أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: أخبار تحديد النسل إيه؟!..

Latest posts by أحمد الشريف (see all)

بهذا التساؤل رد «عبد الفتاح السيسي» يوم السبت 23يناير2021، مُفْحِمًا من يطالبه بتحسين أحوال التعليم والصحة ورفع معدلات دخل المواطن لتواكب الغلاء الفاحش في الأسعار!..

وهى الحُجة التي طالما رددها كل بليد حكم مصر، جاعلا من شعبها المسئول الأول والأخير عن تردي الأحوال المعيشية، بسبب زيادة عدد المواليد التي تحجب الإنجازات العظيمة للحكومات المتعاقبة على مصر عبر تاريخها الحديث!..

وقد ذكرتني هذه الكلمة بما دار في مثل أيامنا هذه من العام ٢٠٠٥م، في معرض القاهرة الدولي للكتاب عندما وقف الرئيس المخلوع «حسني مبارك» في اللقاء الافتتاحي بحضور مجموعة من الكتاب والمثقفين يتحدث عن حمله الثقيل بسبب العدد الكبير لسكان مصر، ومعدلات الزيادة السكانية المرتفعة بشكل بالغ الخطورة يهدد مستقبل البلاد وأمنها القومي!.

وكالعادة أيّد الحضور كلام «الرئيس» الذي لا ينطق إلا بالحكمة وبعد النظر، حتى أن الكاتب «وحيد حامد» وقف يطالب بوضع قوانين تكفل لمن ينجب طفلين فقط الحصول علي صحة وتعليم وأي طفل آخر يتحمل هو التكاليف كاملة!.

لكن من سوء حظ «مبارك» وحاشيته، وجود مفكر ومثقف حقيقي يحترم مبادئه وقيم مهنة الصحافة التي يُعد أحد أبرز رجالاتها، وهو الدكتور «محمد السيد سعيد» مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، الذي انبرى لتفنيد هذا الكلام الساذج والحجة المتهافتة بشجاعة قل نظيرها وخاصة في مواجهة حاكم تميز عهده بالدولة البوليسية القمعية وقتل المواطنين تعذيبا في أقسام الشرطة ومقار أمن الدولة!.

فكان مما قال الدكتور «محمد السيد سعيد» وقتها: (إن موضوع السكان محسوم من الناحية العلمية، ففي مؤتمر السكان الأول ببوخارست اجتمع العلماء تحت مظلة الأمم المتحدة في العام ١٩٧٤م، وقالوا إن التنمية تحل مشكلة السكان، والتقدم يحل مشكلة السكان، لا طريقة غير التقدم والتنمية لحل مشكلة السكان!..

لأن السكان ومعدلات الزيادة ليست مشكلة في حد ذاتها، فمع معدلات تنمية مرتفعة يمكن إعادة التوازن بين الموارد والسكان. وهذه نظرية علمية اسمها «الانتقال السكاني» نوقشت في بوخارست وأيضا هنا في القاهرة في مؤتمر السكان ١٩٩٤م، حيث أكدت أن التنمية والتقدم هما اللذان يخفضان من معدل النمو السكاني وليس العكس!).

وأضاف الكاتب الصحفي مخاطبًا الرئيس مبارك: (حضرتك تكلمت وكأننا حققنا انجازا اقتصاديا وهذا غير صحيح بالمطلق!..

نحن من أقل دول العالم في الأداء الاقتصادي، وخلال ١٥ سنة لم نتخط أبدا نسبة ٣,٥ ٪ بينما تحقق ماليزيا ٨ ٪ والصين ١١ ٪ وكوريا من ٧ إلى ٩ ٪  وعشرات من دول أخرى تحقق أرقاما فلكية!..

ونحن لا نستطيع الانطلاق ولا كسر سقف ال ٣,٥ ٪ لعوامل كثيرة وأسباب معقدة من أهمها سحق كرامة المصريين، حيث المصري في بلده مهان!

فمن شهرين فقط (نوفمبر ٢٠٠٤م) أُلقي القبض على أعداد تراوح من ٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ مصري من أبناء العريش بعد تفجيرات المنتجعات السياحية (ذات الكثافة الإسرائيلية) في طابا!.

هؤلاء تعرضوا للصعق بالكهرباء وأطفئت السجائر في أجسادهم!.

وهذا يجعل المصري مقهورا في بلده وليس فخورا بها، وحضرتك شخصيا مسئول عن كرامة المصريين وفقا للدستور، فالمسئولية الأولى لرئيس الدولة هي كرامة المصريين)!..[١]..

ولكن الرئيس مبارك بعقليته العسكرية سخر من المفكر الكبير قائلا له: «على فكرة أنا أفهم أحسن منك»!.

وقد عوقب الرجل جرَّاء ذلك بإلغاء ندواته التي كانت مقررة ضمن فعاليات المعرض، فضلا عن حرمانه من المشاركة في دوراته التالية مع التهميش والإهمال التام حتى بعد إصابته في نهاية حياته بمرض السرطان  مما جعل الحكومة الفرنسية تتكفل بمعالجته حتى وفاته في ١٠ أكتوبر ٢٠٠٩م!..

وقد أثبتت التجارب العملية صحة نظريات العلماء وتهافت حجة الأنظمة العسكرية المستبدة في أنه لا يوجد شيء اسمه أزمة سكانية ولكن يوجد أزمة تنمية، وفشل في إدارة البلاد!..

ومن تلك التجارب التي تثبت ذلك بما لا يدع مجالا للشك، تجربة الدولة التركية التي تعتبر النموذج الأمثل لتشابه الظروف والملابسات السياسية والديموجرافية (علم دراسة السكان) لما كانت عليه مصر في بداية عهد الرئيس مبارك!..

حيث تساوى عدد السكان في البلدين حسب تعداد سنة ١٩٨٠م، ففي حين بلغ ٤٤,٤ مليون نسمة في تركيا، كان في مصر ٤٣,٣ مليون نسمة فقط!..

وفي الوقت الذي قتل فيه «السادات» وتولى «مبارك» سدة الحكم في مصر، قام الجنرال التركي «كنعان إيفرين» بقيادة انقلاب عسكري جديد في سبتمبر عام ١٩٨٠م فقام بتعليق الدستور وتم إعلان الأحكام العرفية وحظر جميع الأحزاب وحلّها، وإصدار دستور جديد عام ١٩٨٢م، وسّع من سلطات رئيس الجمهورية «العسكري» وقد اُعتُبِر هذا الدستور أكثر الدساتير في تاريخ تركيا توسيعا للنفوذ العسكري، حيث نص بإنشاء مجلسا للأمن القومي التركي وصيا على سياسة الدولة بعضوية عدد من المدنيين وأغلبية من العسكريين!.

وكانت فاتورة هذا الانقلاب باهظة جدًا ودموية، حيث كانت محصّلتها: ٦٥٠ ألف معتقل، وأحكام بالإعدام على ٥١٧ شخصا، وفصل ٣٠ ألفًا من أعمالهم، وتجريد ١٤ ألف شخص من الجنسية التركية وترحيل ٣٠ ألفًا آخرين من البلاد، فضلا عن وفاة المئات في ظروف غامضة وتحت التعذيب وحبس عشرات الصحفيين ومنع أكثر من ٩٠٠ فيلم سينمائي وصحيفة مطبوعة من العرض!.

وترسخت من جديد سيطرة الجيش على كافة مناحي الحياة السياسية في البلاد، بعد الانفراجة التي شهدتها تركيا في سبعينيات القرن الماضي، إذ تم حل البرلمان ووقف نشاط الأحزاب ومن ثم حلها وحل النقابات اليسارية واليمينية القومية، وقُبض على قادة الأحزاب السياسية وفرضت الأحكام العرفية ومنع المواطنين من مغادرة تركيا، كما تمت إقالة العمد وأعضاء المجالس المحلية في عموم البلاد، فهدف الانقلاب إلى إحداث تغير جذري في النظام السياسي وتركيز السلطات في مجلس الأمن القومي الذي سيطرت عليه المؤسسة العسكرية بقيادة الجنرال «كنعنان إيفرين»!..[٢]..

وبعد ٢٠ سنة من سيطرة العسكر في تركيا وتحديدا في فبراير ٢٠٠١م شهدت تركيا أكبر أزمة اقتصادية في تاريخها والتي وصفها الرأي العام باسم الأربعاء الأسود حيث ظلت تأثيراتها قائمة لفترة طويلة وأدت لغلق العديد من الشركات والمؤسسات مما أدى إلى تعطل عشرات الآلاف عن العمل!.

وانهارت فيها العملة حتى ارتفع سعر الدولار من ٦٨٩ إلى ١٤٠٠ ليرة للدولار الواحد، مع تضخم كبير وصلت نسبته إلى خمسين بالمائة، وزادت معدلات جرائم السرقة والنصب بصورة غير مسبوقة، وعاشت البلاد في انفلات أمني تزامن مع الانهيار الاقتصادي!.[٣]..

وقد بلغ تعداد السكان في تركيا وقتها ٦٥ مليون نسمة، في حين وصل نظيره في مصر إلى ٦٦ مليون نسمة!..

وبعد الفشل الذريع للعسكر التركي وأحزاب الأقلية في إدارة البلاد، انتخب الشعب حزب العدالة والتنمية بقيادة «رجب طيب أردوغان»، وأخذت الصورة تختلف تدريجيا بصورة بطيئة في البداية نتيجة التركة الثقيلة من الديون وفساد الحكومات السابقة، ولكن باتجاه التحسن والصعود للأمام بمعدل نمو اقتصادى ٤,٩ ٪ في الفترة من (٢٠٠٣ – ٢٠١٠م)  في حين لم يتجاوز رقم ٣,١ ٪ خلال تسعينيات القرن الماضي، مما جعل الموطن يجني حصادها في النهاية بزيادة نصيب الفرد من الدخل السنوي من ٣٥٠٠ دولار سنة ٢٠٠٢م، إلى ١٠ آلاف دولار سنة ٢٠١٠م، مع انخفاض كبير في معدلات التضخم والذي جعل لليرة التركية قيمة في سلة العملات الأجنبية بعد أن أصبح الدولار يعادل منها حوالي ٧ ليرات الآن!.. [٤]..

كما قاد حزب العدالة والتنمية خطة اقتصادية شاملة، من ضمنها أضخم عملية خصخصة، أضافت إلى الخزانة العامة ٣٤ مليار دولار حتى عام ٢٠١١م، نتيجة خصخصة المنشآت العامة غير المجدية اقتصاديّا، مما أدى لتقليص كبير في الديون العامة، حيث كان حجم الديون العامة في عام ٢٠٠٢م يمثل نسبة ٦٢ ٪ من الدخل القومي، فتراجعت هذه النسبة إلى ٢٨,٧ ٪  خلال عهد إدارة حزب العدالة والتنمية وقد حدث هذا لأول مرة في تاريخ الخزانة التركية!.[٥]..

والمفارقة المؤلمة هنا أن حكومة الحزب الوطني في نفس الفترة تقريبا قامت بأكبر عملية  خصخصة لمصانع ومؤسسات ناجحة وإستراتيجية كصناعة الأسمنت مثل مصنع أسمنت أسيوط وأسمنت حلوان، وبنوك قومية مثل بنك إسكندرية، وشركات كبرى مثل عمر أفندي والمراجل البخارية، ومع ذلك تشير البيانات إلى أن الديون الداخلية لمصر قفزت من مستوى ١٥,٨ مليار دولار توازي ٢٧٣ مليار جنيه خلال العام ٢٠٠١م، إلى نحو ٤٣,٧ مليار دولار تساوي ٧٥١,٥ مليار جنيه في نهاية العام ٢٠٠٩م!. [٦]..

وفي النهاية مع زيادة التدني لمستوى الشعب المصري اقتصاديا وسياسيا، وما انعكس عليه في النواحي التعليمية والاجتماعية والثقافية زادت معدلات الزيادة السكانية حتى بلغ ٨٢ مليون في العام ٢٠١١م، في حين كان نظيره التركي ٧٤ مليون فقط في نفس السنة، ويزداد الفارق في التعداد مع مرور الوقت لزيادة الفشل في الإدارة هنا والنجاح هناك حتى وصل إلى تشجيع رئيس الدولة التركية الشعب على الإنجاب لتراجع معدل النمو السكاني والذي وصل بعدد السكان، الذين يعتبرهم ثروة قومية، إلى ٨٥ مليون حسب تعداد ٢٠٢٠م، في حين يقرّع الرئيسُ المصري الشعبَ في كل مناسبة بسبب العدد الذي كسر حاجز المائة مليون نسمة!..

هوامش المقال:

[١] نشر د. محمد السيد سعيد الحوار بأكمله في جريدته البديل، ثم أعيد نشره بعد وفاته، في جريدة الأهرام بتاريخ ٢٥ يوليو ٢٠١٢م.

[٢] دراسة بعنوان: تركيا المتحولة من أتاتورك إلى أردوغان، ص٢٦، إعداد مصطفى محمد صلاح، باحث ماجستير في العلوم السياسية، المركز الديمقراطي العربي..

[٣] كتاب رجب طيب أردوغان.. قصة زعيم، حسين بسلي وعمر أوزباي، ص٣٥٥، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط.أولى سنة ٢٠١١م..

وفساد دولة مبارك في مصر بلغ تعداد السكان ..

[٤] كتاب تركيا في عهد رجب طيب أردوغان، ص٥٤، سمير سبيتان، طبعة الجنادرية ٢٠١٢م..

[٥] دراسة بعنوان: تركيا المتحولة من أتاتورك إلى أردوغان، ص٤٤، إعداد مصطفى محمد صلاح، باحث ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي..

[٦] تقرير بعنوان الديون الخارجية والداخلية لمصر.. من ١٨٧٦ حتى ٢٠١٨م.. جريدة الاندبندنت النسخة العربية، عدد ١٠ مايو ٢٠١٩م..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى