الأعلام..

ونبذ ومقاومة التشيع الصفوى الذي يقف وراء كل الانحرافات الموجودة في الأثنى عشرية اليوم!..

ومن جميل أقواله العبقرية التي تناثرت في كتبه ومقالاته وكانت وقودا للثورة على الشاه وطغيانه:

▪قلت لصديقي : لم لا يصيح ديككم؟!

قال: اشتكى منه الجيران لأنه يوقظهم من نومهم في الصباح فذبحناه!..

هنا فهمت أن كل من يوقظ الناس سيُقطع رأسه!.

في حياتنا يتداول الناس اسم الدجاج، ولا أحد يذكر الديك، لأن الجميع يفكر بما يملأ بطنه ولا يفكر بمن يوقظه!.

▪أعجب من أناسٍ يرزحون تحتَ سياط الظُّلم، ويبكون حسينا الذي عاش حرًا ومات حرًا!..

▪ إن شئت التمرد على الديكتاتورية وعدم الرضوخ للظلم، ما عليك سوى أن تقرأ وتقرأ وتقرأ!.

▪ إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة، فلا يلوموا أحدًا عندما تسرق ثورتهم!.

▪ إذا كنت لا تستطيع رفع الظلم، فأخبر عنه الجميع على الأقل.

▪ في الحياة ليس العدو الحاقد للداعية بأخطر وأشد ضررا  من مريد متعصب مخلص لكن لا عقل له!.

▪ إنهم يخشون من عقلك أن تفهم، ولا يخشون من جسدك أن تكون قويا!.

▪ عندما تقرر الوقوف ضد الظلم، توقع أنك سوف تُشتم ثم تخون ثم تكفر، لكن إياك أن تسكت عن الظلم من أجل أن يقال عنك أنك رجل سلام!.

في النهاية لا بد من التساؤل الذي يطرح نفسه -ونحن نعيش مثل أجواء محنته مع مصدق- هل يُصْنَع الآن مثل هذا المفكر العملاق؟!..

ربما .. من يدري؟!.

هوامش المقال:

[١] النباهة والاستحمار، على شريعتي، صـ٣٠، طبعة الدار العالمية، بيروت سنة ١٩٨٤م..

[٢] دين ضد دين، على شريعتي، شهادة للسيد موسـى الصدر صـ١٤، طبعة مؤسسة العطار الثقافية..

[٣] لتفاصيل العملية مقال الأستاذ فهمي هويدي، الشروق تحت عنوان فصل في إجهاض الثورات، بتاريخ ٣٠ أبريل ٢٠١٣م..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى