آراءبحوث ودراسات

أبو يعرب المرزوقي يكتب: عبيد الملالي.. ميليشيات القلم والسيف العربية أُسْقِطَ في أيديهم

كما توقعت بدأت مليشيات القلم العربية التي تطبل لإيران تعاني من الإسهال ولا شك أن نخب السيف منهم أكثر شعورا بهذه الحال. ذلك أنها ستفقد الكر ولا يبقى لها المفر. فأين المفر. وكما توقعت فإن أنظمة الثورة المضادة في حال أسوأ منهما. لن يتأخر التحالف بين ملالي الشيعة وطراطير العرب.

الربيع العربي عائد من جديد لكنه هذه المرة بهوية مرجعية وسياسية بيّنة: فكل الذين كانوا يزعمون قيادته وريادته فضحتهم لحظة الردة التي بدأت في سوريا ومصر واليمن وليبيا وحتى في تونس وكانت إما راستوراسيون (تونس ومصر) أو تعثر مستمر (سوريا وليبيا) أو خلط أوراق (اليمن والخليج). والأمر سينجلي.

لن يحدث فراغ؛ فإيران لم تكن تسد أي فراغ بدليل أنها هزمت وركضت لطلب مساعدة بوتين منذ أكثر من ثلاثة سنوات، هزيمة إيران لم تنتظر أحداث الساعة: بل إن هذه الأحداث كما توقعت كان ينبغي أن تحدث لأن صمود شباب العرب بجنسيه في سوريا وليبيا وحتى في تونس فرض اللجوء إلى حماية روسيا وأمريكا.

 وإذا كانت الثورة المضادة العربية قد لجأت إلى إسرائيل وخاصة مؤخرا فإن إيران وحزب الله وحتى بوتين لجأوا إلى حمايتها وأعطوها كل ما تريد لتسكت الرأي العام الدولي والغربي حتى لا ينهزموا بصورة حاسمة: وكنت أعجب من صيحات النصر قبل ما يجري الآن في إيران في وضع لا أرى فيه إلا الهزيمة.

 كان واضحا أن من يصفون أنفسهم بالممانعة يضحكون على أنفسهم: كل مليشيات إيران من كل شيعة العالم ومن كل قوادة القوميين واليساريين والقبائل التي عارضت الثورة والعساكر التي انقلبت وسكوت الغرب كل هؤلاء اضطروا لطلب المساعدة الروسية والإسرائيلية حتى لا ينهاروا أمام ثورة الشباب.

 وكان صمود الشباب القادح الذي جعل شباب إيران الآن هو بدوره يلحق بالربيع العربي فأسقط في أيدي مليشيات القلم العربية-وكم يضحكني ما أسمعه من بعضهم في تونس من تحليلات عمقها بقي فوق السطح-التي كانت تتفلسف عن نصر المقاومة متناسين الثمن: وها هو بدا يحصل والآتي أسوأ.

 ويعلم الجميع أني لست ممن يسارعون في الحكم: فأيا كانت نتيجة ما يجري في إيران فالحصيلة هي الجزر بعد مد وهمي احتاجت فيه إيران ومليشياته العربية إلى أكاذيب لا يصدقها عاقل: يحاربون أهل العراق والشام بحماية الطيران الامريكي والروسي ويزعمون الممانعة والمقاومة وتحرير القدس وفلسطين.

 وهنا سأسمح لنفسي بالقول لأصدقائي من قادة فلسطين: لا يمكنك أن تدعي أنك تحالف الملالي من أجل وطنك ثم تلوم العرب الآخرين في حلفهم حتى مع الشيطان للتصدي لمن يهدد أوطانهم بنفس المنطق الذي يجعله يفاخر بأنه احتل أربع عواصم عربية. إسرائيل عدو لا شك في ذلك لكن إيران أعدى ألف مرة.

 ولا أقول ذلك تحكما أو خوفا من إيران أو كراهة في الفرس فمنهم من كان أكثر مني حبا وعملا من أجل الإسلام (كالغزالي وابن سينا وما أكثرهم مثلهم مثل الكرد والأمازيغ وغيرهم من الشعوب التي أخلصت للإسلام) بل لأني اميز بين نوعين من الاحتلال قابل للرجع وغير قابل للرجع.

 الصليبيون احتلوا القدس أكثر من قرن وتم إخراجهم. الفرنسيون احتلوا الجزائر أكثر من قرن وتم إخراجهم. وذلك لأن احتلال الأرض قابل للرجع. لكن احتلال الارواح بالتبشير الشيعي أو المسيحي يعسر فيه الرجع خاصة إذا صحبه احتلال الارض. وتلك خطة إيران في العراق والشام واليمن إلخ…

 بل أكثر من ذلك فإيران نفسها قبل القرن السادس عشر كانت سنية. لماذا صارت شيعية وحليفة لأعداء الإسلام وتتبنى إيديولوجية الباطنية فتلعن الصحابة وتعتبر الدولة الأموية التي لولاها لما وجدت دار الإسلام العدو الأول في كل خطابها الحاقد على كل من خدم الإسلام بصدق من كل الأقوام وخاصة العرب؟

 وليس في هذا الموقف أدنى روح طائفية: ذلك أن من يميز بين نوعي الاحتلال هو الذي يرفض الطائفية ولا يتكلم باسمها. إسرائيل طائفية لكنها لم تدع أنها إسلامية فتنطلي حيلها على العامة-وكل المحللين العرب من مليشيات إيران عامة وإلا لما صدقوا أن إيران تنوي تحرير فلسطين باحتلال الهلال.

 إيران ومليشياتها من كل شيعة العالم وخاصة من العرب هزموا منذ ثلاثة سنين أي منذ لجوئهم لمساعدة بوتين والحلف الدولي الذي لم يكن يحارب داعش -لأنها صنيعته-بل يحارب مراكز الحضارة السنية في الهلال حتى يزيل أعلام الوجود الحضاري والتاريخي: أهم عواصم السنة هدمت ومساجدها في الهلال كله.

 ولم يكفهم المعالم بل بدأوا في التصفية الديموغرافية والعرقية والمذهبية بطريقة هوجاء لم تصل إليها إسرائيل التي لم تستطع تهويد فلسطين رغم مساعدة الغرب لها منذ وعد بلفور لكنهم هم بمساعدة القوتين الاكبرين في العالم هدموا المدن وهجروا السكان حتى يحتلوا الأرض لعجزهم على احتلال الروح.

 صمود الأمة في الهلال ودور تركيا وقطر اللتين يعاب عليهما ما ينبغي ان يفخرا به -الاخونة- هو الذي هزمهم شر هزيمة وما يحدث الأن ليس إلا بفضل هذا الصمود المعجز حقا: ما يجري في إيران صحيح أن له أسبابا اقتصادية. لكن الأسباب الاقتصادية وحدها لا تكفي ففي مصر والسعودية ما هو أدهى.

 صناديق حرسهم العائدة من الهلال واضطرارهم التنازل عن كبريائهم في مطالبة المساعدة من بوتين وعمل الحرس تحت الطيران الامريكي والقبول بشروط إسرائيل في الشام كل ذلك كان السم الثاني الذي تجرعته الكبرياء الإيرانية فاجتمع الاقتصادي والسياسي وخاصة الهزيمة أما شعب بطل: سوريا العظمى.

 عدنا إلى بداية التاريخ: تصوروا أنهم بالفتنة الكبرى واستتباع حزب علي وقبائل المناذرة سيهزمون ثورة الإسلام الكبرى فكان لهم معاوية داهية العرب بالمرصاد فهزمهم شر هزيمة ومنذئذ كلما تحرشوا بالإسلام كان مآلهم الهزيمة: وما نقمتهم على صلاح الدين إلا لقضائه على دولتهم الأولى.

 ستستأنف الثورة بهوية واضحة وقيادة ليست بنت اليوم: عودة الجيل الذي بدأ التحرير والذي عرفته في المحاولة السابقة حول دور النخب: الإسلام السياسي الذي في اسمه بليون اسم بمعنى أن إضافة السياسي نافلة: الإسلام من بدايته مشروع تحرير روحي يتحقق بمشروع تحرير سياسي تربية وحكما.

 كذلك بدأت حركة النهضة منذ أن كتب ابن خلدون في فلسفة العمل والشرع وابن تيمية في فلسفة النظر والعقد لاستئناف العمل المحقق لشروط السيادة والعزة: إرادة الامة وعلمها وقدرتها وحياتها ورؤيتها للوجود هي التي ستعيد للجغرافيا وحدتها شرط القوة المادية وللتاريخ وحدته شرط القوة الروحية.

 مشروع الاستئناف هو مشروع النشأة الاولى: بناء القوة الروحية والسياسية للامة حتى تكون القطب المعدل لأوضاع الإنسانية وذلك هو معنى الشهاد على العالمين. وما أحوج الإنسانية لعودة الإسلام والمسلمين لدورهم التاريخي الكوني. والأعداء على علم بذلك لذلك هم يركزون على منع الاستئناف.

 من لم يفهم أن وظيفة الخمينية لا تختلف عن وظيفة “الابنلادنية” في معركة القطبين لا يمكن أن يفهم ما يجري حاليا: كلا الدورين لم يعد الغرب بحاجة إليهما لظنه أنهما قاما بالدور المطلوب ليس ضد السوفيات فحسب بل وكذلك ضد ما بدا يلوح بديلا من الاشتراكية: استئناف المسلمين دورهم التاريخي.

 كونهما الغرب ومولهما فمكن للخمينية من إيقاف مركسة شباب إيران كما أوقفت البنلادنية مركسة افغانستان والثانية أسهمت إلى حد كبير مع مسيحية أوروبا الشرقية في القضاء على السوفيات. وتوهم الغرب أن الإسلام مثل الماركسية مجرد إيديولوجيا يمكن القضاء عليها بنفس الطريقة وإن بأسلوب أخبث.

 الأسلوب الأخبث تمثل في أمرين: احياء الحرب الأهلية التي بدأت مع الفتنة الكبرى واستمرت طويلا بين السنة والشيعة ثم تشويه الإسلام عن طريق أمراء الحرب الذين كانت ذروتهم داعش. لكن الله شاء أن تصحل ثورة الشباب فأفسدت الخطتين كلتيهما: لأن أبطال النشأة الاولى استعادوا دورهم للاستئناف.

 وكان الخطأ القاتل لكلتا الأداتين الخمينية والابنلادنية أنهما تصورا التاريخ يتكرر دون اعتبار للأفق الذي تجري فيه أحداثه أعني ما تغير في خارطة العالم الجغرافية وفي نسيج العالم التاريخي وخاصة في حيوية الإسلام بفضل حريتيه الروحية والسياسية المحررتين له من الفتنتين الكبرى والصغرى.

 كانت الفتنة الكبرى محاولة لمحو ثورتيه أي الحرية الروحية باستعادة الوساطة والسياسية باستعادة الوصاية عودة إلى الكنسية والحكم بالحق الإلهي في النظامين المتقدمين على الإسلام أي في الكسروية الفارسية والقيصرية الرومية. ومثلها الفتنة الصغرى نقيضا لهما تريد العلمنة اليعقوبية ودين العجل.

 وليس بالصدفة أن كانت نخب التحديث المستلب عند العرب في الأنظمة العسكرية خاصة قائلا بالعلمنة اليعقوبية التي هي الوجه الثاني من الكاثوليكية الفرنسية داخليا وأن كانت نخب التأصيل المستلب عند العرب في الأنظمة القبلية خاصة قائلة بدين العجل الذهبي. ويشتركان في خواره.

 وقد جمع خوار العجل النخبتين العربيتين الحاكمتين التي تقول باليعقوبية والتي تقول بالعجل فأصبحا ذراعي الثورة المضادة وتحالف الجميع مع بقايا الخمينية والابنلادنية لمنع الأمة من تحقيق شروط الاستئناف أي استعادة الحريتين الروحية للفرد والسياسية للجماعة التي يتمتع أفرادها بالروحية.

 وكنت دائما أعجب ممن يعجب من الحلف بين ممولي الثورة المضادة من أنظمة القبائل ومن يدعون الانتساب إلى الفكر اليساري والقومي عند نخب الأنظمة العسكرية التي انقلبت على الثورة بحيث إن هؤلاء يمثلون الذراع أولئك التمويل (الرز) للقضاء على ثورة الشباب بجنسية ومعهم إيران ومليشياتها.

 فذلك كان عندي من طبيعة الاشياء: ثم إن داعش ومشتقات الابنلادنية هي التي عطلت نجاح شباب الثورة وهي التي أمدت النظام ومليشيات إيران بالقدرة على الصمود المؤقت حتى نجح الشباب في التصدي لهم وأفشالهم ما اضطرهم إلى طلب النجدة من بوتين. فباعترافه تدخله أنقض النظام أسبوعا قبل سقوطه المتوقع.

 والآن حصحص الحق: لم يعد بوسع إيران ومليشياتها مواصلة التدخل في الهلال عراقه وشامه لأن بوتين نفسه لم يعد قادرا على مواصلة دعمهم ولأن شباب الثورة بدا يفهم الاستراتيجية المؤثرة: لا توجد ثورة تنجح إذا حاربت بالشكل التقليدي وبقيت مفتتة بلا استراتيجية ويحكمها أمراء حرب.

 وقد أكون أسهمت بعض الشيء في بيان هذه الحقيقة للكثير من أبطال الثورة كما أن الحقيقة الثانية هي أن الثورة المضادة سبقت الثورة إلى توحيد ساحة المعركة في كل الوطن في حين أن بعض الحركات الإسلامية طمعا في الكراسي بدأت تتفصى من وحدة الحركة الام التي تتهم بالإسلام السياسي.

 وأنا شخصيا لا أفهم هذا البليوناسم: الإسلام بالجوهر سياسي. هو دين له مشروع دولة كونية هدفها توحيد الإنسانية وليس العرب أو المسلمين الحاليين فحسب. يكفي قراءة النساء 1 والحجرات 13 وما يقوله الرسول عن الارض كلها مسجدا للمسلمين وعن القبلة: أينما تولوا فثم وجه الله.

 ولست أفهم علة التنكر لكونية الإسلام: إذا كنا نحن نتفصى من الكونية التي يرمز إليها بالشهادة على العالمين خوفا من أمريكا التي تدعي كونية بقيم زائفة تسميها حماية حقوق الإنسان وهي أول من يدوسها في العالم كله بل إن نشأتها كانت بالقضاء على أمم كاملة في أمريكا فذلك من تخريب النخبتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى