الأمة الثقافية

أثر القراءات في إثراء معاني الآيات القرآنية

 

اهتمت دراسات عديدة بتعدد القراءات في القرآن وأثرها في اختلاف الأحكام الفقهية، ويمكن الرجوع إلى تلك الدراسات التي طبع بعضها كرسالة الباحث الدوسري على سبيل المثال.

ما نود الوقوف عنده هنا في هذا الموضوع ايضاح أهمية القراءات في بروز أكثر من معنى للكلمة القرآنية، مما يثري العطاء التفسيري للنص القرآني على وجه العموم.

 

إن القارئ أو المستمع للقراءات لا يدرك نكهتها ولا يتلذذ بمفرداتها دون إدراك ما تعطيه تلك المفردات من ثراء متعدد للمعاني يجعل القارئ أو المستمع المدرك لها يعيش أجواء روحانية وعلمية، فضلاً عن الأفق الواسع والنظر البعيد الذي يمتد بعمق تلك المعاني المستفادة من استغلال طاقات النص القرآني كما ينبغي ويجب.

 

لم أكن أدرك حقيقة قيمة ما كنت أقرأه من القراءات من خلال الاطلاع على رواياتها في أمهات الكتب، إلا بعد الرجوع إلى كتب تعليل القراءات وكشف معضلاتها وتبيين معانيها وما يترتب على هذا الخلاف أو تلك القراءة من معاني متجددة تحمل بين ثناياها عطاء لا ينضب ومعينا لا ينفد؛ لأنها تتعلق وتلتصق بمفردات القرآن الذي لا ينفد عطاؤه ولا تنقضي عجائبه على مر الزمن.

 

ربما لا تكون الكلمات هذه تفي بما يستحقه هذا الموضوع إلا أن ما سنقف عنده من بيان لهذه الآثار يكون جديرا بالاعتبار والتأمل والنظر السديد، وجزء لا يتجزأ من الفهم والتدبر لكتاب الله عز وجل الذي نتعبد الله تعالى بتلاوته، والتأمل بمعانيه كما قال سبحانه ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) سورة ص: 29.

مهما تعددت الكلمات وتنوعت وكثرت الأسطر بوصف هذه المعاني تبقى أمرا معقولا تحتاج إلى ما ينقلها إلى أمر محسوس يتذوقه القارئ أو المستمع، ولهذا سنقف عند بعض محطات هذه المعاني التي أشار إليها العلماء في مصنفاتهم.

 

ففي قوله تعالى (وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ )
(آل عمران: 79)، قرأ الكوفيون وابن عامر (تعلمون) بضم التاء وكسر اللام مشددا من التعليم، وقرأ الباقون بفتح التاء واللام بدون تشديد اللام من العلم.

 

وحجة من شدد أراد بيان أن التعليم هو من العلم، لأن كل معلم عالم بما يعلم، وليس كل عالم بشيء معلما، فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف يدل على العلم فقط، وحجة من خفف أنه حمله على ما بعده من قوله: (تدرسون) مخففا ولم يقل تدرّسون، فكل من درس عَلِم، وليس كل من درَس علّم، والخلاصة أن القراءة الأولى بالتشديد أعم وأشمل؛ لأنها تدل على العلم والتعليم وفيها ندب إليهما، لأنها جاءت في مقام المدح، وهذه المعاني لا تتضح لنا إلا من خلال القراءتين المتواترتين.

وفي قوله تعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )  (آل عمران: 140)،
قرأ حمزة وأبو بكر والكسائي بضم القاف (قُرح) على أنها ألم الجراحات، وقرأ الباقون بالفتح على أنها الجراحات بعينها.
وفي قوله تعالى (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) (الحجر: 15)،

قرأ ابن كثير (سكرت) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد وفيه معنى التكثير والتكرار، وقيل أيضاً: سكرت بالتشديد بمعنى “سدت”، وبالتخفيف بمعنى “سحرت”،

ينظر: الكشف عن وجوه القراءات: 2/30، الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: 2/471. وفي قوله تعالى (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) ( المؤمنون: 67)، قرأ نافع (تُهجِرون) بضم التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بفتح التاء وضم الجيم.

وحجة من ضم الجيم أنه جعله من الهُجر، وهو الهذيان وما لا خير فيه من الكلام، ومن فتح التاء جعله من الهجر أي الترك بمعنى تهجرون آيات الله فلا تؤمنون بها.

 

والمتتبع لمثل هذه المعاني سيجد الكثير منها في الكتب التي اهتمت بالكشف عن وجوه القراءات وما يترتب عليها من ثراء المعاني القرآنية.

————————————-

 د. عبد المنعم جمعة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى