23052017الثلاثاء
Top Banner
pdf download
11 يناير 2017

قرأتُ لك: فصل المقال فيما بين الفصحى والدارجة من اتصال

الأمة الثقافية

نشرت في ثقافة وفكر
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
  • وسائط


عاد النقاش اللغوي أخيرًا إلى واجهة الفضاء العمومي، بعد نشر مؤسسة زاكورة لقاموس الدارجة المغربية (هكذا بصيغة المفرد) على يد مجموعة من الباحثين المغاربة، أغلبهم أساتذة اللسانيات الفرنسية.


وقد تميز النقاش، كما العادة، بقطبية حادة؛ بين مناصر لمشروع الدارجة، وبين مدافع عن العربية الفصحى الذي يرى في الأمر شبهة مؤامرة تستهدف مقوما من مقومات الهوية المغربية. وبين اندفاع الطرفين، ينزوي صوت الحقيقة إلى الهامش.


قبل الشروع في مناقشة هذا الأمر، ينبغي التمهيد ببعض المعطيات حول موضوع اللهجة، لكي تتضح الرؤية ويزول الغموض.
تعرّف اللهجة، عموما، بأنها نمط محلي يستعمله أفراد جماعة معينة في منطقة معينة. وإن كنت أتحفظ على هذا التعريف، بسبب عدم دقته. وقد حاول لسانيون وضع شروط كثيرة؛ فتحدثوا عن الاختصار، والتاريخية، والإرث الأدبي، والتفاهم، والواقعية... لكنني أؤكد على معايير التقعيد والهيبة والاعتبار والحدس اللغوية (إحساس المتكلمين بمثل لغوي أعلى) باعتبارها أهم الروائز التي يمكن اعتمادها في التمييز بين النسقين.


ليس موضوع اللهجات موضوعا جديدا، فقد تحدث عنه القدماء في ثنايا مؤلفاتهم، أو في كتب مستقلة من قبيل كتاب "ما تلحن فيه العامة" للكسائي، و"لحن العامة" للمازني، وكتاب "لحن العامة" للزبيدي، و"الفاخر فيما تلحن فيه العامة " للمفضل بن سلمة، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة، و"المعرب" للجوالقي... ومن المؤلفات المغربية في هذا الموضوع، نجد كتاب "لحن العوام" للزبيدي الإشبيلي الأندلسي، و"الفوائد العامة في لحن العامة" لابن جزي الكلبي الغرناطي...


والملاحظ هو غلبة النظرة السلبية للقدماء إلى اللهجات. وقد استمر هذا الأمر مع بعض المعاصرين. ويرجع تلك النظرة السلبية، في نظرنا، إلى سببين:
المعاني السلبية للجذر "ل. هـ . ج" في اللغة العربية، إذ يمكن من خلال المعاجم القديمة أن نحدد ثلاث خصائص لكلمة "لهجة" عند العربي، وهي:
أ: طريقة الاكتساب: فاللهجة هي اللغة الأم التي جبل عليها الطفل، وتعلّمها في محيطه الأسري والاجتماعي، دون أي تدخل مقصود (لهج الفصيل ثدي أمه، رضعه)


ب- الطبيعة التكوينية: اللهجة خليط غير منسجم من اللغات واللهجات (لهوج الشيء خلطه، ولهوج الأمر خلطه ولم يبرمه)
ج- القيمة الاجتماعية: اللهجة منوعة ناقصة، لم تنضج بعد، وترادف اللحن (لهوج الطعام طبخه ولم ينضجه)


دعوة المستشرقين ومن والاهم من العرب، كسلامة موسى وسعيد عقل وغيرهما، إلى إحلال اللهجات محل الفصحى، مع ما يترتب على ذلك من مسائل، أخطرها إلغاء الوظيفة التكاملية مع الفصحى التي أدّتها اللهجات على امتداد التاريخ، بالإضافة إلى إعادة تشكيل ملامح الهوية، في ظل حضور قوي للغات أجنبية مدعومة بالحمولة المعرفية والتقنية. فقد اهتم المستشرقون باللهجات العربية، خاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر. وأسّست لهذا الغرض عدد من المدارس؛ منها: "المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية" و"مدرسة فتيان اللغات" و"المدرسة الجزائرية في الاستعراب الفرنسي". كما ألفت عدة كتب؛ منها "أصول اللغة العربية العامية والفصحى" للفرنسي De Savarie، وبحث "لغة نجد الحالية لهيس Hess و"في لغة الجزائر" لهوداس و"في العربية ولهجاتها" للاندبرج.

 

أما اللهجات المغربية، فقد حظيت، هي أيضا، بدراسات أرجعها كانتينو إلى القرن الـ19م، وبالضبط إلى الباحثين الألمان والفرسيين والإسبان؛ ولكنها لم تكن دراسات كاملة، لأنها كانت مسخرة لتعليم العسكريين والمدنيين الذين استقروا في المغرب. ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
قسم اهتم باللهجات المغربية عموما، ومنها دراسة هاريس the phonemes of Moroccan Arabic ودراسة كانتيونو reflexion sur la phonologie de l’arabe Marocaine ووليام مارسي ****es arab de tanger .
قسم اهتم باللهجات المحلية، خاصة عمل ليفي بروفنصال "نصوص عربية ورغة: لهجات جبالة" وكولن colin" ملاحظات حول اللهجة العربية لشمال منطقة تازة".


وقد تابع المستشرقين عددٌ من اللغويين العرب أهمهم إبراهيم أنيس "في اللهجات العربية" الذي درس لهجة القاهرة، وتمام حسان الذي درس لهجة عدن. وزاد هذا الاهتمام بعد قرار المجامع اللغوية العربية إنجاز دراسات علمية للهجات العربية الحديثة، وقرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1955 الداعي إلى الاهتمام باللهجات، خدمة الفصحى والبحث العلمي اللغوي.


أما الدراسات المغربية الخالصة حول اللهجات، فقد انطلقت مع هيمنة الدرس اللساني المعاصر في الجامعات المغربية، ونخص بالذكر كتاب "فونولوجيا ومورفولوجيا الفاسية القديمة" لعبد العزيز حليلي، وكتاب "قضايا لسانية: اللهجة البيضاوية" لأمينة أفنان... بالإضافة إلى دعوة أغلب اللسانيين المغاربة، خاصة عبد القادر الفاسي الفهري، إلى ضرورة الاهتمام باللهجات لفهم بعض البنيات الفصيحة. والملاحظ هو أن أغلب هذه الدراسات اتخذت مناهج تزامنية، وأهملت الدراسات التعاقبية التاريخية، باستثناء بعض الدراسات القليلة مثل كتاب محمد الحلوي "الفصحى في العامية المغربية" الذي لا يمكن اعتباره بأية حال من الأحوال دراسة لسانية، بسبب غلبة الانطباعية (فلا يحدد مصادره المعجمية) وفقر مادته (حوالي 781 مدخلا) وعدم تحديده للمتن اللغوين حيث شملت الدراسة كل اللهجات العربية المغربية.


وبناء على محرك البحث، والخلفيات التي أطرت هذه الدراسات التي تناولت اللهجات؛ وصفا وتصنيفا وجمعا، يمكن تقسيمها إلى صنفين:
صنف الدراسات التي تدخل ضمن مشروع استعماري، قاده المستشرقون لتمهيد الطريق أمام الجيوش، وقطع صلات العرب والمسلمين بلغة القرآن، باعتبارها المحرك الأساس لثقافة المقاومة، كما وضّح ذلك إدوارد سعيد في كتابة القيم "الاستشراق"؛
صنف الدراسات الذي تدخل ضمن مشروع الدراسات العلمية الخالصة، التي قام بها بعض اللسانيين المغاربة والأجانب.
الجوانب الإيجابية لدراسة اللهجات العربية


لا يمكن لأي عاقل أن يهاجم اللهجات والدوارج في حد ذاتها، إذ كيف يمكن للإنسان أن يهاجم شيئا عميقا فيه. فاللهجة هي لغة أمهاتنا، لغة نكتنا وضحكاتنا، لغة صراخنا وانفعالاتنا، لغة حزننا وفرحنا، لغة أحلامنا وحميمياتنا، لغة خبزنا اليومي وتجاربنا الحياتية، فلا عجب أن تزخر بالأمثال والحكم والأغاني التي تعكس انشغالات البسطاء وآمالهم. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تقوم اللهجات بوظائف أخرى مهمة؛ من بينها:
إغناء المعجم العربي المعاصر بكلمات نُسي أصلها الفصيح، بالرغم من دقتها التعبيرية.
إصلاح درس العربية في المدرسة العربية، وخاصة في السنوات الأولى، بإدراج كلمات فصيحة قريبة من الدارجة التي يستعملها الطفل في بيته، حتى لا تحصل له صدمة اللقاء الأول. فلماذا يستعمل المدرس المغربي مثلا كلمة "ذهب" دون "مشى" و"سقط" دون "طاح" و"الأطفال" دون "العيال" و"قبيح" دون "خائب" و"صلب" دون "قاسح" و"أزعجتني" دون "صدعت رأسي" و"مملوء" دون "عامر"؛ بالرغم من أنّ كل تلك الكلمات فصيحة ومستعملة في الدارجة.
تسهيل اندماج الأجانب والمهاجرين واللاجئين، عبر تمكينهم من التعلم السريع للهجات المغربية.


إغناء المعجم العربي بكلمات جديدة أبدعتها اللهجات. فلماذا تقترض العربية من اللغات الأجنبية ولا تقترض الكلمات التي أبدعتها بناتها من مختلف اللهجات العربية، ومن مختلف اللهجات الأمازيغية؟ ألم يحن الوقت لإدماج كلمات "الهيشر واللوي والنقلة والرجلة والغرسة والشطابة والرفيذة والتلقيم والغذان والجمار والبحيرة والتسهيل والتقريع والزريعة والرجمة والعروم والمطمورة والحدورة والغيطة والهوتة والتشويل والتفريق والتنشير والشرط والنوبة والسلكة والتحريرة والمرشوم واللقاط والعمارية.... إلى غير ذلك من آلاف الكلمات التي أبدعها المغاربة عبر التاريخ. مع العلم أن أغلب هذه الكلمات مصاغة وفق قواعد الصرف العربي. ألم يقل النحاة، قديما، ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؟ ولنتخيل السيل الهائل من الكلمات التي ستنضاف إلى المعجم العربي، لو درست كل اللهجات العربية بهذا المنهاج نفسه.


الجوانب السلبية للهجات:
تصبح اللهجات خطرا، عندما تحاول تجاوز الوظائف السابقة، واقتحام مجالات أخرى ظلت من اختصاص العربية الفصحى. ولهذا يسيء إليها الداعون إلى إدماجها في المدرسة، كلغة تدريس أو لغة مدرسة، أيما إساءة؛ ويخلقون لها أعداء كثر، لأنها لا تملك المقومات الكافية لشغل هذه الوظيفة.

 

فهناك مشكلات تداولية وتقنية وإجرائية وعلمية كبيرة تواجه هذا المشروع؛ منها:
تزعم هذه الحركة الداعية إلى إدماج الدارجة في المدرسة، من قبل أطراف معروفة بخدمتها لأجندة فرانكفونية، وبعدائها المكشوف للغة العربية، وحمولتها الثقافية والهوياتية. بالرغم من محاولاتها المستمرة قلب الحقائق، والإشارة إلى أنها لا تقصد بذلك تهميش العربية الفصحى في المدرسة؛ لكن زلات ألسنتها كثيرا ما تفضح نواياها؛ وهو ما حصل لأحد أعضاء اللجنة المشرفة على إعداد قاموس "لهجة الدار البيضاء"، في لقاء حول الموضوع نظمه مركز هسبريس للدراسات والإعلام، إذ كثيرا ما أحال هذا الأستاذ إلى تجربة اليونان، التي رقّت لهجتها المعروفة بالديموتيكي، إلى مستوى اللغة الرسمية، عوض لغة الكاتارفوزا (اليونانية الكلاسيكية) بالرغم من شناعة إسقاط هذه التجربة على واقع اللغة العربية، لوجود فوارق كبيرة بينهما تحتاج إلى مقالة مستقلة لتوضيحها. كما أحال هذا الأستاذ إلى مقالة اللساني الأمريكي شارل فرغسون حول الازدواجية اللغوية Diglossia الصادرة سنة 1959 في مجلة in word، دون أن يكلّف نفسه عناء متابعة التطورات التي عرفها هذا المفهوم عند فيشمان ولوي جون كالفي وغيرهما. فهذا فرغسون نفسه، كما نقل عنه شيفمان (1999)، يرى "أن الصيغة الكلاسيكية للازدواجية المعيار لا تستطيع أن تحيط بكل أمثلة التعدد اللغوي، أو بكل الاختلافات الوظيفية للغة".

 

وقد ذهب اللساني الفرنسي أندريه مارتيني أبعد من ذلك، حين اعترف بأن الازدواجية توجد في كل المجتمعات، بما في ذلك بعض المجتمعات التي نعدّها أحادية اللغة unilingue. فهناك دائما درجة من الازدواجية، لأنه ليس هناك تطابق بين الاستعمال اليومي وبين الشكل الرسمي؛


التنوع الشديد الذي يميز اللهجات المغربية. ويمكن القول إن لهجة الدار البيضاء نفسها تعرف تنوعات طبقية وجغرافية وفئوية وجنسية وعمرية... كما أكدت ذلك بعض الدراسات السوسيولسانية؛
عدم القدرة أي طرف، مهما أوتي من قوة وقدّم من مسوغات، على فرض لهجة الدار البيضاء على باقي اللهجات المغربية؛ لأن ذلك مدخل لدكتاتورية لهجية لن يقبلها الناطقون بالمنوعات اللهجية الأخرى التي تملك من الجمال والخصوصية والتراث الشفهي ما يغنيها عن الاستعانة بلهجات أخرى. كما يمكن أن تخلق توترات بين المكونات اللهجية كان المغاربة في غنى عنها؛
لا تملك اللهجة مقومات لغة المعرفة، لافتقار معجمها للمصطلحات العلمية والتقنية والفنية، وضعف تراثها المكتوب. فبمجرد ما ينتقل الناطق باللهجة إلى الحديث عن موضوعات ذات طابع عملي أو فكري أو ديني أو تقني، إلا وشغل ذخيرته اللغوية الفصيحة أو الأجنبية للتعبير عن مراده، وتحقيق الوظيفة المرجعية، التي تعد عملية نقل المعرفة جزءا منها؛


التحول السريع الذي تعرفه اللهجات بسبب ارتباطها باليومي وبالتواصل السريع، إذ نحتاج إلى متابعة يومية للمستجدات المعجمية، وإلا سيؤدي ذلك إلى خلق ازدواجية لغوية بين لغة القاموس وبين اللغة المتداولة في الشارع، وهذه سنة اللغات.
كان الأولى، في نظري، أن يكتفي الساهرون على صناعة هذا القاموس بتحديد مجالات توظيفه فيما حدّدته أعلاه من وظائف، بدل الدعوة إلى تدريسها، إذ النهضة الحقيقة لن تتأتى إلا بتعزيز لغاتنا الرسمية في المدرسة والإدارة والفضاءات العمومية والإعلام، عوض إهدار الوقت وتشتيت الجهود في ما لا طائل من ورائه.

 

محمد نافع العشيري

رئيس فرع طنجة للجمعية المغربية لحماية اللغة العربية

 

وسائط

آخر تعديل على الأربعاء, 11 يناير 2017 20:03

استطلاع الرأي

بعد انتهاء القمة الإسلامية الأمريكية: هل تتوقع تغيرًا حقيقيًا في علاقة أمريكا بالشعوب الإسلامية؟