أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: أقوال للكبار منتهية الصلاحية (٢)

سياحة تاريخية مع العملاقين محمود شاكر وأنور الجندي!..

لم تكن غايتي من المقال السابق كشف زيف وتدليس من يستدلّون بكتابات قديمة للشيخ الجليل «محمد الغزالي» -رحمه الله- في الطعن بجماعة الإخوان المسلمين

مع كتم وإخفاء مراجعات الشيخ واستدراكاته عليها، بقدر استهداف ما أَعتَبِره «إحياءً» لقاعدة هامة تقضي بضرورة الاجتهاد من أجل الإحاطة بالموضوع لمن يتصدر الحكم والكتابة، وعدم الاكتفاء بقول الأعلام مهما بلغ شأنهم.

وكلمة «الإحياء» هنا للدلالة على قدم المبدأ ووجوده في سلف الأمة، حيث قال العلامة النووي [٦٣١ – ٦٧٦ه‍ـ]:

«قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء، وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب!.»[١].

وهذا بالطبع لا يطعن في قيمة العالم أو المفكر الذي من ديدنه مراجعة الرأي وإنكار قول المقلدين:

 ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾[سورة الزخرف الآية ٢٢]،

ولكنه يشين الناقلين عنه الذين أخذوا بقوله الشاذ أو اعتمدوا كلامه الأول المنتهي الصلاحية وتركوا ما انتهى إليه الرأي في خواتيم حياته.

الجامعة هي طه حسين

ومن الأمثلة الصارخة في هذا الشأن ما كان بين شيخ العربية «محمود شاكر»، وبين أستاذه الدكتور «طه حسين»،

حيث جمعت بينهما خصومة شديدة جعلت الأول يترك دراسته الجامعية بل كتب أنه بسببها رحل عن مصر كلها في سنة ١٩٢٨م!.[٢]..

ومن ثم صدر عنه وقتذاك أقوال استشهد بها البعض في الطعن بالدكتور «طه حسين»، ورغم أن الطعن في الرجل لا يخلو من وجاهة،

إلا أن الموضوعية والأمانة العلمية كانت تقتضي ذكرهم لما انتهى إليه الأستاذ «محمود شاكر» -وإن لم يوافقوه الرأي-

عندما قال جملته المعروفة في فبراير سنة ١٩٧٥م، معظّمًا دور «طه حسين» في الحياة الثقافية: كانت الجامعة هي طه حسين!.

ثم أضاف شارحا:

«فقد عرفته محبا للعربية حبا شديدا، حريصا على سلامتها،

وقد انتهى أمره إلى أن صار من أكبر المدافعين عن اللسان العربي إلى آخر حياته،

وأنه لا محال أن يحشر في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس الذين برزوا بظهور سطوة الاستعمار والتبشير.

وذلك أنه حين انجلى غبار ما أثاره الدكتور «طه حسين» بكتابيه: «في الشعر الجاهلي»، و«مستقبل الثقافة في مصر»،

وهما كتابان لا قيمة لهما من الوجهة العلمية، انجلت بعد ذلك نَفْس الدكتور «طه» رحمه الله،

وناقض بما كتبه وبما قاله كل ما في هذين الكتابين من فساد. ومَرَدّ ذلك إلى حبه للعربية وما هداه الله إليه من حسن التذوق لروائع البيان.»!.[٣]..

وجدير بالذكر هنا معرفة أن هذا هو عين ما انتهى إليه الدكتور محمد عمارة في دراسته لشخصية عميد الأدب العربي والتي أصدرها في كتابه:

«طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام»!.

المعارك السياسية

ولم يقتصر الأمر على المعارك الأدبية والفكرية ولكنه كان في الناحية السياسية أكبر وأكثر فداحة،

خاصة في وقت سيطرة الفاشية العسكرية التي تقصف العقول وتُزيف الوعي بلوثة خطابها وبريق شعاراتها!.

فنرى أن عملاقا مثل الأستاذ «محمود شاكر» يكتب في منتصف الستينيات متأثرا بالدعاية الناصرية:

إن «جمال عبد الناصر» قد استطاع أن ينقذ كرامة العرب بدعوته إلى وحدتهم، ووقوفه في وجه كل إرهاب أوربي متغطرس بالغزو أحيانا، وبالحصار الاقتصاديّ أحيانًا أخرى…[٤].

ولكن تعرضه للاعتقال في نهاية أغسطس من العام ١٩٦٥م، من قِبَل نظام عبد الناصر،

كان بمثابة الصدمة التي أدت إلى الإفاقة من لوثة الناصرية وعودة الوعي للأستاذ الكبير،

وهو الوعي الذي ربما لم يرجع لغيره من المثقفين إلا عقب نكسة يونيو ١٩٦٧م -على حد تعبير الأستاذ توفيق الحكيم-

فكتب «شاكر» عن تجربة الاعتقال تلك في نهاية كتابه أباطيل وأسمار قائلا:

«أحاطت بي الأسوار، وأظلمت الدنيا، وسمعتُ، ورأيت، وفزعت وتقززت، وكان ما كان»..

ثم أنشد:

وعلمتُ، حتى ما أسائلُ واحِدًا … عن عِلمِ واحدةٍ لكى أَزدَادَها.

وتسلّيتُ عن كلِّ ما ألقى بقول شيخ المعرّة:

يسُوسون الأمورَ بغيْر عقلٍ

                                 فينفُذُ أمرُهم ويُقالُ سَاسَهْ

فأفّ من الحياةِ وأفّّ مِنّي

                                 ومن زمنٍ رئاستُهُ خسَاسَه»!..[٥]..

رأي الدين في إخوان الشياطين

وهى اللوثة التي أصابت كذلك عملاقا آخر هو الكاتب الموسوعي «أنور الجندي» أحد أهم مفكري الصحوة الإسلامية،

فشارك سنة ١٩٦٥م، مع مجموعة من أعلام الدين الإسلامي يتصدرهم شيخ الأزهر حسن مأمون، والشيخ عبد اللطيف السبكي، وآخرون، في إصدار كتاب بعنوان

«رأي الدين في إخوان الشياطين»، ضمن مشروع الدعاية الناصرية، لتبرير قتل واعتقال الجماعة،

فكان مما كتبه الأستاذ الجندي وقتها: «إن بقاء عناصر ما زالت تمثل عقلية منحرفة متخلفة عجزت عن القدرة على الحياة والحركة والتطور،

يمثل العجز النفسي عن تقدير حركة التاريخ وتطور النهضات.

وإن ما تحقق لنا حتى الآن، بعد مرور ١٣ سنة على ثورة يوليو، شيء ضخم جدير بالمحافظة عليه ومواجهة كل محاولة لهدمه بالصفوف المتراصة..

ولذلك يجب أن نلتقي دائما في المحيط الواسع الكبير الذي يجمعنا وهو «الاتحاد الاشتراكي» وعن طريقه تتلاقي أفكارنا وتمتزج، وفي ظله نعمق الوعي بكل مفاهيم الفكر العربي»!.[٦]..

وهو ما تراجع عنه الأستاذ تماما وكتب نقيضه في مطلع الألفية حين وضع كتابا ضخما مكون من ٥٥٠ صفحة بعنوان:

«حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد»، أبرز فيه الهدف من إنشاء جماعة الإخوان الإسلامية العالمية المتمثل في إحياء نظام الإسلام الاجتماعي الكامل الذي لا يقبل التجزئة،

فهو وحدة متكاملة بكل مظاهره، من حيث المثل العليا الاجتماعية أولا، ثم من حيث أوضاعه العملية التي تحل كل مشاكل الحياة السياسية والاقتصادية.[٧]..

القرار العسكري بحل جماعة الإخوان المسلمين

كما ناقش الأستاذ «أنور الجندي» بصورة موضوعية رائعة المؤامرة على الجماعة المجاهدة واغتيال مرشدها الأول ومؤسسها الإمام حسن البنا في فصل كامل بكتابه السابق،

وتحسَّر بشدة عَلَى القرار العسكري بحلها، الصادر في ٨ ديسمبر ١٩٤٨م، قائلا:

«لا يمكن أن يقول إنسان إن حل هيئة من الهيئات يستلزم اتهام كل ما يتصل بها، أو حمل اسمها بالجرم والعدوان، ومصادرته في حريته وماله وعمله ومهاجمته في كل مكان!.

ولئن جاز في عرف الأحكام العسكرية أن تحل الهيئات فما بال الشركات التي لا صلة بينها وبينها إلا مجرد الاسم، مع تمام الفصل في كل الأعمال ونواحي النشاط.

إن شركة المناجم والمحاجر وشركة الإعلانات العربية وشركة الإخوان للنسيج،

وشركة دار الإخوان للصحافة وشركة مدارس الإخوان بالإسكندرية، كلها وغيرها شركات لا صلة لها بالهيئة،

جمعت رؤوس أموالها من أفراد بصفتهم الشخصية.

وهؤلاء العشرات من الإخوان من كرام الشباب لماذا يعتقلون بغير جريرة ولا سبب،

وتمنع عنهم أدواتهم الضرورية، ويتركون فريسة للبرد والجوع ويجاورون أرباب السوابق ومعتادي الإجرام»!.

ويضيف الأستاذ الجندي في النهاية:

«لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبرى، تهيأ لها شباب هذا الجيل من أبناء الوطن، وترك في النفوس أعمق الآثار،

وسيقول التاريخ كلمته ويظهر المستقبل القريب آيته، ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة:

﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [ الرعد: ١٧]»..[٨]..

فهذه نماذج عديدة يجب دراستها جيدا حتى نستطيع الاستفادة من دروس التاريخ ونخرج من الدائرة المفرغة التي يعيدنا إليها دائما الحكم الاستبدادي،

فلا نستطيع فكاكا من الجدل حولها وآفتنا الكبرى هي الانتصار للأشخاص دون مراعاة المبادئ المستقيمة وقواعد الشرع وأصول المنطق،

وليس هذا في وقتنا المعاصر فقط ولكنه يمتد بجذوره حتى دولة الإسلام العظيمة في قرنها الأول..

وهذا ما سوف نكمله في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال بإذن الله تعالى..

هوامش المقال:

 [١] الفتاوى الشاذة، يوسف القرضاوي، صـ١٠، نقلا عن الموسوعة الفقهية، جـ٢٥، صـ٣٥٧ وما بعدها.

[٢] مقال محمود شاكر بعنوان: المتنبي ليتني ما عرفته، نشره في سبتمبر ١٩٧٨م، بمجلة الثقافة، وضمن جمهرة مقالات محمود شاكر، صـ١١١١، طبعة مكتبة الخانجي.

[٣] جمهرة مقالات محمود شاكر، مرجع سابق، صـ١١٢٣.

[٤] من مقال محمود شاكر، مجلة الرسالة عدد ٢٧ شعبان ١٣٨٤هـ، الموافق ٣١ ديسمبر عام ١٩٦٤م. ونشرت ضمن كتابه أباطيل وأسمار صـ١٢١، طبعة مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى يناير ١٩٧٢م.

[٥] أباطيل وأسمار، محمود شاكر، نهاية الكتاب صـ٤٦٧.

[٦] رأي الدين في إخوان الشياطين، مقال أنور الجندي، صـ٢٥، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، طبعة سنة ١٩٦٥م.

[٧] حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد، أنور الجندي، صـ٢٣٩، سلسلة أعلام المسلمين، طبعة دار القلم دمشق، سنة ٢٠٠٠.

[٨] حسن البنا الداعية الإمام، المصدر السابق، صـ٢٥٩، وما بعدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى