أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: الغنوشي على خطى أربكان!

في نهاية العام ١٩٩٥م حاز حزب الرفاه الإسلامي بقيادة «نجم الدين أربكان» على ٢١ ٪ من أصوات الناخبين الأتراك مما أتاح له المركز الأول بالبرلمان

ومن ثم النصيب الأكبر في الحكومة المسئولة عن إدارة البلاد،

ولكن ما تم هو تشكيل الحكومة من ائتلاف يقوده حزبي الوطن الأم (مسعود يلماز) والطريق الصحيح (تانسو تشيلر)

على الرغم من العداء الشديد الذي يجمع بينهما، فكانت غاية تنحية التيار الإسلامي أكبر في الوحدة بينهما!.

الرفاه يعود بقوة

ومع ذلك عاد حزب الرفاه إلى الصورة بقوة بعد الفشل الذريع للائتلاف الحاكم بسبب الانهيار الاقتصادي

وتدهور قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي (كان الدولار يعادل ١١ ألف ليرة سنة ١٩٩٣م، وأصبح ٨٣ ألف ليرة سنة ١٩٩٦م)

وما صاحبه من ارتفاع معدلات البطالة وزيادة الفقر فضلا عن سوء الأحوال الصحية والتعليمية والخدمية،

وانتشار قضايا الفساد والرشوة داخل الأحزاب العلمانية والليبرالية المحسوبة على العسكر، في مقابل طهارة اليد عند التيار الإسلامي. 

مما اضطر في النهاية الرئيس التركي والقيادة العسكرية إعطاء الفرصة لحزب الرفاه ورئيسه «نجم الدين أربكان»

لتشكيل الحكومة في نهاية يونيو ١٩٩٦م بالتحالف مع حزب الطريق الصحيح ورئيسته «تانسو تشيلر»!.[١]..

وبمجرد إعلان تشكيل «أربكان» للحكومة الجديدة شعر الغرب بالقلق من الرجل الذي أعلن في أكثر من مناسبة عن مشروعه المعادي للغرب وإسرائيل

ومطالبته بتكوين أمم متحدة إسلامية، واتحاد اقتصادي بعملة إسلامية موحدة،

وبسبب وعده بإنهاء عمل تحالف قوات المطرقة الأمريكية–البريطانية–الفرنسية في شمال العراق ورفع العقوبات الاقتصادية عنه،

والعمل على إقامة حلف عسكري يجمع الدول الإسلامية على غرار حلف الناتو!.[٢].

وهو القلق الذي حاول «أربكان» إزالته، بعدم إحداث أي تغيير جوهري في السياسة التركية،

حيث وافق على مد عمل قوات المطرقة في شمال العراق التي كان يسميها «القوات الصليبية»،

كما وافق على التعاون العسكري التركي الإسـ.رائيلي بعد أن كان يعارضه تماما!.

واكتفى في بداية فترة حكمه بتركيز العمل على تحسين مستوى المعيشة للمواطن ومضاعفة مرتبات العاملين في الدولة،

مع التفرغ لمشروعه المستقبلي الذي يستهدف تغلغل وتنامي التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة وخاصة في مجالات التعليم والاقتصاد وحتى داخل الجيش نفسه!.[٣].

وهو ما عجل من الصدام بالقيادة العسكرية المتحكمة في زمام الأمور بتركيا،

حسب دورها المنصوص عليه في حماية الدستور العلماني والمبادئ الأتاتوركية باستبعاد كل ما هو إسلامي من إدارة شؤون البلاد!.

الانقلاب على أربكان

وقد قام الرئيس التركي «ديميريل» بإرسال مذكرة في ٢٤ فبراير ١٩٩٧م إلى «أربكان» يذكره بالمادة ١٧٤ من الدستور

التي تنص على مراعاة القوانين الثورية التي وضعها «مصطفى كمال أتاتورك» إبان تأسيس الجمهورية.

ومن السخرية في الأمر أن صرح «ديميريل» قائلا: «إن الدولة ليست عدوة للدين والأزمة التي تعيش فيها الآن تأتي من استغلال بعض السياسيين للدين».

وكذّب ذلك ما أُصدر من قرارات لمجلس الأمن القومي بغلق مدارس التعليم الدينية ومعاهد الأئمة والخطباء التي افتتحها حزب «الرفاه» أثناء حكمه،

كما صاحب ذلك تهديد العسكر بالانقلاب والتضييق الكبير على الحزب في التشريع وسن القوانين.

تدهور العلاقة بين الجيش والحزب

وتدهورت العلاقة بين الجيش والحزب إلى أن جاء قرار «أربكان» في ١٣ مايو بتأجيل المناورات البحرية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل،

فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وتم الرد على لسان المتحدث باسم المؤسسة العسكرية بعدم التأجيل،

وصرح  قائلا: «إن ما يقوم به التيار الإسلامي أشد خطرًا على الدولة التركية من أعدائها»!.[٤]..

ومن ثم اضطر «أربكان» لتقديم الاستقالة وسقطت الحكومة في منتصف ليل ١٨ يونيو ١٩٩٧م تجنبا للانقلاب العسكري المزمع في ذلك اليوم،

وتجنيب البلاد استنساخ ما جرى عندما نظم «أربكان» مؤتمرا شعبيا تحت شعار أنقذوا القدس احتجاجا على قرار إسرائيل بضم المدينة المقدسة سنة ١٩٨٠م،

وكانت النتيجة اعتقال “أربكان” وحل البرلمان وسيطرة الحكم العسكري الغاشم بانقلاب الجنرال كنعان إيفرين!.

ولذلك خابت توقعات القادة العسكريين عن تحول حزب الرفاه إلى العمل المسلح خاصة مع حشد أكثر من ٣٠٠ ألف شخص من أنصار الحزب وأعضائه البالغ عددهم أربعة ملايين في جميع أنحاء تركيا.

بسبب ما فعله أربكان السياسي المخضرم عندما رفض أن يحرق مراكبه وفرصه القادمة في الوصول للحكم،

رغم علمه بقرار المحكمة الدستورية القادم والذي صدر في ١٦ يناير عام ١٩٩٨م، بحل حزب الرفاه، ومنع أربكان من ممارسة الحياة السياسية لمدة خمس سنوات!.

أربكان يتحرك لإنشاء حزب «الفضيلة»

وكان «نجم الدين أربكان» قد تحرك في أواخر ديسمبر عام ١٩٩٧م، لإنشاء حزب سياسي آخر باسم «الفضيلة» تحسبا لما يتم تدبيره في الخفاء،

ومما قاله عن ذلك: (لقد حلوا حزب «النظام الوطني» (أول حزب إسلامي في تركيا سنة ١٩٧٠م)،

فأقمنا حزب «السلامة الوطني» الذي حقق شعبية أكثر بكثير وأوصل الإسلاميين إلى المشاركة في الحكومة.

ثم حلّوا حزب «السلامة»، فأقمنا حزب «الرفاه» الذي أصبح أكبر الأحزاب التركية

ووصل إلى رئاسة الحكومة في ائتلاف مع حزب الطريق الصحيح.

وإذا حلوا «الرفاه» فإن حزبنا المقبل سيصل إلى السلطة وحيدا!).

ومن ثم عقد أربكان مؤتمرا صحفيا بعد الحكم عليه قال فيه: «إنني أحترم قرار المحكمة حتى ولو كان خاطئًا!..

وإن إغلاق حزب «الرفاه» ليس نهاية الأمر بل نقطة في مجرى أحداث التاريخ،

ولن يؤدي إلا إلى تسريع وصول الحزب الإسلامي (المقبل) إلى السلطة،

لأن الشعب التركي يساند عادة من يتعرض إلى الظلم..

وأدعو الجميع إلى التزام الهدوء واليقظة والحذر من محاولات الفتن وشق الصفوف».[٥].

وهو ما تحقق بالفعل وإن لم يكن عن طريق حزب «الفضيلة» الذي أصدرت المحكمة الدستورية العليا في أنقرة حكمًا يوم ٢٢ يونيو ٢٠٠١م يقضي بإغلاقه وحظر نشاطه،

فعن طريق تلاميذه المنشقين من حزب الفضيلة بقيادة مجموعة الشباب التجديديين «عبد الله جول» و«رجب طيب أردوغان» و«بولنت أرينتش»

الذين كوّنوا حزب «العدالة والتنمية»، ونجحوا من خلاله في حكم البلاد منفردين منذ العام ٢٠٠٢م وحتى الآن!.[٦]..

الغنوشي على طريق أربكان

هذا هو ملخص ما جرى والذي أرى أن استعادة هذه التجربة بكل تفاصيلها يعتبر واجب الوقت الآن..

 بعدما حدث من انقلاب على الديمقراطية في تونس يوم ٢٥ يوليو الماضي من خلال قرارات رئيس الجمهورية «قيس سعيد»

بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وعزل رئيس الوزراء «هشام المشيشي»

وجعل السلطة جميعها في شخص الرئيس، وهو ما يستهدف بالأساس ضرب حزب النهضة الإسلامي وقائده رئيس البرلمان الشيخ راشد الغنوشي!.

وكما رفض «أربكان» المواجهة وانصاع إلى أوامر الانقلاب استعدادا لجولة أخرى،

فأنا أعتقد بأن الشيخ الغنوشي سوف يفعل المثل ويعبر الأزمة بأقل الخسائر وخاصة مع تهديدات الرئيس قيس سعيد بوابل من رصاصات الجيش في مواجهة رافضي الانقلاب، استعدادا لجولة أخرى في صراعه الطويل ضد الاستبداد!.

فمنهج الغنوشي طوال عمره واضح في نبذ الخيار المسلح من أجل التغيير

وهو ما نراه جليّا في كتاباته الفكرية المتنوعة مثل قوله في كتاب الحركة الإسلامية ومسألة التغيير:

«إن الخلل في تجاربنا التغييرية ليس عائدا بحال إلى ضعف استعدادات أمتنا في بذل دمائها وأرواحها وأموالها من أجل التغيير،

فما عرف التاريخ أمة أكثر سخاءً بالروح والدم من هذه الأمة،

وإنما الخلل الأكبر في وظيفة العقل الإسلامي وضعف قدرته على حسن تقدير الأوضاع

والتصرف في الموارد البشرية والمادية وتقدير إمكاناتنا إلى إمكانات أعدائنا، كضعف قدرتنا على ترتيب أولوياتنا،

وتصنيف خصومنا، والبحث عن الأصدقاء، وتقليل الأعداء والاقتصاد في التضحيات، ما أمكن والتبصر بالعواقب والتجارب،

والتذرع بالصبر والحيلة وتفويت فرص استدراجنا إلى معارك لا ضرورة لها ولمَّا تتوفر الفرص الكافية للنجاح فيها».[٧].

التجربة التركية تدعونا إلى التأمل

ولذلك هذه التجربة التركية تدعونا إلى التأمل والمقارنة بين نظيرتها في تونس وخاصة مع التشابه الكبير بين تاريخ الرجلين النضالي

(سُجن كلاهما لعدة سنوات في ثمانينيات القرن الماضي)،

ومعتقداتهما الفكرية التي يمكن تلخيصها في قول الأستاذ «أربكان» بمقابلة صحفية سنة ١٩٨٩م:

إن حزب «الرفاه» انطلاقا من مبادئه الوطنية يريد أن يخلص تركيا من مخططات الإمبريالية الغربية والصهيونية العالمية،

حيث قامت دولة إسرائيل بعد سقوط الخلافة العثمانية، وتهدف الآن إلى جعل تركيا مع إسرائيل في السوق الأوروبية المشتركة،

وهو الحزب الوحيد الذي يعارض ذلك ويبذل طاقته من أجل الاستقلال الفكري والاقتصادي..

والوقوف بوجه المخططات الإمبريالية والصهيونية ويخوض حرب استقلال جديدة في تركيا!.[٨]..

المؤسسة العسكرية في تركيا وتونس

ومما يزيد من عظم التجربة في المقاربة بين الدولتين أن المؤسسة العسكرية في تركيا بالتسعينات تتشابه إلى حد كبير لنظيرتها في تونس الآن،

حيث كانت تحظى باحترام الشعب وثقته، باعتبارها مُطَهِّرة البلاد من الأعداء حتى أن العائلة في الأناضول تودع ابنها الذاهب إلى الخدمة العسكرية بالطبل والمزمار،

وقد أيد قطاع عريض من الشعب التركي انقلاب العام ١٩٨٠م الذي قاده الجنرال “كنعان ايفرين” وانتخبوه رئيسا للبلاد!.

وهو ما نجده في تونس حيث رفع زين العابدين بن علي من قدر وزارة الداخلية وجعل لها الكلمة العليا في البلاد..

 في مقابل تهميش الجيش وخفض ميزانيته، مما جعله يقف على الحياد في ظل ثورة يناير ٢٠١١م!.

ولذلك ربما تسفر الأحداث عن مجموعة من الشباب المجددين المتشبعين بفكر الغنوشي وتجربته..

ويضيفوا إليه من دروس الثورة ومخاض الانقلاب،

ليعيدوا تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في تونس،

ويكون التقارب لحد التطابق في ألوان العلم الرسمي للدولتين ورسمه المُزيّن بالنجمة والهلال، فألا حسنا بما سيكون عليه الحال في المستقبل القريب بإذن الله..

وإلى أن يتم ذلك يجب على النخبة في كل البلاد العربية تهيئة الشعوب ورفع مستوى الوعى لديها..

من أجل المطالبة بالحرية والديمقراطية والاعتصام بها -إذا تحققت- وقبول الآخر حتى ولو كان إسلاميا!.

أهم العقبات التي تواجه المشروع الإسلامي

وهى الإشكالية التي أكد عليها منذ ثلاثين سنة الشيخ «راشد الغنوشي» أثناء مشاركته بمحاضرة عن مبدأ مشاركة الإسلاميين في حكم غير إسلامي،

والتي عقدت سنة ١٩٩٣م في جامعة ويستمنستر بلندن،

وتعرض فيها للحديث عن المشروع الإسلامي وأهم العقبات التي تواجهه قائلا:

«إن التأمل في واقع البلاد الإسلامية المطحونة بالدكتاتورية يكشف أن المشكل لا يتمثل في إقناع المسلم بالديمقراطية والمشاركة في السلطة،

وإن تكن علمانية، من أجل تحقيق أهداف مشتركة كالتضامن الوطني، والحقوق والحريات والتنمية ودفع مخاطر التهديد الصهيوني وتحرير فلسطين، وما إلى ذلك.

وإنما يكمن المشكل في إقناع الآخر، أي الأنظمة الحاكمة، بحق أو بمبدأ سلطة الشعب، وبحق الإسلاميين على قدم المساواة مع غيرهم في حرية العمل السياسي ومنها المشاركة في السلطة.»!.[٩].

كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف

#تونس_وتركيا_المقدمات_والمآلات !.

#معركة_الوعي_أم_المعارك ..

هوامش المقال:

[١] نجم الدين أربكان ودوره في السياسة التركية، منال الصالح، صـ٢٠٩ وما بعدها، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط.الثانية ٢٠١٣م.

[٢] السيف والهلال.. تركيا من أتاتورك إلى أربكان، رضا هلال، صـ١٦٦ دار الشروق الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩م.

[٣] السيف والهلال، مصدر سابق، صـ١٩٦.

[٤] نجم الدين أربكان، مصدر سابق صـ٣١٩، نقلا عن التقارب التركي من إسرائيل في التسعينات، هشام عبد العزيز، مجلة البصائر.

[٥] السيف والهلال.. تركيا من أتاتورك إلى أربكان، رضا هلال، صـ٢٢٠ دار الشروق الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩م.

[٦] رجب طيب أردوغان، قصة زعيم، حسين بسلي وعمر أوزباي، صـ٢٩١، صـ٣٨٢، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط. أولى سنة ٢٠١١م.

[٧]الحركة الإسلامية ومسألة التغيير، راشد الغنوشي، صـ١١٢، الطبعة الأولى سنة ٢٠٠٠م

[٨] أربكان ودوره في السياسة التركية، منال الصالح، صـ١٩٩.

[٩] الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي، صـ٣٦٤، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٩٩٣م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى