23022017الخميس
Top Banner
pdf download

هاني محمود علي يكتب: حلب تمرض ولا تموت مميز

نشرت في بحوث ودراسات
17 ديسمبر 2016
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
  • وسائط

حلبُ هي طائر العنقاء الأسطوري الذي يحترقُ ويُبعَثُ من تحتِ الرماد أكثرَ شبابا وقوة، دمَّرها المغول بقيادة هولاكو، فأعاد سيفُ الدين قطز إعمارها بعد انتصاره على المغول في معركة عين جالوت، وبعدها بقرن وفي عام 1400م دمرها الطاغية المغولي تيمور لنك، وذبح الكثيرَ من سكانها، حتى ليقال إنه أمر جنوده ببناء تلة من جماجم سكانها استخدم فيها 20000 جمجمة.

 

وفي أوائل شهر ديسمبر 2016 أعلن الجيشُ السوري بقيادة السفاح بشار الأسد، والمدعوم من روسيا استعادة أحياء عديدة من مدينة حلب من أيدي الثوار، ليبدأ فيها فصلٌ جديدُ من فصولِ الرعب والدماء والدمار. لكنَّ هذا شأن حلب في التاريخ: إنها تمرض ولكن لا تموت.

 

في أقصى الشمال السوري، تتموضع حلب قائمة على هضبة محيطة بسهول خصيبة مع بعض الجبال مثل جبل سمعان، وتلتقي مع وادي الفرات ذي التربة الخصبة الممتد حتى الحدود العراقيّة، ولعل تلك الطبيعة الجغرافية الخلابة هي التي دفعت عددا من المؤرخين للتغني في جمال حلب. قال عنها ياقوت الحموي (ت 626 هـ): "إنَّ الله خصَّ حلبَ بالبركة وفضلها على جميعِ البلدان" (معجم البلدان)

 

ووصفها عز الدين بن شداد الأنصاري (ت 684 هـ): "حلب أعظم البلاد جمالا وأفخرها زينة وجلالا، مشهورة بالفخار، علية البناء والمنار، ظلها ضافٍ وماؤها صافٍ وسعدها وافٍ. لم تزل منهلا لكل وارد، وملجأ لكل قاصد، لم تر العين أجمل من بهائِها ولا أطيب من هوائها ولا أظرف من أبنائها" (الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة)

 

وقال ابنُ بطوطة (ت 779 هـ): "حلب من أعزِّ البلاد التي لا نظيرَ لها في حُسنِ الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض، وأسواقها مسقفة بالخشب فأهلها دائما في ظلٍّ ممدود وقيسارتها التي لا تُمَاثل حسنا وكبرا، وهي تحيط بمسجدها ... وهي من المُدن التي تصلح للخلافة" (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)

 

حلب مدينة عريقة، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، حيث إنها كانت مأهولة بالسكان في بداية الألفية السادسة قبل الميلاد، وكان عمرها فوق الألف عندما أنشئت روما، ويُروَى -دون بينة- أنَّ النبي إبراهيم خليل الرحمن مرَّ بها في طريقه من حاران إلى فلسطين، وكانت له بقرة شهباء، -وقيل غنم- كان يوزع ألبانها على الفقراء، فاشتهرت المدينة باسم حلب الشهباء.

 

حُرِّرت حلب من بطش الدولة البيزنطية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فتحها أبو عبيدة بن الجرَّاح بعد حصار أهلها، فطلبوا من المُسلمين الصُلح والأمان. فقبلَ منهم أبو عبيدة وصالحهم وكتب لهم أمانًا، ودخل المُسلمون حلب من باب أنطاكية. وتروي المصادر الإسلامية أنه بعد فتح حلب حُرِّرت أنطاكية، وأدرك عظيمُ الروم هرقل أنَّ الشام قد ضاعت منهم إلى الأبد، فغادرها قائلا: "عَلَيْكِ السَّلَامُ يَا سُورِيَا سَلَامًا لَا اجتِمَاعَ بَعْدَهُ، إلَّا أن أُسَلِّمَ عَلَيْكِ تَسْلِيْمَ المُفَارِق، وَلَا يَعُوْدُ إِلَيْكِ رُومِيُّ أَبَدًا إلَّا خَائِفًا"

 

وكعادة المدن العظيمة تأرجح تاريخُ حلب ما بين لحظاتِ مجدٍ وانكسار، تألقٍ وانطفاء، تخلفٍ وازدهار، لكنها بقيت أبدا تنبضُ بالحياة، وتسطرُ التاريخَ بحروفٍ من نور، على ثراها نشأت وازدهرت الدولة الحمدانية، واقترن اسمُها بسيف الدولة الحمداني، قاهرِ الدولة البيزنطية، فتغنَّى باسمها المتنبي الشاعر:

 

كلما رحَّبت بنا الروضُ قلنا:          حلبٌ قصْــدُنا وأنتِ الســــبيلُ

 

وانضوت حلبُ تحت لواء الخلافة العثمانية، فبقيت لقرون أكبرَ المدن السورية، وثالث مدينة في الخلافة العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة. وكأنها تستعيدُ صفحات ماضيها المجيد.

 

في أول ذكرٍ لحلب في الألواح المسمارية المكتشفة في مملكة إيبلا وبلاد ما بين النهرين إشارة إلي تفوق حلب العسكري والتجاري. ربما بسبب كونها نقطة تجارية استراتيجية في منتصف الطريق بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد ما بين النهرين، وفي كونها في نهاية طريق الحرير الذي يمر عبر آسيا الوسطى وبلاد ما بين النهرين. لكن الزمان الغادر رمى حلب بدواهيه في مرات عديدة، حيث انسحب بساط الطرق التجارية من تحت أقدامها إلى البحر مع افتتاح قناة السويس في عام 1869م.

 

وبسقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى تآمر كمال أتاتورك مؤسس تركيا العلمانية مع الانتداب الفرنسي، فاقتطعت من حلب أقاليمها الشمالية، وتمَّ ضمها لتركيا عام 1920م، وبذلك خسرت حلب التجارة مع تلك الأقاليم، قبل أن يتدهورَ الاقتصادُ الحلبي بفعل اتفاقية سايكس بيكو التي شطرت سوريا عن العراق، ليأتي عام 1940 م بما لا تشتهي السفن الحلبية، حيث خسرت منفذها الرئيس على البحر المتوسط في الإسكندرونة.

 

        ومع تلك الضربات الموجعة والمؤلمة لم تتوقف حلب يوما عن عطائها الإنساني والحضاري، فأنجبت للدنيا كوكبة من الأعلام، طبقت شهرتهم الآفاق، منهم: ابن يعيش النحوي (ت 643 هـ) وعز الدين بن شداد الأنصاري (ت 684 هـ) مؤرخ حلب، ومؤلف كتاب (الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة) وعبد الرحمن الكواكبي (ت 1320 هـ)، أحد رواد النهضة في القرن التاسع عشر، وخير الدين الأسدي (ت 1971م) مؤرخ ومؤلف (موسوعة حلب المقارنة) ومُحمَّد علي الصَّابُونيّ، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة في العصر الحديث، ومن المختصِّين في علم تفسير القرآن، وهو مؤلف كتاب (صفوة التفاسير) وعثمان طه، الخطاط كاتب مصحف المدينة المنورة، وعلي منصور كيالي، مهندس معماري وباحث متخصص في التفسير العلمي للقرآن الكريم، ومصطفى العقَّاد (ت 2005 م)، مخرج ومنتج سينمائي.

 

وعاش في حلب كوكبة من أعلام الشعر واللغة والنحو، منهم: أبو الطيب المتنبي (ت 354 هـ) وأبو فِراس الحمداني (ت 357 هـ) وأبو الفتح بن جني، اللغوي الشهير (ت 392 هـ) وغيرهم

 

أما المسلمون الأحرار فيعرفون جيدا سليمان الحلبي، البطل الذي أنقذ مصرَ والعالمَ بأسرِه من كليبر الطاغية الفرنسي، فسدَّد إليه طعناتٍ قاتلة جزاء وفاقا لإجرامه في حقِّ المصريين، عقب فشل ثورة القاهرة الثانية 1800م حيث عهد كليبر إلى (يعقوب حنا) زعيم المليشيا القبطية المتعاونة مع الاحتلال الفرنسي، وكان رجلاً لا يقل صليبية ولا بغضًا للإسلام والمسلمين من الاحتلال الفرنسي، فاستباح حي بولاق والأزبكية، واقتحمه بجنده الأقباط المصريين، وارتكبوا من الجرائم ما تقشعر له الأبدان، وهدموا الدور والمساكن على من فيها، وقتلوا الآلاف من أهل القاهرة، واستباحوا نساءَهم وأموالهم. فثارت دماء الغيرة والنخوة في نفس الشاب الحلبي سليمان الذي يدرس في الأزهر، وكَمَن لكليبر في حديقته، وطعنه فأرداه قتيلا.

 

تلك حلب، عاصمة الثقافة الإسلامية 2006م، قد يصيبها الوهن، وقد تتألم تحت وطأة النكبات الموجعة، لكنها سرعان ما تنفض عن نفسها الدمار والخراب، وتُبعَثُ في ثوبٍ قشيب،  ليفنى الطغاة، وتبقى الشهباء جميلة أنيقة شامخة، وما أصدق ما قاله أبو الحسين بن جبير في وصفها: "قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خُطَّابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، وسُلَّ عليها من بيضِ الصِّفاح، قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، تنزهت حصانة من أن ترم أو تستطاع، منحوتة الأجزاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، ووسِعَت الخواصَّ والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون وشعراؤها ؟ فَنِي جميعُهم، ولم يبقَ إلا بناؤها. فيا عجبًا لبلادٍ تبقى ويذهبُ ملاكها، ويهلكون ولا يقضي هلاكها. وتخطب بعدهم فلا يعتذر أملاكها، وترَام فيتيسر بأهونِ شيء إدراكُها. هذه حلب، كم أدخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت صرف الزمان بالمكان. ..... هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها، ويسرع فيها بعد حين خرابها."

وسائط

استطلاع الرأي

هل ستفضي المناوشات بين ترامب والنظام الإيراني إلى مواجهات مسلحة؟