25022017السبت
Top Banner
pdf download

د. زينب عبد العزيز تكتب: الفاتيكان ، الصهاينة ، والمسجد الأقصى (2)

نشرت في بحوث ودراسات
28 ديسمبر 2014
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)
  • وسائط

لا يمكن لمثل هذه المؤسسة العاتية ، التى فرضت عقيدتها بالسلاح والقتل والاقتلاع ومحاكم التفتيش والتعذيب والحروب الصليبية والدينية والتعتيم ولىّ الحقائق وتحريف النصوص ، وكلها حقائق باتت تملأ الكتب والمراجع بل والمجلات العلمية وغيرها، لا يمكنها أن تتنازل طواعية عن كل ما شيدته بمثل ذلك العنف الدامي على مدى ألفى عام تقريبا ، أو أن تتنازل بمثل هذه البساطة ، إن لم يكن هناك ما هو أقوى وأعتى منها ومن جبروتها . وهو ما تناولته بالتفصيل فى كتاب "المساومة الكبرى ، من مخطوطات قمران إلى مجمع الفاتيكان الثانى".. المطبوع فى قطر ومنعته الرقابة فى القاهرة !.

وإذا نظرنا من ناحية الصهاينة ، لوجدنا أن إنشاء دولة لا يمثل فى الواقع نهاية المطاف وإنما مجرد بدايته.. فما يرمون إليه تحديدا هو استعادة مكانتهم كشعب الله المختار – تلك المكانة الدينية التي سلبتها الكنيسة إياهم .. وذلك لا يتأتى إلا "بإقامة سلطة دينية يهودية جديدة فى القدس "– على حد قول جيرار إسرائيل فى كتابه المعنون : "المسألة المسيحية. فكرة يهودية عن المسيحية". وهذه السلطة الدينية اليهودية الجديدة فى القدس لا تتأتى إلا بهدم المسجد الأقصى وإقامة المعبد – بغض الطرف عن كل ما واكب تلك المسيرة الانتقامية من تحريف للنصوص الدولية والتاريخ بل ولحكم الله عز وجل وقضائه..


ولا يسع المجال هنا لتناول كيف تم ذلك اعتمادا على الغش والتنازلات والخيانة من جميع الأطراف ، فالكل متواطئ بصورة أو بأخرى ، وما أكثر الكتب والمؤتمرات والقرارات والوثائق ، لكنا نتوقف عند الوضع الراهن وكيف تمكن الصهاينة من تلجيم الغرب المسيحي المتعصب عن طريق قضيتين أساسيتين ، هما : المحرقة ، ومخطوطات قمران أو البحر الميت.


فقد تم تصعيد لعبة المحرقة إلى درجة الإطاحة لا بكل من يتشكك فى عدد موتاها فحسب ، وإنما بكل من يمس بمصداقيتها ، والأدهى من ذلك التلويح بدور الفاتيكان فيها! وبذلك تم فرض صورة "اليهودى المظلوم المعتدى عليه دوما" ، مع تحميل الغرب وزرها ، أمام صورة "الفلسطيني المسلم الإرهابى" ؛ لأنه يدافع عن أرضه ، بل وإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين بصورة لا سابقة لها فى التاريخ !.. أما مخطوطات قمران التى تم الإعلان عن اكتشافها فى نفس ذلك اليوم الذى تم فيه الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948 ، علما بأنها مكتشفة قبل هذا التاريخ ، فذلك يكشف أن هناك صلة وثيقة بين الاثنين- خاصة لمن تابع تفاصيل قصتها والمغامرات التى واكبتها وحقيقة محتوياتها.


وتكفى الإشارة هنا إلى قصة اكتشافها والتعتيم عليها وكل ما واكبها من قمع وتحكم من اللجنة العاكفة عليها والتابعة للفاتيكان ، أو لكل ما قام به الصهاينة للاستيلاء على بعضها وإيداعها فى متحف خاص بها بجوار مبنى الكنيست. وهو ما يكشف عن مدى أهمية ما استولوا عليه. والتعتيم على نشرها لمدة خمسين عاما يمثل أكبر فضيحة علمية فى القرن العشرين. ولم يسمح الفاتيكان بنشرها إلا بعد ترحيل تاريخ تحليل الكربون لمحاولة فصلها عن المسيحية. ويرجع التعتيم عليها ، وفقا لما قيل فور اكتشافها، إلى أن بها ما يهدم المسيحية ويطيح بها إلى الأبد.. وتلك هى ورقة المساومة الكبرى التى يمسك بها الصهاينة ويفرضون بها كل تلك التنازلات المهينة على المؤسسة الكنسية وعلى المجتمع الدولى وكل قراراته التى يضربون بها عرض الحائط .. فهم المتحكمون !


ولو انتقلنا إلى شكل الوضع حاليا ، لوجدنا: من ناحية، سباق محموم من المؤسسة الكنسية لتنصير العالم وخاصة لاقتلاع الإسلام، اعتمادا على الحوار ومؤتمراته لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير دون مقاومة تذكر، كما يقولون فى النصوص الرسمية ، مع محاولة واضحة لتنصير معالم المدن وخاصة الإسلامية منها ، إضافة إلى عمليات القتل الجماعى فى تلك الحروب الاستباقية الاستيطانية وكلها تحصد فى أعداد المسلمين.. ومن ناحية أخرى، سباق آخر محموم ، من جانب الصهاينة ، لتنفيذ قرارهم عندما احتلوا أرض فلسطين و استولوا عليها، بأنهم يريدونها " أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض".. وهو ما يتم تنفيذه على مرأى ومسمع من ذلك المجتمع الدولى الذى تم تلجيمه ، فالتزم الصمت و ألف الخضوع صمتا إلا من بعض العبارات الجوفاء من قبيل نرفض ، نحتج ، نشجب ، نعترض ، الخ ، ذرا للرماد فى الأعين!

وياله من منطق ، فبعد أن ابتلع طُعم مسئوليته عن المحرقة ، تولى القيام بمحرقة للشعب الفلسطيني تكفيرا عن ذنبه !!.
فواقع الأمر يؤكد أن الصهاينة قد استولوا على 80 % من أرض فلسطين أيام حرب 1967 ، ثم التهم جدار العار 40 % من أراضى الضفة الغربية ، أي أنه لا يتبقى فعلا من كل أرض فلسطين سوى 9 % ، التي تدور حولها الوعود والأكاذيب والتلويح الأجوف بإقامة دولة فلسطينية . وما أشبهها لعبة بذلك الحوار الذى تقوده الكنيسة لمجرد كسب الوقت حتى يتم لهم ما يبتغون.. ذلك لأن جدار العار يبلغ طوله 730 كيلومتراًً بارتفاع ثمانية أمتار من الأسمنت المسلح ، وبه برج مراقبة كل 300 متراً، وأسلاك شائكة مكهربة ، إضافة إلى خندق بعمق مترين. والجدار يقام بتكلفة أكثر من مليون دولار للكيلومتر الواحد .. وكل ذلك : لحماية الصهاينة الغلابة الذين لا يملكون، دونا عن غيرهم فى الشرق الأوسط ، سوى ترسانة نووية وأسلحة فتاكة ومتطورة وكيمائية ، لحمايتهم من حجارة الإنتفاضة !!

وياله من منطق يبلعه الذين فُرض عليهم الصمت والتواطؤ..
وبناء الجدار بالصورة التى تم بها حول القدس الشرقية ، أو هو بالفعل بناء جدارين متتاليين حولها كالطوق المزدوج ، يبيد أية تطلعات بأن تكون هذه الجزئية المحاصرة بالسياج عاصمة لوهم يُدعى"دولة فلسطينية". فالجدار يفصل بالفعل مدينة القدس عن مدن الضفة عند رام الله فى الشمال ، وبيت لحم فى الجنوب ، وأبو رديس فى الشرق، كما اخترق حرم جامعة القدس واقتلع ثلث مساحتها. وذلك يعنى تطويق وحماية مدينة "القدس الكبرى" كما حددها الصهاينة. فالبرنامج يسير على أساس عدم السماح بإقامة دولة فلسطينية بأى ثمن ، وعدم السماح بأى وجود فلسطينى ، بل والعمل على محاصرتهم حتى الموت أو إجبارهم على الهجرة ، وبذلك يكونون هم الذين رحلوا بإرادتهم !! أي أنها تكرار لنفس مخطط البداية الذي بدأ بالإرهاب وبمحاصرة الفلسطينيين وحصادهم فى المجازر المتعددة لطرد من يتبقى.. وهو ما تؤكده تصريحات وزيرة خارجيتهم عقب لقائها مع نظيرتها الأمريكية يوم 1/8/2007 ، إذ أعلنت : "إن إسرائيل لن توافق على بحث القضايا الأساسية للنزاع مع الفلسطينيين وهى : الحدود ، واللاجئين ، ومستقبل القدس، خلال المؤتمر الدولى للسلام الذى دعى إليه بوش". فما معنى إقامته إن لم يكن مضيعة للوقت ؟!


وإذا رجعنا إلى بدايات محاولة استيلاء الصهاينة على المسجد الأقصى ، سنجد أنها بدأت بالتدريج منذ مطلع القرن العشرين ، بجلب الكراسى والمصابيح والستائر وتركها أمام حائط البراق لتكون سابقة تمكنهم من إدعاء ملكيتهم للحائط. وتنبه المسلمون آنذاك وبدأ النزاع المسلح بين الطرفين فى 19/2/1922 ، وكان رجال الانتداب البريطانى يأمرون الصهاينة برفع تلك المعدات ، ويعاود الصهاينة الكرة ، حتى الانفجار المعروف باسم "ثورة البراق". فأرسلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق عرفت باسم " لجنة شو" نسبة إلى رئيسها. وقال التقرير :
" للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ، ولهم وحدهم الحق فيه لكونه يؤلف جزءاً من ساحة الحرم الشريف التي هى من أملاك الوقف؛ وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لكونه موقوفا حسب أحكام الشرع الإسلامى".
وانتهت اللجنة الدولية من وضع التقرير فى ديسمبر 1930 ، ونالت قراراتها موافقة الحكومة البريطانية و موافقة "عصبة الأمم" آنذاك. إلا أن السلطات الإسرئيلية قد استولت فى عام 1967 على "حائط البراق" بعد أن هدمت حارة المغاربة ووضعت يدها على باب المغاربة ، أحد أبواب الحرم الشريف .. وتواصلت عمليات الحفر والتخريب ، فى نفس الوقت الذى تم فيه تشييد المعبد بطريقة المبانى المعدّة مسبقا ، أى أن تركيبه لن يستغرق أياما معدودة.. وذلك يفسر أهمية جدار العار وحقيقة والغرض منه ..
وعلى الرغم من كل ما تم من حفائر منذ استيلاء الصهاينة على أرض فلسطين وحتى يومنا هذا ، فإن كل الوثائق الجديدة تؤكد " أن اليهود لم يعد من حقهم ادعاء أن أرض فلسطين ملكا لهم بزعم أنهم غزوها قديما بمساعدة الإله يهوه . حقا ، لقد عاش عليها أجدادهم منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، لكنهم كانوا يتقاسمونها مع الكنعانيين الذين كانوا يمثلون الأغلبية آنذاك ، و هم أجداد الفلسطينيين. وأيا كان الأمر فلا حق لليهود فى هذه الأرض التى غابوا عنها طوال عشرين قرنا" !! والمتحدث هنا عالمان من كبار علماء الآثار اليهود هما إسرائيل فنكلشتاين و نيل سيلبرمان ، فى كتابهما المشترك :"كشف النقاب عن الكتاب المقدس".


أما أطماع الصهاينة التى لا تأخذ فى الاعتبار أى حق ولا منطق ، فإن كل ما يرمون إليه هو استعادة حقوقهم السليبة من القيادة الكنسية ، استكمالا لمشوار الإذلال الذى فُرض عليها بدأ من مجمع الفاتيكان الثانى ، وذلك : بهدم المسجد الأقصى وإقامة المعبد لإعادة السلطة الدينية اليهودية . وعندئذ يظهرون ما لديهم من مخطوطات قمران التى تثبت أن المسيحية الحالية لا مصداقية تاريخية لها ، بعد أن تمكنوا من تلجيم المجتمع الدولى بورقة "المحرقة" وإضعاف المسلمين والعرب إلى ما تحت الإهانة والإذلال ، بعد أن ورطوهم فى تنفيذ الكثير من ذلك المخطط الانتقامى الرهيب .. ويا له من انتقام !!.

 

ولا أتناول هنا الهوس الدينى أو معركة هرمجدّون وغيرها ، لكننى أشير بوضوح إلى : أن عملية هدم المسجد الأقصى تمثل جزءا لا يتجزأ من مخطط الصهاينة للانتقام من المؤسسة الفاتيكانية لكل ما جعلتهم يتجرعونه من ذل ومهانة وإبادة على مدى ألفى عام ، وفى نفس الوقت استكمال عملية إذلالهم للمسلمين ومقدساتهم ، فمن يقبل بالخيانة لا مكان ولا احترام له لدى من يدفعه إليها ..


فبدلا من أن نقدم الأسمنت للصهاينة لبناء جدار العار، وبدلا من بيع الغاز المصري لهم وبأقل من ثمنه ، وبدلا من توصيل مياه النيل بترعة السلام ، وبدلا من فرض عمليات تطبيع ضد إرادة الشعوب ، لترسيخ الوجود الصهيونى وتثبيته ، وكلها فضائح تناولتها الصحافة المصرية وغيرها ، لا يسعنى إلا أن أذكّر بالكلمة التى ألقاها السيد الرئيس حسنى مبارك فى المؤتمر الثامن الذى عقد فى رحاب الأزهر فى أكتوبر 1977 ، نائبا عن الرئيس أنور السادات ، وجاء فيها :
" إن المسجد الأقصى الشريف ما زال فى أيدي أعدائنا ، وإن إخواننا أبناء فلسطين لم يستردوا حقوقهم المشروعة بعد ، وهذا الموقف يحتم استمرار الجهاد حتى يستنفذ وطننا ومقدساتنا وحقوق إخواننا ، وإن هذا واجب لا يستثنى منه أحد ، وإننا لا نمل أن نذكر المسلمين ونذكر العالم كل يوم بعدالة قضيتنا" ..


والآن ، وقد تزايد التهديد والوعيد بهدم المسجد الأقصى تارة ، أو بهدم الكعبة تارة أخرى ، نحن على مشارف حافة الهاوية فعلا، و لم تعد المسألة بحاجة إلى تذكرة للمسلمين وللعالم أجمع بعدالة القضية الفلسطينية أو بحق المسلمين فى المسجد الأقصى ، وإنما نحن بحاجة إلى إعلان الجهاد الحقيقى، واتخاذ التدابير الفعلية لذلك ، بعد أن تبين للكافة الأطماع الاستيطانية للكيان الصهيوني ولمن يساندونه فى الغرب .. فالجهاد كما شرّعه الله عز وجل ، بالمال وبالنفس دفاعا عن الحق ، قد أصبح فرضا على كل مسلم ومسلمة لإنقاذ ونصرة أولى القبلتين وثالث الحرمين : المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله. لذلك لا يسعني إلا مناشدة كافة المسئولين فى العالم الإسلامى والعربى ، بمختلف مستوياتهم ومسئولياتهم ، سرعة التحرك لإحلال الحق ، فالحق أولى بأن يُتبع .

 

ذلك هو ما تبين لي من كل ما تجمّع من كتب ووثائق وأحداث ، أقدمه لمن يمكنه التصرف ، علّنا نفيق من غفلتنا وندافع عن ديننا وكياننا، لأن الغرب دائم التخلص من عملائه ، وما أكثر النماذج عبر التاريخ ! كلنا عابرو سبيل ، ولا يبقى إلا صالح الأعمال.
أستودع الله دينكم .. وأماناتكم .. وخواتيم أعمالكم ..
أستودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع .

 

وسائط

أقلام حرة

استطلاع الرأي

هل ستفضي المناوشات بين ترامب والنظام الإيراني إلى مواجهات مسلحة؟