أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: أقوال للكبار منتهية الصلاحية! (١)

عن الشيخ الغزالي وجماعة الإخوان المسلمين..

من مآثِر صفحات التواصل الاجتماعي أنها أصبحت وسيلة لنشر الأفكار والرؤى الواعية وَبَلْوَرَتهَا فِي نُصُوصٍ ومقالات،

ما كان يمكن أن تُنشر في ظل غياب الحرية وسيادة الدولة الفاشية

التي لا تعتمد إلا الرأي المؤيد لها الممجد في سياساتها حتى ولو كانت خاطئة ذات مردود كارثي على البلاد والعباد.

ولكن وفي المقابل هناك من يستخدم تلك الصفحات (الفيسبوكية) -بسوء نية أو بسلامته-

فتتحول تلك المآثر على يديه إلى رذائل وأكاذيب تُزيّف الوعي وتقلب الحقائق وتُشوه الإدراك، وما يتبع ذلك من تخدير للشعوب وتدجينها،

مع سهولة السيطرة عليها وتوجيهها إلى ما فيه فساد أمرها وضعف قوتها.

ومما يساعد على ذلك أنه لا رقيب على المكتوب ومدى صحته وصلاحيته للكتابة إلا ضمير الكاتب وتحقيق الناشر،

وفي غيابهما تسود الأباطيل والمعلومات المبتورة بدلا من كشف الزيف وفضح ما يروجه إعلام النظام وصحف الدجال!.

ونموذج لذلك ما تداولته العديد من الصفحات مؤخرا لمقال الدكتور عبد الفتاح عبد الباقي

الذي نشرته جريدة البيان يوم الجمعة الماضي (٢٠ أغسطس)، تحت عنوان: «الشيخ الغزالي يتهم الهضيبي مرشد الإخوان بالماسونية»!.

وهو الموضوع الذي يتم استدعاؤه كل فترة في إطار الحرب  الإعلامية على الجماعة،

وآخرها التقرير الذي تصدر جريدة «اليوم السابع» في منتصف سبتمبر الماضي:

ماذا قال الشيخ محمد الغزالى عن فكر الإخوان المسلمين: «جَدَّدُوا سياسة الخوارج»!.[١]

من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث

واستندوا فيه إلى كتاب الشيخ محمد الغزالي: «من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث»،

وهو الكتاب الذي كتبه الشيخ في منتصف الخمسينات بعد فصله من جماعة الإخوان المسلمين

ومجموعة من كبار الإخوان على أثر خلاف كبير مع المستشار «حسن الهضيبي» المرشد الثاني للجماعة،

واشتد فيه في الرأي والخصومة وخاصة عندما قيل له من أحد السفهاء إذا تكلمت قُتلت!.

وما كان الشيخ هيّابا في يوم من الأيام وهو الذي استفزه في شيخوخته قول الرئيس مبارك عندما قال له:

«ادعو لي يا شيخ محمد فأنا أطعم ٦٠ مليون مصري»!.

فرد «الغزالي» مغضبا: من تظن نفسك حتى تري أنك تطعم شعبك؟ وهل تملك أنت أن تمنع طعامك من ذبابة تقف عليه؟

وهـل تملك عمرك حتى تظن أن بيدك مقاليد أرزاق غيرك؟!.[٢].

هذا وقد قارب الشيخ الثمانين، فما بالكم به وهو في الأربعين من عمره المبارك.

ومع ذلك فإن الموضوعية والإنصاف كانا يقتضيان إيراد الرأي الذي انتهى إليه الشيخ الجليل في الجماعة

وما استقر عليه في كتبه التالية وخاصة ما جاء في كتاب «قذائف الحق»

 الذي منعته الدولة من التداول منذ كتبه الشيخ في سبعينيات القرن الماضي، وقد قال فيه بهذا الخصوص:

«انتسبت لجماعة الإخوان في العشرين من عمري، ومكثت فيها قرابة ١٧ سنة، كنت خلالها عضوا في هيئتها التأسيسية،

ثم عضوا في مكتب الإرشاد، وشاء الله أن يقع نزاع حاد بيني وبين قيادتها، انتهى بصدور قرار يقضي بفصلي وعدد آخر من الأعضاء.

وأريد أن أكون منصفًا، فإن الزعم بأن جميع الإخوان أشرار سخف وافتراء، والزعم بأن الجماعة كلها كانت معصومة من الخطأ غرور وادعاء..»[٣]

مِحَن تعرضت لها جماعة الإخوان

ويضيف «الغزالي» -رحمه الله- عند الحديث عن المِحَن التي تعرضت لها الجماعة في أيام الملكية والفترة الناصرية قائلا:

«إن هناك قومًا يكرهون الإسلام ذاته ويخدمون بكراهيته القوى الثلاث التى تجمعت ضده اليوم : الشيوعية، الصهيونية، الصليبية!.

وهؤلاء القوم يريدون أن يجعلوا من كلمة «الإخوان» سيفًا مصلتا على عنق كل مخلص عامل فى حقله، وأنا أرفض هذا الخلط!..

إن إرهاب المجاهدين في سبيل الله بوصفهم «إخوانًا»،

ووضع العوائق أمام النهضة الإسلامية بزعم أن ذلك منع لعودة الجماعة المنحلة، إن هذا وذاك خيانة عظمى، وارتداد عن الملة!..

لقد أصبح التجمع على الإسلام ضرورة حياة في وجه اليهود الذين احتلوا أجزاء حساسة من أرضنا،

ويوشك أن تكون لهم وثبة أخرى ربما كانت نحو عواصمنا وبقية مقدساتنا، فاصطياد التهم لهذا التجمع لا أستطيع وصفه إلا بأنه عمل لمصلحة بني إسرائيل!..

إن الخطة التي وضعت لمحاربة جماعة «الإخوان» لا يسوّغ أن تستغل لمحاربة الله ورسوله.

ويسوءنى أن الذين رسموا هذه الخطة يحاولون أن يقضوا بها على الدين نفسه، والفرق واضح بين دين له قداسته ونفر من الناس لهم خطؤهم وصوابهم»!.[٤]..

وهو نفس ما ذكره الشيخ الجليل بعد ذلك في مذكراته التي نشرت في منتصف التسعينيات قائلا: «لقد هاجمت الإخوان وهاجموني يوم فُصلت من الجماعة، وكان تظالما وخيم العقبى على مستقبلها، يغفر الله لنا ما كان مني ومنهم!.

ولما حَلّت الدولة الجماعة للمرة الثانية أحسست أن ذلك لا يستفيد منه إلا اليهودية والصليبية.

فلما بدأ التعذيب والتقتيل انضممت بقلبي وكياني كله إلى إخواني المستضعفين في الأرض وبكيت لهم ما يلقون!.

إن المأساة التي يجب كشفها أن الإسلام نفسه يضرب باسم ضرب الإخوان!.[٥]..

أقوال منتهية الصلاحية

والعجيب أن يتم ترك كل هذا ويأتي القوم بأقوال منتهية الصلاحية رفض الشيخ نفسه إعادة نشرها في الطبعات التالية لكتابه «من معالم الحق..»،

وأبلغ ما يؤكد انتهاء صلاحيتها هو ما قاله الشيخ الجليل عن المستشار «حسن الهضيبي» رحمه الله:

«إنه ما ادعى لنفسه العصمة، بل من حق الرجل أن أقول عنه: إنه لم يسع لقيادة الإخوان،

ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه، وإن من الظلم تحميله أخطاء هيئة كبيرة مليئة بشتى النزعات والأهواء.

ومن حقه أن يعرف الناس عنه أنه تحمل بصلابة وبأس كل ما نزل به، فلم يجزع ولم يتراجع،

 وبقي في شيخوخته المثقلة عميق الإيمان، واسع الأمل، حتى خرج من السجن.

وقد ذهبت إليه بعد ذهاب محنته، وأصلحت ما بيني وبينه، ويغفر الله لنا أجمعين»!.[٦]..

وقد ظل الشيخ على فكر الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا إلى آخر أيام حياته،

بل لقد استلهم من مبادئ الإمام البنا كتابه دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين الذي كتبه في أوائل الثمانينات

ووصف الإمام البنا بأنه مجدد القرن الرابع عشر الهجري.[٧].

ومن هنا يتبين عوار اجتزاء الآراء الأولى والوقوف عندها دون مراجعة ما انتهى إليه الكاتب سواء اتفقنا معه في الرأي أم لا. 

شاكر والجندي يشاركون الغزالي أفكاره

ولم يتفرد الشيخ الغزالي بهذا الأمر في ذلك الوقت، بل شاركه مراجعة الأفكار والمعتقدات رجال أفذاذ مثل العلامة «محمود شاكر»

والكاتب الموسوعي «أنور الجندي» وغيرهما، وهو ما سوف نتعرض له تفصيلا ومنعا للإطالة، في الجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله تعالى.

وفي النهاية يجب أن نعلم أن هذه المراجعة للرأي لا تطعن في علم هؤلاء الكبار أو الأخذ منهم،

فإنه من عزائم الأمور أن يجد أحدهم الشجاعة لمراجعة رأيه والذهاب إلى ما هو أصلح وأنفع،

وألا يجرمنّه علو المكانة بين الناس وكبر النفس على الإصرار على الخطأ، فهذه شيم الكبار حقًا.

ومن أعجبُ من فعل هذا الإمام الفقيه «ابن حزم» إذ أبقى على خطئه في كتابه،

ورَدَّ على نفسه بنفسه، وبيَّن أنه أخطأ، فانظر – إنْ شئت – درة كتبه «المُحلّى» وتعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.[٨]..

هوامش المقال:

[١] مقال البيان مقال اليوم السابع

[٢] تفاصيل الواقعة ومصدرها والشهود عليها في مقال: مبارك والحجاج والحكم على الجملة

[٣] قذائف الحق، محمد الغزالي، صـ٦٩، طبعة المكتبة العصرية، بيروت، وهو الكتاب الذي كتبه في مدينة الرباط بالمغرب، أثناء تواجده هناك في رمضان ١٣٩٣هـ الموافق أكتوبر ١٩٧٣م.

[٤] قذائف الحق، مصدر سابق، صـ٧٠.

[٥] إسلامية المعرفة، السنة الثانية، العدد السابع، قصة حياة، مقتطفات من مذكرات الشيخ محمد الغزالي، صـ١٩٧

[٦] الشيخ الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن، د/ يوسف القرضاوي، صـ٤٢، طبعة دار الشروق، سنة ٢٠٠٠.

[٧] دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، محمد الغزالي، صـ٥، طبعة الشروق، سنة ١٩٩٧م.

[٨] هكذا كان العلماء في الرجوع عن الخطأ، د/ عبدالحكيم الأنيس،

مقال بموقع الألوكة، بتاريخ ١٧ يونيو ٢٠١٤م، نقلا عن «المحلي» لابن حزم، شرح وتحقيق المحدث أحمد شاكر، صـ٦٦، جـ٦..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى