أقلام حرة

أحمد الشريف يكتب: أبو التاريخ وصك الغفران!.

أبو التاريخ وصك الغفران!.

عندما جاء الصليبيون في حملتهم الأولى وذبحوا المسلمين في بلاد الشام واحتلوا بيت المقدس في يوليو ١٠٩٩م، كان العالم العربي والإسلامي في أضعف حالاته من الانقسام بين الخلافة الفاطمية في مصر والعباسية في بغداد وما تبعه من صراع بين السنة والشيعة وعلو شأن المذاهب الصوفية والجماعات الباطنية، حيث سادت الخرافات وانتشر الجهل وفسدت العقيدة وغُيّبَ الوعي!.

وكانت أولى خطوات الإصلاح مع المدرسة الغزالية ومؤسسها حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والذي ركّز جهوده لتحقيق هدفين اثنين.

الأول: إخراج جيل جديد من العلماء والقادة العاملين الذين تتوحد أفكارهم بدل أن تتنابذ، وتتكامل جهودهم بدل أن تتصارع، وتخلص غايتهم لله وبما يتفق مع الرسالة الإسلامية.

والهدف الثاني: هو التركيز على الأمراض الرئيسة التي تنخر في الأمة من الداخل حتى تصح الأمة وتشفي  من خرافاتها لكي تستطيع بعد ذلك التصدي والمواجهة للخطر الخارجي.

فكان الغزالي يعالج قابلية الهزيمة “بدل التباكي” على “مظاهر الهزيمة”، تماما كما دعا المفكر مالك بن نبي في زماننا إلى البحث في “القابلية للاِستعمار” ومحاربتها بدل توجيه اللوم إلى الاستعمار!.

وخلال هذا لم يتردد حجة الإسلام الغزالي من أن يهوي بمعوله على ما كان دخيلا، وأن يجتهد في اجتثاثه وتنقية الفكر الإسلامي منه، ولو كانت منزلته في أرقى محافل المثقفين ودور العلم!.

ظهور جيل نور الدين وصلاح الدين

فكان من ثمار ذلك ظهور جيل نور الدين وصلاح الدين!.[١]..

كانت هذه الخطة المباركة هى النموذج القدوة التي اقتديت بها عندما تصديت للكتابة عن المنهج الفكري والتأريخي للدكتور محمد الجوادي، الذي كانت كتاباته معول هدم في ضمير الأمة وعقبة كبيرة في طريق تصحيح الوعي!..

فأتيتُ بكتب الرجل ومقالاته وبيّنت بالبراهين والوثائق ما فيها من عوار وما شابها من تدليس وقلب لحقائق الأحداث!.[٢].

فكانت المفاجأة عدم مناقشة ما جاء في المقال من وقائع، واقتصر ما دفع به الناس عن الرجل على أنه من الصف الثوري وله موقف محمود من الاِنقلاب (وهو كذلك لا ريب)، فكان هذا أخطر ما في الأمر وبيت الداء القاتل الذي يجب التنبه له بكل يقظة وحذر!.

وذلك لأن الأفكار الباطلة والمنحرفة إذا جاءت من الخصوم، كان من السهل رفضها دون نقاش بسبب مصدرها المجروح، حتى أننا نتوجس ونرفض في كثير من الأحيان أخذ الحكمة إذا جاءت من أهل الباطل. وعلى النقيض يكون الاِنخداع بقول الباطل أكثر يسرا إذا جاء من الثقات وأهل الحق ومن يقفون معنا في نفس الصف، وهذا ما وقع فيه أكثر الناس فطنة ودراية ثقافية، فما بالنا بالعامة الذين لا يقرأون من الأساس!..

فقد انخدع في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي الشيخ محمد الغزالي بالصورة التي صورها ثقات من أهل الصف الإسلامي مثل الأستاذ الموسوعي أنور الجندي، عن الدكتور محمد عمارة، فوضعه الغزالي في صف اليساريين والماركسيين وذلك دون الإطلاع على منتجه الفكري الإسلامي المتميز!.

وظل الشيخ الغزالي على رأيه حتى عُرِضت بعض مقالات د/ عمارة عليه، ففوجئ بمحتواها، وبأنها تخالف ما نُقل له عن المفكر الكبير.. ولم تمض أيام حتى أرسل الغزالي الأواب إلى الحق رسالة تفيض رقة وتقديرًا للدكتور عمارة.. يعتذر فيها بوضوح، وينصف الرجل ويخلع عليه أوصافًا جليلة، قائلا في صدرها: «إن القليل الذي قرأته لك ردني إلى الصواب في أمرك وجعلني أندم على تعجلي في عدّك من كتاب اليسار الإسلامي!.[٣]..

وهذا التشوه الذي أصاب درنه الدكتور عمارة هو أقل بكثير مما تعرض له الدكتور العلامة محمد سليم العوّا، والمفكر الإسلامي فهمي هويدي على يد الدكتور الجوادي ومن حَذا حَذْوَهُ، ومثال ذلك ما غرّد به الجوادي في تاريخ  ١٠ أغسطس ٢٠١٦م قائلا:

«حتى هذه اللحظة أتمنى أن يتوب العوّا إلى الله ويكفّر عن تورطه مع الانقلاب، ويقف مع الإسلام والحق والحرية بدلا من وقوفه المخزي»!..

وأنا في المقابل أتمنى من الله أن يتوب الجوادي من هذا الكلام الباطل، وقد أفردت مقالا منفصلا لتفنيد تلك الافتراءات وغيرها مما طال العوّا تحت عنوان: #اعْدِلُوا_هُوَ_أَقْرَبُ_لِلتَّقْوَىٰ !..[٤]..

وكذلك لما كان من نصيب الأستاذ فهمي هويدي الذي شن عليه الجوادي حملة كبيرة اتهمه فيها بالنفاق وصناعة وتأييد الانقلاب وأنه كان ولا يزال من جنود الشيطان!.[٥]..

في حين أن كتابات الأستاذ هويدي المحفوظة في أرشيف جريدة الشروق تثبت العكس تماما في هذا الشأن، وعلى سبيل المثال؛ كتب الأستاذ بتاريخ الأربعاء ١٠ يوليو ٢٠١٣م:  «حين بحثت عن تعريف يلخص ما نحن بصدده لم أجد سوي مصطلح الفاشية الجديدة التي أتعس ما فيها ليس فقط وقوعها ولكن تهليل البعض لها وحفاوتهم بها وا أسفاه»!.

كما أبرز هويدي في ١٦ يوليو ٢٠١٣م، في مقاله الأسبوعي، فرحة العدو الصهيوني بالانقلاب، فذكر أخطر ما قاله المفكر الإسرائيلي بوعاز بسموت وعبارته الشهيرة التي مثلت وجهة النظر الصهيونية: «إن إسقاط د. مرسي يمثل نهاية الربيع العربي، وذلك تحولًا استراتيجيّا يفوق في أهميته هزيمة مصر ونكستها في يونيو ١٩٦٧م»!.[٦]..

وإذا كان هذا هو قدر التشوه الذي هدم البعض من رموز الفكر والثقافة الإسلامية نتيجة آرائه الشخصية المجحفة، فإن ما كتبه عن الأحداث التاريخية كان أكثر فداحة وأشد خطرًا على وعي قرائه ومتابعيه!..

فكيف لنا أن نقنع شباب الأمة الذين ولدوا في مطلع الألفية الجديدة أن إسـرائيل هى العدو الأول للأمة كلها وليس للفلسطينيين فقط، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن سلم المؤمنين واحدةٌ، لا يُسالِم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواءٍ وعدل بينهم﴾.[٧]..

👈وهذا النص يقتضي عدم جواز إبرام صلح منفرد مع أعداء الأمة الإسلامية، وهو الحكم الموجه بالأساس إلى حكام المسلمين، إذ هم الذين يتولون عقد المعاهدات في أثناء الحروب وبعدها، فلا يجوز لحاكم الانفراد بإبرام صلح مع أعداء الأمة المحاربين لها!..[٨]..

في حين أن الدكتور الجوادي يكتب في الذكرى الـ٤٥ لنصر أكتوبر: «اتفاقية كامب ديفيد انتصار لا يقل شأنا عن انتصار اكتوبر»!.

ويؤكد هذا الكلام في الذكرى الـ٣٩ لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية بقوله: «الحاكم العربي الوحيد الذي أنصف فلسطين في النصف الثاني من القرن العشرين هو أنور السادات فقط، وإن تفاوضات واتفاقات السادات كانت تضمن للفلسطينيين دولة عاصمتها القدس»!..[٩]..

وهو ما يناقض تماما ما حدث بالفعل وما شهد به وزير خارجية السادات ورفيق دربه “محمد إبراهيم كامل”، الذي كان يتولى رئاسة الوفد المصري طوال مباحثات كامب ديفيد بأمريكا من ٥ سبتمبر إلي ١٦ سبتمبر ١٩٧٨م، حيث قدم استقالته قبل توقيع بروتوكولات كامب ديفيد بيوم واحد، معلنا أن كم التنازلات التي قدمها السادات فاقت الخيال وأن “أسامة الباز” كافح في معركة الصياغة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولكن ما كان يجدي ذلك في مواجهة تكاتف ثلاثة رؤساء في جبهة واحدة هم الرئيس الأمريكي كارتر ورئيس الوزراء الإسـرائيلي بيجن والرئيس المصري أنور السادات، ضد الوفد المصري، ولذلك أعلن استقالته وقال إن #التاريخ_لن_يرحمنا إذا وافقنا السادات على ما قدّمه لإسـرائيل!.

وقد فصّل كل هذا وأكثر منه في كتابه المُهِمّ “السلام الضائع في كامب ديفيد” في فصل بعنوان مذبحة التنازلات!.

وقد حذر أيضا محمد إبراهيم كامل من خطورة المعاهدة وضررها قائلا: «إن تلك الاتفاقيات ستؤدي إلى عزلة مصر وستسمح للدولة الصهيونية بحرية مطلقة في ممارسة سياسة القتل والإرهاب في المنطقة»!.[١٠]..

وجدير بالذكر هنا معرفة أن دولة الكيان الصهيوني قد شاركت الدكتور الجوادي في هذا الرأي القائل بأن الاتفاقية نصر عظيم–مع الاختلاف في هوية المنتصر–  وذلك عندما وضع الصهاينة الاتفاقية بكافة وثائقها أمام مراكز الأبحاث والدراسات الإسـرائيلية، بمناسبة مرور ٣٠ سنة على توقيعها، من أجل معرفة مدى الضرر أو النفع المترتب عليها وما هى نتائجها على مستقبل إسـرائيل والمنطقة!.

وكانت خلاصة الدراسة أن أعظم إنجازات الدولة منذ قيامها سنة ١٩٤٨م، هو هذه الاِتفاقية لدرجة أنهم قالوا عن السادات أنه: صاحب الميلاد الثاني للدولة العبرية !.

ومن ثَمّ أطلقت الحكومة الإسـرائيلية اسم الرئيس السادات على أكبر ميادين مدينة حيفا في العام ٢٠٠٩م، اعترافا بفضله عليها، في احتفالية كبيرة حضرها السفير المصري آنذاك!..[١١]..

ثم كيف لنا أن نقول للشباب الطاهر الذي قام بثورة ٢٥ يناير أنهم كانوا على حق وجهاد ضد الحكم الاستبدادي والقمعي، في حين يقول الدكتور الجوادي في كتابه النخبة المصرية الحاكمة، أن مبارك ووزراءه هم أفضل من حكموا مصر في كل تاريخها وأنه الرئيس الذي حظى بإجماع غير مسبوق تاريخيًّا!.[١٢]..

وحتي عند الحديث عن “جمال عبد الناصر” الذي يهاجمه الجوادي في كل مناسبة الآن، لا نجد إلا التناقض المثير للدهشة عندما نطالع كتابه “دهاليز الناصرية”، الذي يقول الجوادي في تعليقه على مذكرات “الصاوي حبيب” طبيب عبد الناصر: «وعلى كل الأحوال فإن الاعتزاز بعبد الناصر خلق جميل، وكذلك فإن الاعتزاز بالعمل إلى جواره خلق جميل أيضًا، واختصار الحياة في السنوات التي عاشها الإنسان بالقرب منه شيء جميل أيضا، وربما كان هذا كله أجمل من هذه المذكرات التي لا تخلو من جمال»![١٣]..

والآن بعد كل هذا الذي رأيناه في جعبة المؤرخ الكبير وهو غيض من فيض، هل يمكن أن نتغاضي عنه ونغفر له، تقديرا لموقفه من الاِنقلاب العسكري الذي صار صكا للغفران لا يدانيه إلا ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل الصحابة المجاهدين:  «لعل الله اطلع على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»!..

وهل كثير علينا أن نطالبه بمراجعة كتاباته المُزَيِّفة للوعي ونسأله عدم الطعن في مفكري الأمة المخلصين بغير حق، رحمة بمتابعيه وإحقاقا للحق والحقيقة..

وهل لنا أن نطالب متابعيه بالتحقق والتدقيق في كل ما يكتب أو ينشر لأن حتى عناوينه الموجودة على موقعه الرسمي تدل على عكس مضامينه!.

ومثال ذلك الفيديو الذي نشره تحت عنوان برّاق يدل على فطنة وفراسة هو: «تحذير الدكتور الجوادي من الانقلاب قبل وقوعه»!.

ولكن مضمونه يعاكس تماما حقيقة ما دار في الحوار حيث سأله المذيع الأستاذ نور عبد الحافظ في ختامه: كيف ترى الدعوى إلى مظاهرات ٣٠ يونيو، هل ستكون واحدة من ٢٤ مظاهرة مليونية سابقة فاشلة أم ماذا؟!.

فرد الدكتور الجوادي بثقته المعهودة:  ٣٠ يونيو هو اليوم الذي ستنتصر فيه الديمقراطية إلى الأبد!.

وعقب نور عبد الحافظ قائلا: هذه رؤية التاريخ!.

هوامش المقال:

[١] هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، د/ ماجد عرسان الكيلاني، من ص١٠٤ : ص١٠٩، دار القلم، ط.الثالثة ٢٠٠٢م.

[٢] يرجى مراجعة مقال متى يراجع أبو التاريخ تاريخه؟

[٣] الشيخ الغزالي.. الموقع الفكري والمعارك الفكرية، د/ محمد عمارة، ص ١٤٣، طبعة دار السلام ٢٠٠٩م..

[٤] مقال رد الافتراءات عن الدكتور العوا، #اعْدِلُوا_هُوَ_أَقْرَبُ_لِلتَّقْوَىٰ!.

[٥] تغريدة بتاريخ ٨ مارس ٢٠١٧م، وغيرها الكثير والمثبت على موقعه الرسمية الأرشيفي “أبو التاريخ

[٦] الموقف الكامل للأستاذ فهمي هويدي من أحداث الانقلاب.

[٧] مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، ص٦٠، ط.السادسة، دار النفائس، بيروت ١٩٨٧م

[٨] في النظام السياسي للدولة الإسلامية، د. محمد سليم العوا، ص٥٨، دار الشروق، ط.الثامنة سنة ٢٠٠٦م..

[٩] صور تغريدات الجوادي

[١٠] السلام الضائع؛ مذكرات محمد إبراهيم كامل ص٥٨٦ وما بعدها.

[١١] لتفاصيل الرد على موضوع حرص السادات على المصالح الفلسطينية راجع مقال: السادات والحق الفلسطيني أكاذيب ووقائع.

[١٢] لتفاصيل ما كتب في كتابه الكارثي النخبة المصرية الحاكمة، يرجى مراجعة المقال السابق: متى يُراجع أبو التاريخ تاريخه، الرابط في التعليق الأول.. كما يثبت المقال أيضا بالمراجع الأغاليط الفادحة التي كتبها الرجل عن الفترة الملكية ..

[١٣] دهاليز الناصرية، الجوادي، ص١٥١، طبعة دار الكلمة، ٢٠١٤م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى