18012017الأربعاء
Top Banner
pdf download

مقالات

مفكر إسلامي مصري مهتم بالشأن السياسي والتأريخي وحاصل على دكتوراة في علوم الأمراض ودكتوراه في التاريخ وله العديد من المساهمات الفكرية والأكاديمية ويقيم بلندن

  • الرئيسية
    الرئيسية هنا يمكنك العثور على كافة المقالات المنشورة في الموقع.
  • الكتاب
    الكتاب ابحث عن الكتاب المفضلين لديك في الموقع.
د. بشير موسى نافع

د. بشير موسى نافع


مفكر إسلامي مصري مهتم بالشأن السياسي والتأريخي وحاصل على دكتوراة في علوم الأمراض ودكتوراه في التاريخ وله العديد من المساهمات الفكرية والأكاديمية ويقيم بلندن

م يكن خافياً في ردود الفعل العربية والغربية على نتائج الانتخابات التونسية، أن فيها من النزعة الاستشراقية والانتقامية، أكثر من الموضوعية والعقل والسياسة. ما إن بدأت النتائج في الظهور، وحتى قبل أن تتاح فرصة تحليلها كما يجب، أخذت دوائر إعلامية وسياسية عربية في الاحتفال بهزيمة النهضة، وكأن النهضة حزب سوبرماني لا يقهر، أو أنه وافد من كوكب فضائي بعيد، لا تنطبق عليه قوانين السياسة الأرضية. وفي استمرار لمناخ الكراهية المستبطنة والخوف الدفين، لم تتردد دوائر غربية في الثناء على النهضة وعلى حكمتها وديمقراطيتها، على اعتبار أن الحزب الإسلامي الجيد هو الحزب «المهزوم» في الانتخابات، أو الحزب خارج السلطة والحكم. ما حدث في تونس، في الحقيقة، هو عملية انتخابية، تعددية، بحتة، ليس فيها من الغرابة شيء، ولابد أن تفهم في ضوء تطورات سياسية تونسية، وميزان قوى عربي أوسع. وإن كان في نتائج الانتخابات التونسية من رسالة، فلابد أن تكون الخشية والحذر من أن يقود الفائزون في نداء تونس البلاد من جديد إلى عهد من التفرد والديكتاتورية.
مبدئياً، يعتبر التبادل السلمي للحكم أحد الأصول الرئيسية للنظام الديمقراطي الفعال؛ وليس ثمة غرابة في أن تأتي حركة النهضة في المرتبة الثانية، بعد ثلاث سنوات من فوزها بالمرتبة الأولى في أول عملية انتخابية تونسية تعددية وشفافية على الإطلاق. وإن تذكرنا سيرة الانتخابات الكويتية والمغربية في السنوات العشر الماضية، وكنت أشرت لكليهما من قبل في هذا الموقع، فإن أحزاب التيار الإسلامي السياسي يمكن أن تفوز في الانتخابات وأن تخسرها. تصور الفوز الدائم لأحزاب التيار الإسلامي السياسي في أية انتخابات تجرى في أي بلد عربي، هو تصور أسطوري، لا ينم إلا عن خوف القائلين به من النظام الديمقراطي وخشية الخضوع للإرادة الشعبية. في ظل نظام الدولة الحديثة، تحتاج القوى الإسلامية السياسية زمناً وتراكماً للتجارب وحنكة دؤوبة، للتواؤم مع بنية دولة تعود في مرجعيتها إلى قيم تختلف بهذه الدرجة أو تلك عن المرجعية القيمية للإسلاميين، وتتبنى آليات عمل تبدو للوهلة الأولى غريبة عن التصور الإسلامي للسلطة السياسية وعلاقة الدولة بشعبها. وعندما تعيش هذه الدولة مرحلة انتقالية، أو تواجه تحديات مصيرية، كما أغلب الدول العربية، تصبح مهمة التواؤم أكثر صعوبة وتعقيداً. ولذا، فلابد أن يكون فوز الإسلاميين المتكرر في الانتخابات، وليس خسارتهم، هو ما يستدعي الدهشة والاستغراب.
إلى جانب ذلك، هناك متغيرات سياسية ملموسة، ساهمت في أن تأتي نتائج الانتخابات بما جاءت عليه. بين هذه المتغيرات، أولاً، شرط التسجيل المسبق للناخبين، الذي تضمنه قانون الانتخابات هذه المرة، بخلاف انتخابات 2011. ما أدى إليه شرط التسجيل، كان تراجع حجم المقترعين بما يقارب الثلث عن 2011؛ وبالرغم من صعوبة التقدير في هذه الحالة، فلابد أن هذا التراجع قد أفقد النهضة عدة مئات من آلاف الأصوات. كما هو الأمر حتى في دول مثل الولايات المتحدة، ينحدر أغلب من يمتنعون عن التسجيل المسبق من شرائح فقيرة، أو من فقدوا الثقة في مؤسسة الدولة والحكم والطبقات الحاكمة، أو أولئك الأكثر بعداً عن المركز السياسي للبلاد. والواضح في البنية السياسية – الديمغرافية التونسية، أن قطاعاً كبيراً من هذه الفئات ينزع للتصويت للنهضة، أو أحزاب المعارضة الراديكالية. أما السبب الثاني، فيعود بالتأكيد لحالة الاستقطاب المتصاعدة في البلاد، وانهيار أحزاب الوسط القومي، الليبرالي، العلماني، التي يبدو أن الكثير من أصوات أنصارها ذهبت لنداء تونس. ويتعلق السبب الثالث، بلا شك، برغبة قطاع ولو صغير من الناخبين بمعاقبة النهضة وحلفائها، نظراً لوجود شعور عام بأن حكومة العشرين شهراً الثلاثية لم تستطع إحداث تغيير ملموس في الأحوال المعيشية والوضع الاقتصادي. أما السبب الداخلي الرابع، فيتعلق بحجم المال السياسي الذي استخدم على نطاق واسع، وحتى يوم الاقتراع، لشراء الأصوات. والمدهش، بالرغم من أن بعض المراقبين التونسيين سجل عدداً من حوادث توظيف المال، أن المراقبين الغربيين أشادوا بمجمل العملية، بدون التطرق إلى هذا الجانب المشين لها.
هذا على مستوى تونس نفسها، ولكن ثمة ما هو أهم. تونس، باعتبارها، أولاً، دولة عربية ذات تأثير ملموس في محيطها المغاربي، وباعتبارها، ثانياً، إحدى دول الثورة العربية، هي جزء من توازن قوى أوسع بكثير من حدودها السياسية، توازن يغطي كل المجال العربي وجواره الإسلامي. وعندما يختل توازن القوى في الإقليم، فلابد أن ينعكس هذا الخلل على وضع كل دولة من دول الإقليم. الثورة الفرنسية في طورها النابليوني لم تهزم بفعل توازن القوى داخل فرنسا، بل بتحالف أروربي واسع؛ والنظام الأوروبي الذي وضع في عقب الحروب النابليونية في مؤتمر فينا، كان نظاماً ولد من توافق القوى الأوروبية الرئيسية المختلفة، وأريد به ليس حسم علاقات الدول وحسب، بل وتحديد شرعية الدولة أيضاً. وليس ثمة شك أن مجمل التطورات التي عاشتها تونس منذ صيف 2013، من تخلي التحالف الثلاثي عن الحكم إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولد من الخلل الفادح في توازن القوى العربي الذي أوقعه الانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر. وليس تطورات الشأن التونسي وحسب، بل والتعثر الملموس في اليمن وليبيا وسوريا والعراق كذلك.
فكيف إذن تبدو خارطة تونس السياسية في المرحلة بعد الانتخابات البرلمانية؟ كشفت الانتخابات عن انهيار ثلاثة أحزاب، تقودها شخصيات سياسية بارزة: المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي أسسه الرئيس الحالي، المنصف المرزوقي، والتكتل الديمقراطي، الذي يقوده رئيس الجمعية التأسيسية، مصطفى بن جعفر، والحزب الجمهوري الذي يقوده المخضرم نجيب الشابي. صنفت هذه الأحزاب على معسكر الوسط السياسي، بالرغم من صعوبة التصنيف في ساحة سياسية تعددية وليدة. 
وبدلاً من هذه الاحزاب، فقد صعد حزب جديد، باسم الاتحاد الوطني الحر، بستة عشر مقعداً، يقوده رجل أعمال وثري كبير، إلى المرتبة الثالثة، بدون أن تكون له هوية سياسية محددة أو بنية تنظيمية تقليدية. في الحالتين، ثمة انطباع بأن الساحة السياسية التونسية لم تزل في حالة سيولة، وأن أغلب الكيانات السياسية لم يستقر بعد، سواء في هويته وتوجهه السياسي، أو في قاعدته الشعبية الصلبة. من احتل الموقعين الأول والثاني كان حزب نداء تونس، بخمسة وثمانين مقعداً، وحركة النهضة، بتسعة وستين مقعداً. ولكن، وبغض النظر عن التباين بين الإمكانيات المادية للحزبين، وما يمثله نداء تونس من مصالح ودوائر سياسية، فثمة فرق هام بين الحزبين. لم يزل من المبكر القول بأن نداء تونس يمثل تعبيراً عن بنية حزبية متماسكة؛ وهو أقرب إلى ثلاث كتل سياسية مختلفة بالفعل، منه إلى الحزب الواحد، وربما لن يكون من السهل الحفاظ على تماسكه في مواجهة تجربة الحكم، التي كان لها دور رئيسي في انقسامات التكتل الديمقراطي والمؤتمر من أجل الجمهورية. حركة النهضة، من جهة أخرى، هي الحزب الأعمق جذوراً في كل الساحة السياسية التونسية، والأكبر تراثاً، والأكثر تماسكاً.
يجري في الخطاب الاستشراقي، العربي والغربي، على السواء، وبصورة فادحة، تجاهل تاريخ حركة النهضة الطويل، تضحياتها من أجل حرية تونس وإصلاحها، والدور الهائل الذي تلعبه في أعطاء صوت للملايين من التونسيين، الذي لم يكن لهم من صوت، أو اعتادت نخبة دولة ما بعد الاستقلال تجاهلهم. ما يعاد تكراره في النظر إلى النهضة أنها حزب التيار الإسلامي الأكثر حكمة، الذي تنازل طوعاً عن الحكم، بالرغم من الأغلبية الكبيرة التي تمتعت بها حكومته الإئتلافية، وأنها الحزب الذي يحتفل اليوم بالرغم من هزيمته في الانتخابات. السؤال الآن، حتى إن قبلنا الخطاب الاستشراقي، أن النهضة قامت فعلاً بكل ما تستطيع من أجل إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، فهل سيحافظ الطرف الآخر على مكتسبات الشعب في الحرية والديمقراطية، أو أنه سيخضع أخيراً لسكرة الفوز وضغوط الخارج، ويدفع البلاد نحو حقبة سوداء جديدة كتلك التي عاشتها بين 1989 و2010؟

Last modified في
المشاهدات: 1573
0

في بداية تشرين الأول/اكتوبر، نشر مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث تقريراً حول مستقبل سوق النفط، توقع أن تستقر الأسعار حول 90 دولاراً للبرميل. وبالنظر إلى أن سعر البرميل تجاوز عقب اندلاع حركة الثورة العربية في 2011 أحياناً 120 دولاراً، فقد كان سعر التسعين مثيراً للدهشة بلا شك، سيما أن نصف الكرة الغربي، المستهلك الرئيسي لموارد الطاقة، يوشك الدخول إلى فصل الشتاء البارد، حيث تتزايد معدلات الاستهلاك. مع منتصف الشهر، على أية حال، كان سعر البرميل قد هبط بصورة أكبر، ليراوح حول 80 دولاراً، مطلقاً عاصفة من التحليلات والتعليقات حول الأسباب التي أدت إلى هذا الانهيار السريع والكبير للأسعار، الدول التي ستفيد من هذا الانهيار وتلك التي ستتضرر، وأثر ذلك كله على توازنات القوة في العالم. 
بالرغم من كل الحديث حول الأسس العلمية للاقتصاد الحديث، ودقة مقاييس حركة الأسواق، ليس هناك وجهة نظر واحدة حول الأسباب التي أدت لانهيار أسعار النفط. تقول إحدى وجهات النظر أن المسألة تتعلق بقوى السوق ومتغيرات الإنتاج والاستهلاك حول العالم، ولا شيء خلاف ذلك. هناك أولاً عودة معظم اقتصادات العالم لحالة من الركود، سيما الاقتصادات الأوروبية الرئيسية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واقتصادات بعض من دول بريكس الرئيسية، مثل البرازيل؛ وهو ما ترك تأثيراً ملموساً على معدلات الطلب في السوق العالمية للطاقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة، القوة الاقتصادية الرئيسية في العالم وأكبر مستهلكي الطاقة، عادت من جديد لتصبح المنتج الأول للنفط، متفوقة بذلك على السعودية، بفعل التسهيلات التي وفرتها إدارة أوباما لإنتاج النفط في مناطق لم يكن مسموحاً لشركات النفط العمل فيها، وبفعل التطور الكبير في إنتاج النفط الصخري. أما السبب الثالث فيتعلق بمصادر الطاقة البديلة والدائمة، مثل الطاقة الشمسية وقوة الرياح، التي باتت توفر ما يقارب من 20 بالمائة من حاجة ألمانيا للطاقة و10 بالمائة من حاجة الولايات المتحدة. وبالرغم من أن ليس هناك دولة حققت ما استطاعت ألمانيا تحقيقه في مجال الطاقة المستديمة، فإن دول العالم الأخرى كلها تقريباً باتت تعتمد على الطاقة الشمسية والرياح، بهذه الدرجة أو تلك، لسد جزء من حاجاتها، بما في ذلك الصين، المستهلك الثاني للطاقة بعد الولايات المتحدة، التي أصبحت أكبر منتج للخلايا الشمسية في العالم. ولأن العقوبات الغربية على إيران جرى تخفيفها بالفعل في الشهور القليلة الماضية، نتيجة للتقدم في المباحثات حول برنامج إيران النووي، وأن ليبيا، التي توقفت عن تصدير النفط بصورة ملموسة في العام الماضي، عادت مؤخراً لتصدير ما يقارب 800 ألف برميل يومياً، فإن سوق النفط يشهد فائضاً غير مسبوق.
المسألة، باختصار، كما يقول أصحاب نظرية السوق، تتصل بانخفاض عالمي في معدلات الاستهلاك، ووفرة كبيرة في المعروض النفطي. ولأن دول أوبك الرئيسية، مثل السعودية وإيران، ترفض خفض الإنتاج، سواء لأسباب سياسية أو لسعي كل منها للحفاظ على حصته في السوق وعلى المستهلكين المرتبطين به، فإن هذا الوضع مرشح للاستمرار. ولكن وجهة النظر هذه لا تقدم تفسيراً مقنعاً للفترة الزمنية القصيرة التي شهدت انهيار الأسعار، ولا تأخذ في الاعتبار الانتعاش الاقتصادي الملموس في الولايات المتحدة وبريطانيا، واستمرار معدلات النمو العالية في الصين، ولا تشير إلى الأزمات بالغة التعقيد في سوريا والعراق واليمن، ولا إلى التناقض الصارخ بين انخفاض الأسعار وتوقعات زياد الاستهلاك الموسمية، التي تسبق بداية فصل الشتاء. 
وقد ولدت مثل هذه الانتقادات وجهة نظر أخرى. تقول وجهة النظر هذه أن معايير العرض والطلب التي يذكرها أصحاب نظرية السوق صحيحة عموماً، ولكنها تعبر في معظمها عن متغيرات بطيئة وبعيدة المدى، ولا تكفي لتقديم تفسير كاف للانهيار الفادح في الأسعار، التي يمكن حتى أن تستمر في الهبوط لما تحت الثمانين دولاراً للبرميل. السبب الحقيقي، يؤكد هؤلاء، يعود إلى توافق عربي – أمريكي لإيقاع ضرر بالغ باقتصاديات دول مثل إيران وروسيا، شبيه بتوافق الثمانينات، الذي هبط بأسعار النفط إلى مستوى كاد يقوض اقتصاد الاتحاد السوفياتي وإيران، وساهم في النهاية في الإسراع بالانسحاب السوفياتي من أفغانستان وقبول طهران بوقف إطلاق النار في الحرب مع العراق. ويشير هؤلاء إلى أن رفض السعودية، المنتج والمصدر الرئيسي، خفض الإنتاج، دليل واضح على الدافع السياسي لانهيار الأسعار، سيما أن السعودية ودول الخليج العربية، التي تتمتع بفائض مالي هائل، لن تتأثر بصورة كبيرة بهذا الانهيار. هذا، فيما يقول المدافعون عن الموقف السعودي، أن الانخفاض الملموس للأسعار يستبطن سعياً سعودياً لتعزيز وضع أوبك الاستراتيجي؛ ذلك أن وصول السعر إلى مستوى معين سيؤدي إلى توقف قطاع كبير من إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة ودول أخرى، بعد أن تصبح تكلفة إنتاجه أعلى من السعر العالمي لنفط أوبك. 
ليس من السهل حسم هذا الجدل حول اعتبارات السوق والاعتبارات السياسية. ولابد، ربما، من مرور بعض الوقت، لملاحظة حركة السوق، من ناحية، وتوفر مزيد من الأدلة، من ناحية أخرى، قبل أن يمكن تحديد كل من نصيب السوق ونصيب السياسة. ولكن ثمة جوانب في المسألة النفطية ليست محل جدل. أولها، أن الأغلبية العظمى من منتجي النفط ستتأثر بانخفاض الأسعار، بما في ذلك دول أوبك العربية ذات الفائض المالي الكبير. المعروف، بالطبع، أن الدول المنتجة تضع قيمة دخلها النفطي في ميزانياتها على أساس أسعار أقل من سعر السوق، بهذه الدرجة أو تلك. ولكن حتى فنزويلا التي تحدد ميزانيتها على أساس سعر الستين دولاراً، ستتأثر.
والسبب أن هذه الدول تستخدم عادة جزءاً ملموساً من الفائض في الميزانية للاستجابة لمطالب قاعدتها الشعبية، كما في فنزويلا، أو لتحقيق أهداف سياسية، كما هي المساعدات الكبيرة التي قدمتها السعودية والإمارات والكويت لمصر بعد 3 يوليو/ تموز 2013، أو لإثراء مسؤولين كبار في الدولة ونظام الحكم. وأن ظلت أسعار النفط عند الثمانين دولاراً، أو انخفضت عن ذلك، فالمؤكد أن أغلب دول أوبك ستعاني من عجز متفاوت في ميزانياتها، وتضطر للسحب من استثماراتها المالية الاستراتيجية لمقابلة هذا العجز.
هناك بالتأكيد دول ستفيد من تراجع الأسعار، سيما الدول المستهلكة الرئيسية لموارد الطاقة، مثل الصين ودول أوروبا الغربية وتركيا. بيد أن ما لا يتطرق إليه شك أن إيران وروسيا ستكونان الخاسرتين الكبريين. إيران لأنها لم تزل تعاني من جزء من نظام العقوبات الغربية، وفي حاجة ملحة لأسعار نفط عالية لمتطلبات أنفاقها العسكري المرتفع نسبياً، تورطها المتزايد في الأزمات الإقليمية، سيما سوريا، والعلاج الملح لجوانب القصور الهائلة والمستمرة منذ سنوات طويلة في بنيتها التحتية. وروسيا لأن العقوبات الغربية التي فرضت عليها بفعل تدخلها في الأزمة الأوكرانية باتت تشكل عبئاً ثقيل الوطأة على نظاميها المالي والاقتصادي، ولحاجتها الملحة هي الأخرى لمقابلة تكاليف الانفاق العسكري والبنية التحتية وتجديد الآلة الصناعية المتهالكة. صحيح أن روسيا تحتفظ بما يزيد عن 300 مليار دولار من الفائض المالي، ولكن الصحيح أيضاً أنها أنفقت ما يزيد عن 50 مليار دولار في الشهور القليلة الماضية لمنع انهيار كبير في سعر الروبل، بكل ما لذلك من عواقب على مستويات التضخم الاقتصادي. 
وربما كانت البراغماتية الواضحة التي أبداها الروس مؤخراً حول أوكرانيا ذات صلة وثيقة بالصعوبات المالية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، والتي أخذت في المس بأوضاع المواطنين الروس. وليس ثمة شك في أن أزمة أسعار النفط، ومهما كانت الأسباب التي أفضت إليها، تلقي ضوءاً جديداً على خارطة القوة في العالم. فروسيا وإيران في النهاية ليست سوى دولتين نفطيتين، بمقدرات غير نفطية محدودة إلى حد كبير؛ ومن المبالغة تصور قدرة كل منهما على البروز كقوة عالمية منافسة، أو قوة إقليمية مهيمنة.

Last modified في
المشاهدات: 853
0

أضيفت من قبل في ضمن مقالات

نهاية حقبة بدون أن تتضح ملامح الأخرى بعد

ليس ثمة حدث مزلزل، حدث مولد للحروب والاضطرابات وعدم الاستقرار، مثل انهيار نظام إقليمي اكتسب شرعية ما أو اعتادت عليه الشعوب بمرور الزمن. حكمت أوروبا من القرن العاشر حتى السابع عشر باسم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، عندما اندلعت في 1618 سلسلة من الحروب الطاحنة، اجتاحت جنبات القارة واستمرت ثلاثين عاماً. كانت الإمبراطورية قد فقدت سلطتها الفعلية على معظم القارة، التي توزعت إلى كيانات تحكمها سلالات ملكية، أو إمارات، قبل ذلك بزمن طويل. ولكن الإمبراطورية، التي ظلت طوال سبعة قرون تمثل الإطار الشرعي لنظام القارة، فقدت في النهاية معنى وجودها، سواء بفعل التنافس بين الملوك والأمراء، أو الانقسامات الدينية التي ولدتها الحركة البروتستانتية في النصف الثاني من القرن السابق، السادس عشر. ويقدر مؤرخو أوروبا أن القارة فقدت ما يقارب الأربعين بالمئة من سكانها في حرب الثلاثين عاماً، ولم تتوقف سلسلة الحروب والهجرات وعواصف الموت والدمار إلا بعد توقيع أطرافها معاهدة وستفاليا، التي أسست لنظام الدولة – الأمة، وحدود الدول وسيادتها.
المشرق الإسلامي الكبير، الذي يشكل المشرق العربي قطاعاً كبيراً من امتداده الجغرافي، تعرض لمثل هذا الزلزال خلال الحقبة الطويلة التي تلت انهيار الخلافة العباسية في بغداد بفعل الغزو المغولي في 1258. كان المركز العباسي هو الآخر فقد سلطته المباشرة على معظم العالم الإسلامي قبل الغزو المغولي بعدة مئات من السنين، سواء في جناحه الآسيوي أو الإفريقي، وتقاسمت السلطة في المجال العباسي إمارات جند، أو سلالات متفاوتة القدرة على الاستمرار. ولكن الخلافة العباسية ظلت مصدر الشرعية، والإطار المرجعي لبلاد مترامية الأطراف، باسمها صعد الأمراء للحكم وتأسست السلالات ونظمت الغزوات، حتى بدون أن يكون للخليفة في بغداد من دور يذكر في تحولات الحكم والسلطة. انتقلت الخلافة من بغداد إلى مصر المملوكية، وظل الخليفة، بصورة رمزية تماماً، يضفي شرعية ما على الحكم السلطاني المملوكي، الذي سيطر على مصر ومعظم بلاد الشام حتى قدوم العثمانيين في 1516. ولكن، ولأن القوى التي برزت في ساحة المشرق بعد انهيار بغداد لم تكن معنية بخلافة القاهرة، أوقع انهيار خلافة القرون الخمسة زلزالاً سياسياً واجتماعياً – اقتصادياً هائلاً وحالة فقدان توازن في كل أنحاء المشرق، استمرت لثلاثة قرون متتالية.
استقر الحكام المغول الجدد في فارس، وأداروا العراق باعتباره ولاية. وبالرغم من الهزيمة التي تلقاها المغول على يد المماليك في عين جالوت، لم يتوقفوا عن محاولة السيطرة على الشام. بعد قليل من سقوط بغداد، اعتنق السلطان المغولي غازان (حكم 1295 – 1304) الإسلام، وتحول الصراع مع المماليك، الذي دارت رحاه في منطقة الجزيرة، إلى صراع شرعية إسلامية. كان إسلام غازان، بصورة عامة، سنياً، ولكن خليفته، أولجايتو محمد (حكم 1304 – 1313)، تشيع، وحاول فرض التشيع بالقوة على الأغلبية السنية في العراق وفارس؛ وهو ما ولد ردود فعل غاضبة واضرابات واسعة في مدن العراق وفارس. بنهاية حكم السلطان أبي سعيد، 1336، انهارت السلطة المغولية، وسيطر على العراق وآذربيجان وبلاد الكرد الجلائريون، الذين انحدروا من أصول مغولية كذلك. ولكن هؤلاء لم يستطيعوا الاستمرار في الحكم إلا حتى 1380، عندما برزت سلالة تركمانية باسم قاراقونيلو في أذربيجان وعملت على بسط سيطرتها على العراق وجزء من الأناضول وفارس. في 1468، نجحت أسرة تركمانية أخرى، الآقونيلو، في إطاحة سابقتها وحكمت أذربيجان ومعظم العراق وشرق الأناضول، إلى أن نجح إسماعيل الصفوي في تأسيس حكم أسرته في تبريز في 1501، والتوسع سريعاً في العراق وأفغانستان. عمل الصفويون، الذين جمعوا بين التصوف ومعتقدات غلو شيعي، على التوسع في الأناضول، الحديقة الخلفية ومركز الثقل التركي للعثمانيين، مما أدى إلى اندلاع صراع عثماني – صفوي طويل، افتتح بهزيمة الصفويين في غالديران في 1514، ثم خسارتهم للعراق في 1534. وبسيطرة العثمانيين على معظم المشرق، وضعت أسس شرعية جديدة، وأقيم استقرار نسبي، استمر إلى الحرب العالمية الأولى.
تسببت الحروب وصعود السلالات السريع وانهيارها، والصراعات الطائفية، في موجهات هجرة متتالية لسكان المشرق. وعجز السلطات، التي لم تستطع توطيد حكمها لفترات طويلة، عن حراسة الأمن. أصبح المشرق ساحة لهجرة العشائر التركمانية والعربية، الباحثة عن موطن وفرة اقتصادي، وتحولت العشائر في بعض المناطق إلى سلطات ومراكز قوة، كما حدث في حالتي عبادة وخفاجة في جنوب العراق، وإمارة المنتفق في أسفل الفرات، وآل مهنا من طي في الجزيرة. وإلى جانب التطرف والغلو الصفوي، ولدت جماعات أكثر غلواً، مثل دولة المشعشعين في خوزستان، التي اتخذت من الهويزة عاصمة لها. وكان طبيعياً أن تتسبب حالة الحرب والقلق وعدم الاستقرار في انهيار أنظمة ري قديمة، وتدهور الزراعة والحرف، وانحدار المشرق نحو حقبة من الانحطاط الاقتصادي ثقيل الوطأة.
اليوم، ثمة مؤشرات متزايدة على أن النظام المشرقي الإقليمي، الذي ولد من الهزيمة العثمانية في الحرب الأولى وسيطرة الإمبرياليتين البريطانية والفرنسية، لم يعد قابلاً للاستمرار. الصحيح، بالطبع، أن القوى الخارجية هي من صنع وتوافق على هذا النظام، وأن شعوب المشرق لم يكن لها من دور يذكر في تشكله؛ بل أن الأغلبية الشعبية في نهاية الحرب الأولى كانت ترغب في نظام مختلف عن ذلك الذي فرض عليها، وقد عبرت عن أمنياتها بوضوح لا لبس فيه. وليس من السهل، سيما لمعاصري الحدث، أن يعينوا لحظة بداية انهيار النظام الإقليمي: هل هي الغزو الأميركي للعراق، وما تسبب به الغزو من خلل في ميزان القوى الإقليمي وتشظي الهوية الوطنية العراقية؟ هل هي حركة الثورة العربية، واستعصاء أنظمة الحكم الاستبدادية على التغيير؟ هل هي اللحظة المواكبة للصعود الإيراني، وما أطلقه هذا الصعود من توتر طائفي في معظم أنحاء المشرق؟ أو هي حتى أعمق من ذلك كله بكثير، وتعود إلى الطبيعة غير السوية للنظام منذ لحظة تشكله؟ ليست الإجابة على هذا السؤال ضرورية للمؤرخ وحسب، ولكنها بالغة الأهمية لصانع السياسة، ذي العلاقة المباشرة بالمجريات الراهنة، كذلك. ولكن الجدل حول حقيقة هذه اللحظة وأصولها ليس موقعه هذا المكان، على أية حال. 
المهم، أن المشرق، والعالم كله، يشهد الآن عجز دولتين، مثل سوريا والعراق، تمثلان ركنين بالغي الأهمية لاستمرار النظام الإقليمي، بصورة فادحة، عن بسط سيطرتهما على الأرض والحدود والشعب. ويعاني لبنان واليمن انحطاطاً حثيثاً لقوة الدولة، بصفتها مؤسسة الحكم المركزي ومستودع القوة الباطشة الرئيس. ويواكب انحدار الدولة المركزية، صعود غير مسبوق لتنظيمات سياسية أو جماعات مسلحة، أو قوى تجمع بين الأيديولوجيا والسلاح. ولأن النظام لم يعد قادراً على فرض إرادته أو كسب ولاء شعبه، تتقدم الولاءات الدينية والطائفية والإثنية الصغرى على حساب الوطني، بصورة باتت تقوض الجماعات الوطنية، كما هي حالة أكراد سوريا والعراق، وتركمان العراق، وانفراط عقد الميثاق اللبناني بطوائفه المتعددة، واندلاع صراعات سنية – شيعية في أغلب البلدان ذات التعدد الطائفي.
يمكن الجدل، بالطبع، بأن القوى الغربية التي صنعت النظام المشرقي قبل مئة عام يمكنها اليوم، بطائراتها وصواريخها، أن ترممه من جديد. ألم تنجح الولايات المتحدة مؤخراً في إقامة تحالف دولي واسع، يعمل على إيقاع الهزيمة بداعش وتحرير ما تبقى من العراق وسوريا من الخطر الذي تمثله؟ المشكلة في وجهة النظر هذه أنها تغفل حقيقة أن غرب اليوم لم يكاد يشبه عنفوان غرب مطلع القرن العشرين، وأن حجم انهيار نظام ما بعد الحرب الأولى، ولا ترى استعصاء وتداخل أزماته، سواء تلك التي تتعلق بالاستبداد، الطائفية، اصطدام طموحات القوى الإقليمية، أو تحلل الولاء الوطني. هذه ليست مؤشرات فشل دولة أو عدة دول، بل فشل النظام الإقليمي كله. وعندما يبدأ النظام الإقليمي في الانهيار، سواء لفقدانه أسس الشرعية أو عجزه عن الاستجابة لطموحات الشعوب والجماعات، ينتشر عدم الاستقرار والقلق كالعدوى، وتتوالد الحروب بإرادة وعدم إرادة صانعيها. بصورة أو أخرى، يدخل المشرق اليوم مناخاً أشبه بحقبة ما بعد الانهيار العباسي، أو بحرب الثلاثين عاماً الأوروبية. ليس بالضرورة أن تستمر هذه الفترة قروناً أو عقوداً، ولكنها بالتأكيد لن تنتهي بدون توصل شعوب المشرق إلى توافق جديد، أو بروز قوة حاسمة، تفرض نظاماً بديلاً بأدوات البطش أو النفوذ المعنوي والأخلاقي.

Last modified في
المشاهدات: 827
0

عجت تركيا، منذ أن أصبح واضحاً أن رجب طيب إردوغان سيكون مرشحاً لخوض معركة الانتخابات الشعبية المباشر لرئاسة الجمهورية، بالتوقعات المنذرة بما هو أسوأ. وفي خضم الصراع السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد منذ صيف 2013، لم يكن من السهل دائماَ التفريق بين الشائعات السياسية والتوقعات العقلانية المحتملة. معظم هذه التوقعات/ الشائعات، تبدد الآن، بعد أن شهدت البلاد انتقالاً سلساً للسلطة. ولكن هذا لا يعني أن الطريق إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة، المقررة مطلع صيف 2014، سيكون سهلاً وخالياً من التحديات.


يحكم حزب العدالة والتنمية تركيا، من خلال حكومة منفردة، منذ نهاية 2012. ويسيطر الحزب على مقاليد الحكومة، متمتعاً بأغلبية برلمانية مريحة؛ وعلى رئاسة الجمهورية، منذ 2007، عندما فاز عبد الله غل بأصوات الأغلبية البرلمانية التي وضعته في قصر جانكايا لسبع سنوات. ولم يكن مدهشاً بالتالي أن تعيش أحزاب المعارضة حالة مختلطة من الآمال والتمنيات بسقوط الحزب، الذي استطاع الفوز طوال الإثنتي عشرة سنة الماضية في كل معركة انتخابية خاضها، برلمانية، محلية، أو استفتاء شعبي مباشر. ولأن إردوغان، رئيس الحزب ورئيس الحكومة، أصبح الشخصية المهيمنة على السياسة التركية، وأن موقعه يحتل مركز عملية الانتقال السياسي التي تفرضها انتخابات رئاسة الجمهورية، أصبح هو أيضاً هدف تمنيات المعارضين وتوقعات الأسوأ للعدالة والتنمية، لحكومته، ولرئيسه وعلاقات قادته. قيل، في البداية، أن عبد الله غل ليس سعيداً بترشح إردوغان للرئاسة، وأنه لن يوشك أن يعلن عزمه هو الآخر الترشح وخوض الانتخابات ضد رفيقه السابق في تأسيس وقيادة العدالة والتنمية. وعندما اتضح أن غل سيفسح المجال لإردوغان، ذهب حزبا المعارضة الرئيسيان، الشعب الجمهوري والحركة القومية، إلى توافق غريب، بالرغم من الاختلافات الجوهرية بين معتقدات الحزبين والقاعدتين الجماهيرتين اللتين تدعم كلاً منهما، وقررا تسمية مرشح واحد لهما في مواجهة إردوغان. وفي سلوك ذرائعي لم يخف على الناخب التركي، أعلنت المعارضة أكمل الدين إحسان أوغلو، السكرتير العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، الذي ينظر إليه في بعض الدوائر التركية باعتباره شخصية محافظة، أقرب إلى صورة العدالة والتنمية منه إلى ميراث حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية، مرشحاً لها.


ولأن القوميين الأكراد قرروا أيضاً التقدم بمرشح رئاسي، بنيت حسابات المعارضة على أن معركة الانتخابات لن تحسم من الدورة الأولى، وأن ثمة فرصة لإيقاع هزيمة بإردوغان في الدورة الثانية. المشكلة أن إحسان أوغلو خاض معركة انتخابية هزيلة، ليس فقط لأنه عجز عن عقد لقاء جماهيري واحد، ولكن أيضاً لأنه بدلاً من منافسة إردوغان على رصيده المحافظ، ذهب يميناً وشمالاً ليؤكد لأنصار الشعب الجمهوري والحركة القومية أنه في الحقيقة لا يختلف عنهما، لا في التزامه العلماني الراديكالي، ولا في تبنيه للأسس القومية الحصرية للجمهورية. وبذلك، انتهى أوغلو إلى الفشل في إقناع الأغلبية بمصداقية مؤهلاته لموقع الرئاسة، وحقق إردوغان الفوز من الجولة الأولى. وهنا، بدأت توقعات من نوع آخر. فمنذ ما قبل الانتخابات الرئاسية، كانت الأدلة تتزايد على أن إردوغان – وأغلبية كادر العدالة والتنمية – يسعى لترشيح أحد أبناء الجيل الثاني لخلافته في رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة، وأن هذا المرشح سيكون د. أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية النشط وبالغ التأثير. ما قيل عندها أن عبد الله غل في طريقه للعودة إلى الحزب، وأن أنصاره من القوة بحيث سيرجعونه لقيادة الحزب والحكومة، وأن أية محاولة لمقاومة هذا التوجه ستؤدي لانقسام العدالة والتنمية ونهاية سيطرته على الساحة السياسية.

ولكن، ما إن عقد العدالة والتنمية مؤتمره الطارىء، حتى حصد داوود أوغلو الاغلبية العظمى من أصوات المندوبين، وشهدت تركيا في اليوم التالي تسليم رئاسة الجمهورية في أجواء بالغة الاحترام والتقدير، انسحاب غل لحياته الخاصة، وتسلم داوود أوغلو رئاسة الحكومة بسلاسة فائقة. خلال أيام قليلة، أعلن داوود أغلو تشكيل حكومته الأولى، وتقدم للبرلمان ببرنامجه، ليحوز على ثقة الأغلبية البرلمانية.


داوود أغلو أستاذ جامعي سابق، عالم سياسة ذو اهتمام كبير بتاريخ تركيا والمشرق، وواحد من أبرز مثقفي تركيا ومفكريها السياسييين. وقد تلقى منذ التحاقة المبكر بحكومة العدالة والتنمية تدريباً مميزاً في إدارة شؤون الحكم، بحكم قربه من وصلاته الوثيقة بدائرة صنع القرار. بهذا المعنى، لابد أن يعتبر داوود أوغلو أول رئيس حكومة بهكذا خلفية في تاريخ المشرق الحديث، وليس تركيا وحسب. ولكن الانتقال السلس للسلطة من إردوغان لداودأوغلو، ووحدة الحزب من خلفه، والترحيب الشعبي الملموس بخلافته لإردوغان، لا يعني أن الطريق أمامه مفتوح بلا تحديات. خلال أقل من عام، ستقف تركيا أمام الاستحقاق الانتخابي البرلماني، وعلى داوود أوغلو إثبات جدارته بقيادة العدالة والتنمية إلى الفوز من جديد؛ وليس أي فوز، بل فوزاً يمنح حكومته من الشرعية ما يكفي لفتح الملف الأكبر أمام البلاد: إعداد دستور جديد للجمهورية. كان الدستور الجديد أحد الوعود التي حملها برنامج الحزب الانتخابي في برلمانيات 2011؛ ولكن إيكال المهمة للجنة برلمانية توافقية، بهدف تحقيق إجماع وطني حول مسودة الدستور المأمولة، انتهت بعد عام كامل من العمل إلى الفشل.

...
Last modified في
المشاهدات: 797
0

واحدة من حسنات داعش القليلة أن اندفاعتها السريعة في شمال العراق أدت إلى إطاحة رئيس الحكومة العراقية الكريه نوري المالكي. والحق، أن إطاحة المالكي، الذي وصل به الغرور والثقة بالنفس أن تصور أنه سيحكم العراق إلى القبر، تمت بصورة مهينة؛ لابد أن تعتبر درساً لكل الطغاة من بعده. في لحظة واحدة، وجد المالكي نفسه مطروداً من رحمة مراجع النجف، الذين حاول طويلاً أن يجعل منهم مرجعية للعراق كله، من الحلفاء الأمريكيين، الذين جاءوا به إلى المنصب من قبل، ومن إيران، التي ألقى إليها بمعظم أوراق العراق الداخلية والإقليمية. وبالرغم من أنه، بقصر نظر ليس غريباً عليه، حاول لعدة أيام أن يقاوم هؤلاء جميعاً، وأن يستدعي الشرعيات الانتخابية والدستورية، التي سبق له الاستهتار بها أو الالتفاف عليها، إلا أنه سرعان ما أفاق إلى أن ليس الحلفاء الدوليين والإقليميين وحسب، ولكن حتى أعضاء قائمته الانتخابية، قد قلبوا له ظهر المجن. والواضح، على أية حال، أن رئيس الحكومة المقبل، حيدر العبادي، وصل إلى الحكم، كما المالكي من قبله، ليس بأصوات العراقيين وإرادتهم، ولكن بتوافق إقليمي ودولي، يقع التفاهم الأمريكي – الإيراني في القلب منه. ولكن هذه ليست السمة الوحيدة لرئاسة العبادي.
ينحدر رئيس الحكومة الجديد من ذات الخلفية التي انحدر منها رئيس الحكومة السابق، ورئيس الحكومة الذي سبقه. مثل المالكي والجعفري، تكونت رؤية العبادي للعراق من خلال ثقافة حزب الدعوة؛ ومثلهما، أصبح أكثر طائفية خلال السنوات التي تلت فشل انتفاضة 1991 ضد حكم صدام حسين. ومنذ تولى المالكي الحكم، كان العبادي، بصورة أو أخرى، وثيق الصلة برئيس الحكومة؛ كما أنه انتخب لعضوية البرلمان على قائمة المالكي: دولة القانون. لم يعرف عن العبادي، حتى ذلك اليوم القريب الذي تداول فيه الإيرانيون والأمريكيون اسمه، وسعوا إلى تقديمه للسعودية ودول الخليج وحلفاء واشنطن الأوروبيين، معارضة أي من سياسات المالكي، بما في ذلك تلك التي جرت على العراق وشعبه كوارث تفاقم الانقسام وتصاعد العنف. وكما المالكي والجعفري، حافظ العبادي، طوال السنوات من احتلال العراق وعودته من منفاه البريطاني، عل علاقات وثيقة بإيران ومسؤوليها، وإن لم ينظر إليه من قبل في طهران باعتباره أحد رجال الصف الأول. ولا يقل أهمية في صعود العبادي المفاجىء، أنه يصل لموقعه عبر بوابة المحاصصة الطائفية، التي أقيمت على أساسها دولة ما بعد الغزو والاحتلال؛ ليس فقط لأن القوى السياسية الشيعية أصرت على أن يكون خليفة المالكي شيعياً، ولكن أيضاً لأن معظم الفترة بين تسمية العبادي والإعلان عن تشكيل حكومته استهلك في توزيع مقاعد الوزارة بين الطوائف والجماعات الإثنية.
كانت هذه أيضاً هي الشروط التي جاءت بالمالكي لرئاسة الحكومة قبل ثماني سنوات، ودفعت به، أو وفرت له الظروف التي ساعدت على أن يصبح طاغية، يطبق سياسات تمييزية، ويسعى لإقرار هيمنة طائفية، من جهة، وهيمنته الشخصية والمجموعة الملتفة حوله، من جهة أخرى، على مقدرات البلاد وقرار الدولة. في ظل هذه السياسات، انفجرت العلاقة بين بغداد وحكومة إقليم كردستان، وتداعت الأزمة بين محافظات الأغلبية السنية ونظام المالكي إلى الصدام المسلح، الذي لم يزل مستمراً، وفتح المجال لتوسع داعش وسيطرتها على معظم شمال العراق العربي. وتحت هذه الشروط، ليس من المستبعد أن ينتهي العبادي إلى ما انتهى إليه المالكي، وإن بات يحكم عراقاً تقلص كثيراً عن العراق الذي تسلم مقاليده المالكي في 2006. إن كان للعراق أن ينقذ من الهوة التي دفع إليها بفضل سياسات المالكي وتحالفاته، فعلى العبادي والقوى السياسية العراقية التي تقف خلفه أن ترى الشروط التي جاءت به للحكم وأن تعمل على إصلاح شامل لبنية الدولة العراقية ومراجعة جذرية لسياسات الحكومة المركزية.
ما يجب على العبادي وحكومته، أولاً، أن يستجيب لمطالب الحراك الشعبي، التي أعلنت في مطلع العام الماضي، ومثلت الحد الأدنى مما كان يجب القيام به لوضع نهاية لسياسات التمييز الطائفية، ورفض المالكي الاستجابة لها. والاستجابة لكل هذه المطالب، بما في ذلك الإفراج عن النساء، والمعتقلين بدون أحكام، وإصلاح أوضاع جهاز الشرطة، ووقف تدخلات الجيش في الحياة المدنية للمحافظات ذات الأغلبية السنية ..إلخ. استجابة العبادي السريعة لمطالب الحراك الشعبي، ستؤكد حسن نية الحكم الجديد، وتفتح الباب لإعادة بناء العلاقة بين الحكومة المركزية وقطاع واسع من الشعب العراقي. يخطىء العبادي والقوى السياسية الشيعية إن تصوروا أن الشراكة مع القوى والقوائم السياسية السنية في تشكيل الحكومة يعتبر كافياً لصناعة الاستقرار وصناعة انطباع وطني حول الحكومة الجديدة. الحقيقة، أن أغلبية الشارع العراقي السني فقدت الثقة في السياسيين السنة؛ وهو ما انعكس على الانخفاض الفادح في نسبة من أدلى منهم بصوته في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وليس السنة وحسب، بل أن أغلبية الشعب العراقي تنظر الآن إلى الطبقة السياسية باعتبارها مجموعة حاكمة، مغلقة، تتمتع بجملة امتيازات قانونية وغير قانونية، ولا تحرص إلا على تقاسم المغانم ومواقع القوة والقرار. 
بيد أن هذه مجرد خطوة أولى، ينبغي أن تتبعها جملة خطوات، تتصل بالسياسات وبنية الدولة ونظام الحكم، على السواء. كان القانون، خلال العقد الماضي، أحد الأدوات التي استخدمت للإطاحة بالمعارضين وتعزيز البنية الطائفية للنظام. استخدم قانون اجتثاث البعث، على سبيل المثال، للإطاحة بآلاف الأكاديميين والضباط والدبلوماسيين وموظفي الخدمة المدنية والقضاة من السنة العرب. كما استخدمت قوانين مكافحة الإرهاب لملاحقة السياسيين المعارضين، بما في ذلك رجال الدولة وشركاء العملية السياسية، مثل طارق الهاشمي، أو تهديدهم وابتزازهم. كما سيطر نظام المالكي بصورة مفضوحة على الجهاز القضائي، بما في ذلك أعلى محاكم البلاد. ولم تسمح هذه السيطرة لخدمة سياسات تمييزية وحزبية وحسب، ولكن أيضاً لحماية شبكة فساد ونهب وتحكم في مقدرات الدولة والبلاد، بحيث لم تزل الأغلبية من العراقيين العرب، شيعة وسنة، تعيش ظروف حياة لا يمكن أن تقارن بحجم موارد البلاد الهائلة. ولكن الأهم من ذلك كله، وما يتطلب بناء رأي عام عراقي لتحقيقه، أن العراق لا يمكن له أن يستقر ويتقدم ببدون إعادة بناء الدولة على أساس من المواطنة والنظام الديمقراطي.
ليس ثمة ما يشير إلى وجود نظام محاصصة طائفي – إثني في الدستور العراقي الحالي. ولكن الدولة العراقية الجديدة بنيت من اللحظة الأولى، أو منذ تشكيل مجلس الحكم، على استبطان المحاصصة، وعلى فرضيات أغلبية طائفية وإثنية. وهكذا، وبالرغم من إحجام الحكومات السابقة عن إجراء تعداد سكاني، فقد وزعت الحصص البرلمانية على أساس من فرضيات الأغلبية والأقلية، وشكلت الحكومات، وقوات الجيش، وبيروقراطية الدولة، والجهاز القضائي، على الأساس نفسه. بدون التخلص من نظام المحاصصة، إجراء تعداد سكاني شفاف، وتعديل دستوري واسع، لا يمكن للعراق أن يستقر. والحقيقة، أن دولة في المشرق العربي – الإسلامي لم تعرف مثل هذا النكوص عن دولة المواطنة إلى دولة المحاصصة، بعد أكثر من تسعين عاماً على ولادتها، كما حصل في العراق. وكما أن نظام الانقسام والمحاصصة دفع لبنان إلى سلسلة من الحروب الأهلية، والمستمرة إلى الآن، فمن الواضح أن نظاماً شبيهاً لن يأتي إلا بنتائج مشابهة في العراق. بيد أن من الضروري ملاحظة الدور الذي تلعبه القوى السياسية، التي شكلت في أغلبها بأفق طائفي، في تكريس نظام الانقسام والمحاصصة. ومن الواضح أن بناء نظام جديد، لن يصبح ممكناً بدون أن يعاد بناء القوى السياسية على أسس وطنية.
ما عمل على إطاحة المالكي وأفسح مجالاً لتشكيل حكومة جديدة، بأفق ورئيس جديدين، كان بالطبع الأزمة الهائلة التي أخذ العراق يواجهها منذ اندلاع القتال في الأنبار، انسحاب الأكراد من الحكومة المركزية، وسيطرة داعش السريعة على الشمال. لمواجهة الأزمة، لن يكفي تشكيل حكومة إئتلاف وطني، بل لابد من حشد القطاع الأكبر من الشعب، سيما في محافظات الأغلبية السنية، خلف الحكومة الجديدة. ولكن أحد أبرز الأسئلة التي ينبغي على العبادي وحكومته مواجهتها ما إن كان مقنعاً دعوة العرب السنة للمشاركة في مواجهة الأزمة ومكافحة الإرهاب، بينما تحتضن الحكومة، وتشجع، جماعات إرهابية شيعية؟

Last modified في
المشاهدات: 826
0

طوال أسابيع من الحرب والمفاوضات، حرصت أصوات القيادات الفلسطينية المختلفة، سواء في حماس والجهاد أو سلطة الحكم الذاتي وحركة فتح، على توكيد وحدة الموقف الفلسطيني: الموقف من العدوان الإسرائيلي وإدارة الحرب والموقف في المفاوضات. يوم السبت الماضي، 30 آب/أغسطس، خرج السيد محمود عباس، زعيم حركة فتح ورئيس سلطة الحكم الذاتي، ليحمل حماس مسؤولية دمار قطاع غزة، مشيراً إلى أن الحركة كان بإمكانها تجنب مثل هذا الدمار لو أنها وافقت مبكراً على المبادرة المصرية. لم يكن لأحد أن يستغرب تصريحات عباس، بالرغم من أنها جاءت سريعاً بعد النهاية المفترضة للحرب، التي توصل لها الوفد الفلسطيني الموحد بعد مفاوضات شاقة. السرعة في ردة عباس على وهم «وحدة الموقف الفلسطيني» هي المدهشة، ولكن الردة نفسها ليس فيها ما يثير الدهشة. فبالرغم من المصالحة الفلسطينية، التي أعادت الوحدة السياسية بين قطاع غزة والضفة الغربية، ومشهد التوافق الاستعراضي في الحرب والمفاوضات، بل وموافقة القوى الفلسطينية المختلفة على اتفاق نهاية الحرب الذي يتضمن عودة كاملة للسلطة إلى قطاع غزة وعودة إشرافها على المعابر وإدارة عملية إعادة البناء في القطاع، فمن الواضح أن هشاشة بنية الحركة الوطنية الفلسطينية لم تعالج بعد. هذا إن تصورنا أن بالإمكان علاجها فعلاً.


كان الاضطرار، وليس أي شيء آخر، هو ما دفع حماس والسلطة الفلسطينية إلى اتفاق المصالحة. يعود اضطرار حماس إلى تفاقم الحصار العربيالإسرائيلي على قطاع غزة، بعد التحول السياسي الكبير في مصر، الذي أطاح الرئيس مرسي وجاء إلى الحكم بنظام لم يخف عداءه لحماس ولكل قوى التيار الإسلام السياسي في الإقليم. ما تصورته حماس، بالرغم من أن التفاوض حول المصالحة لم يكن جديداً، وقد خطا بالفعل خطوات ملموسة أثناء حكم الرئيس محمد مرسي، أن المسارعة بالمصالحة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، قد يفتح نافذة أوسع للقطاع وأهله نحو مصر. وحتى إن لم تغير دولة الاحتلال موقفها من القطاع، فإن النافذة المصرية قد تكفي لتخفيف معاناة أهالي القطاع المحاصر. أما قيادة سلطة الحكم الذاتي، ورئيس السلطة على وجه الخصوص، فكان اضطرارها من نوع آخر. أراد أبو مازن المصالحة بعد أن أدرك أن محاولة إدارة أوباما الثانية لدفع مسار التفاوض إلى الأمام، التي قادها وزير الخارجية كيري، بدون إيمان عميق بجدواها من الرئيس الأمريكي، لم تصل، ولن تصل، إلى نتيجة، وأن السلطة باتت تواجه جداراً مسدوداً في المفاوضات حول التسوية، التي ألقت في سلتها بكل أوراقها. وأراد المصالحة، فوق ذلك، لأنه استشعر خطراً داهماً من الدعم الإماراتي – المصري المتزايد لمحمد دحلان، وتلويح نتنياهو المتكرر بإمكانية أن تنقل الدولة العبرية دعمها لدحلان. يدرك أبو مازن، بالطبع، أن سلطة الحكم الذاتي، حتى بعد عشرين سنة على تأسيسها، لم تزل أسيرة الإرادة الإسرائيلية، وفي حال اتجهت حكومة نتنياهو إلى دعم دحلان، فإن الخطر لن يتهدد رئاسة عباس وحسب، بل وكل طبقة السلطة والامتيازات التي تتمتع بها.


بيد أن ذلك لا يعني أن المصالحة كانت خياراً سيئاً في جوهره. الحقيقة، أن التصور الإسرائيلي لمستقبل الصراع على فلسطين يستند، في هذه المرحلة من الصراع، إلى فرضيتين أساسيتين: الأولى، فصل الضفة عن قطاع غزة فصلاً نهائياً، وانتظار الفرصة المناسبة لإلقاء قطاع غزة، بكل ما فيه من بشر، في وجه المجتمع الدولي؛ والثانية، استمرار عملية القضم التدريجي للضفة الغربية، وتبني سياسة ضغط ومماطلة، تشجع الفلسطينيين على الرحيل عن الضفة، أو على الأقل تمنع الزيادة السكانية، انتظاراً لفرصة في المستقبل يمكن خلالها طرد العدد الأكبر من السكان وضم الضفة رسمياً لدولة إسرائيل. على الرغم من اختلاف مشاربهم، وتباين اللغة السياسية التي يتحدثون بها، ييتفق قادة التحالف الحكومي الإسرائيلي الحالي على ضرورة تجنب أي تسوية سياسية تشمل الضفة الغربية، وعلى ضرورة منع قيام كيان سياسي مستقل بين حدود 1967 ونهر الأردن. ما يختلفون حوله، هو كيفية تطبيق هذه السياسية، والطرق والوسائل التي ينبغي تبنيها لتحقيق هذا الهدف. ولذا، لم يكن من المبالغة الاستنتاج بأن ذهاب عباس إلى خيار المصالحة أثار غضباً جامحاً في حكومة نتنياهو والدوائر المحيطة به، وأن التصعيد الهائل في الحرب على غزة، استبطن، أيضاً، محاولة فصل مصير القطاع عن وضع الضفة الغربية. بهذا المعنى، كانت المصالحة خياراً صحيحاً، وكانت محاولة الحفاظ على موقف فلسطيني موحد أثناء الحرب والمفاوضات سياسة صحيحة كذلك. ولكن نتائج مثل هذا الخيار والسياسة لا تتفق بالضرورة مع الهدف المؤمل من كل منهما.


ليست المشكلة في تصريح عباس الأخير، ولا حتى في الحملة التي أطلقتها وسائل إعلام السلطة في الأيام التالية ضد حماس وقوى المقاومة، ولكنها أكبر من ذلك بكثير، وتتعلق بنهج كامل ونمط حياة وشروط وجود، لا يبدو أن قيادة السلطة تملك ما يكفي من الإرادة للتحرر منها. لم ينعكس اتفاق المصالحة بأي صورة ملموسة على المناخ السياسي – الأمني للوضع في الضفة الغربية، واستمر التضييق على النشاطات السياسية للقوى السياسية الإسلامية، واستمرت معها اعتقالات النشطاء الإسلاميين. نظر كثيرون إلى هذا الوضع قبل اندلاع الحرب على غزة باعتباره انعكاساً لتباينات في مواقف قيادات السلطة وأجهزتها من المصالحة، أو صعوبة تغيير العقلية التي بنيت عليها أجهزة السلطة الأمنية، ورأوا بالتالي أن المراهنة على الزمن والصبر والحرص على سياسة المصالحة كفيلة في النهاية في إحداث التغيير. وما إن اندلعت الحرب، وأصبح واضحاً أن انتفاضة الضفة وخروج أهلها لمواجهة الاحتلال سيكون له بالغ الأثر على موازين القوى، حتى توقع آخرون أن السلطة وأجهزتها سرعان ما ستغير من تصرفاتها وسياساتها. ولكن التغيير، في الواقع، كان شكلياً؛ وحتى أثناء أيام الحرب الطويلة، لم تتوقف الاعتقالات ولا التضييق. وهناك ما هو أخطر؛ فسواء على مستوى سياسة السلطة من العلاقة مع الاحتلال، أو على مستوى رؤية السلطة لحركة الثورة والتغيير في المجال العربي، تتخذ قيادة الحكم الذاتي موقفاً لا يوحي بحقيقة حرصها على حركة التحرر الوطني الفلسطيني، التي يفترض أن تنتمي لها.


بالرغم من استمرار سياسة مصادرة واقتطاع أراضي الفلسطينيين في الضفة، الحصار على قطاع غزة، ثم الحرب، واتضاح إخفاق استراتيجية التفاوض وليس سوى التفاوض، لم تتخذ قيادة السلطة إجراء سياسياً أو قضائياً – دولياً واحداً لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر على الأرض وسبل حياة الفلسطينيين، وعلى إمكانية التوصل إلى حل سياسي للصراع على فلسطين. الموقف الوحيد للسلطة في مواجهة الكارثة المتفاقمة التي يواجهها شعبها هي المراقبة. وبالرغم من أن الشركاء الرئيسيين في الحركة الوطنية الفلسطينية ينتمون إلى التيار الإسلامي السياسي، وأن هؤلاء الشركاء يتحملون العبء الأكبر من الدفاع عن قطاع غزة وأهله، تحرص السلطة على توكيد التحاقها بالهجمة التي تتعهدها دول عربية ضد القوى الإسلامية السياسية، وتظهر استهتاراً لا يخفى بدماء الشعوب العربية، التي تناضل من أجل الحرية والتغيير، وتعمل على بناء علاقات وثيقة بأنظمة مثل نظام الأسد في دمشق. وحتى أثناء التفاوض «الموحد» من أجل وضع نهاية للحرب على غزة، لعبت السلطة دور القوة المناهضة لموقف قوى المقاومة في غزة، وساهمت خيارات السلطة في إضعاف موقف المقاومة ومطالبها في إيقاف العدوان ورفع الحصار عن القطاع وأهله.

...
Last modified في
المشاهدات: 859
0


ليس ثمة شك أن عملية قتل الصحفي جيمس فولي عمل بشع، وغير مبرر في أي شرع أو قانون. هذا صحافي مسالم، عمل في ظل ظروف بالغة الخطورة لتغطية آلام السوريين ونضالهم، وكان اختطافه وأسره أصلاً عملاً إجرامياً؛ وقيام جماعة الدولة بقتل أسير مسالم، لا يوجد أي علاقة بين عمله ومواقفة وسياسة التدخل الأمريكي في العراق، جعل الجريمة مضاعفة. ولم يكن من الغريب أن يثير إعدام فولي غضباً واستهجاناً في بلاده، الولايات المتحدة، وفي أنحاء العالم الأخرى. ولكن جماعة الدولة قتلت وتقتل مسلمين، أيضاً، سواء من بين الجماعات المسلحة التي تخالفها في سورية والعراق، أو من بين الأهالي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، لسبب أو آخر، ولمخالفة ارتكبها أحدهم أو أخرى. الحقيقة، أن قتل المسلمين من المخالفين، الذي يفوق قتل غير المسلمين، يعود إلى الدولة الإسلامية في بلاد الرافدين، الجماعة الأم للدولة الإسلامية، التي حاولت في سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق فرض إرادتها على جماعات المقاومة والعشائر العراقية. وكان هذا السلوك السبب الرئيسي خلف ولادة الصحوات في العراق، والحرب التي أعلنتها عشائر مناطق الأغلبية السنية ضد الجماعة.


خلال السنوات القليلة بين ظهور الصحوات في 2008 واندلاع الثورات العربية في 2011، تراجعت دولة الرافدين في العراق بصورة ملموسة، ووضع الخطاب الجهادي الإسلامي، سواء باسم القاعدة أو أخواتها الأخريات، في موقع الدفاع. وجدت الشعوب أن حركتها يمكن أن تحقق التغيير وأن تنجز الانتقال نحو مجتمع حر وديمقراطي وعادل، بينما يجلل الدم وعود القاعدة وشركائها، والمتيقن أنها لن تؤسس إلا لنوع آخر من الاستبداد وسيطرة القلة. ولكن تراجع خطاب الجماعات المسلحة باسم الدين لم يستمر طويلاً. دفع العنف الهمجي الذي نشره نظام الأسد في سوريا إلى تسلح تدريجي للثورة السورية، ما أفسح موقعاً للقاعدة، باسم جبهة النصرة، ولدولة الرافدين، باسمها الجديد: الدولة الإسلامية في العراق والشام. في العراق نفسه، كان المالكي يصعد من سياساته الطائفية ضد السنة العرب، مما أطلق حركة احتجاج شعبية واسعة في مطلع 2013. وبلجوء نظام المالكي إلى إجراءات القمع الدموية ضد المحتجين السلميين، ورفضه الاستجابة لمطالبهم المتواضعة، وجدت داعش مساحة لها في الدفاع عن الأهالي ضد نظام لم يعد ثمة أمل في إصلاحه بالوسائل السلمية للاحتجاج المطلبي. كانت 2013 سنة الثورة العربية المضادة بامتياز، وعودة مناخ فقدان الأمل بالتغيير والحرية والعدل في المجال العربي؛ ولم يكن غريباً بالتالي أن تكون هي أيضاً سنة العودة غير الحميدة لقوى العنف المسلح وخطاب الراديكالية الإسلامية العدمي.


تعود جماعة الدولة في أصولها السلالية للقاعدة، ولكنها ليست تماماً ابناً شرعياً لها. ويفصح الافتراق بين الدولة والنصرة في سوريا، والانتقادات التي وجهها قادة القاعدة لممارسات الدولة خلال السنوات القليلة الماضية، عن خلافات جوهرية حول الإسلام والكفر، وحول مسألة الدماء؛ بل وحول تصور الدولة لنفسها كدولة إسلامية في العراق، ثم في العراق والشام، وأخيراً كدولة خلافة. ولكن أحداً لا يجب، على أية حال، أن يقلل من مسؤولية القاعدة، التي أخذت نهج استهداف المدنيين، من مسلمين وغير مسلمين، إلى مستويات غير مسبوقة في سياسات القوى الإسلامية المسلحة المعاصرة، عن التطور العدمي في تصورات جماعة الدولة وسلوكها، على السواء. الهجمات على نيويورك وواشنطن، ومثيلاتها في كينيا وتنزانيا والصومال والسعودية واليمن، كانت المقدمة التي أسست لمثل هكذا نهج، بالرغم من التباين في المسوغات الشرعية التي يستدعيها كلا الطرفين. وكما أن من العبث تصوير جماعة الدولة وكأنها وريثة الإسلام وقيمه الأنقى، فإن من العبث محاولة نفي الإسلام عن الجماعة، أو النظر إليها باعتبارها خارجة كلية عن الموروث الإسلامي، ومواجهة تسويغاتها للقتل واستباحة دماء الإبرياء بتسويغ مضاد لاستباحة دماء المنتمين أو المؤيدين لها. ومن العبث، كذلك، إرجاع جماعة الدولة لرياح الصراع الطائفي المتفاقم في المشرق وحسب؛ فبخلاف منظمة دموية، طائفية، مثل عصائب أهل الحق، التي تستهدف سنة العراق، يمكن لجماعة الدولة أن تقتل الشيعي والسني، المسلم وغير المسلم. هذه ظاهرة لابد أن تفهم في جذريها الرئيسيين: الرواية الإسلامية الهامشية التي تستمد منها خطابها، والسياق الحديث والمعاصر الذي جعلها تبحث عن هذه الرواية في المقام الأول.


يمثل الإسلام في تاريخه وتجربته سردية كبرى؛ بمعنى أن الإسلام في تصور أتباعه ليس مجرد شهادة التوحيد وحسب، بل وتراث واسع، أيضاً، لا حدود له من النصوص والتاريخ، من كتب الفقه والأصول والعقيدة وتدافع الفرق والطوائف، من الدول وسير الحكام والخلفاء والغزوات والحروب، من التصوف والردود على التصوف، ومن التراث المذهبي والخلاف مع المذاهب. كل السرديات الكبرى، يولد منها سرديات فرعية، سرديات ما بعد التأسيس، التي يصبح بعضها، بمرور الزمن، مستقلاً عن السرديات الأخرى، ويدعي بالتالي تمثيل النص المؤسس. التوتر التاريخي الطويل داخل أهل السنة بين إسلام المذاهب الرئيسية، الذي يستند إلى قواعد أصولية متراكمة لفهم الدين وتصوره، والإسلام السلفي، الذي يرفض المذهبية، يعلي من قيمة النص، ويعارض الإفراط الصوفي والطائفي، ليس إلا انعكاساً لتدافع السرديات في التاريخ الإسلامي. ولكن، حتى داخل التيار السلفي ثمة سلفيات لا حصر لها. 
في العقود القليلة الماضية، برز تصور سلفي يرفض الانخراط السياسي للإسلاميين، ويؤكد على طاعة الحكام وعدم معارضتهم أو الخروج عليهم، مثل السلفية الجامية والمدخلية والجماعة السلفية المصرية وسلفية مؤسسة العلماء السعودية الرسمية. كما برز تصور سلفي آخر، يؤكد على المسؤولية العامة للمسلم، ويأخذ موقفاً معارضاً للأنظمة الحاكمة وارتهانها للقوى الخارجية وافتراق سياساتها وسلوكها عن المبادىء الرئيسية للشرع. يرتكز التصور الأخير للإسلام إلى تقاليد المدرسة الوهابية، إحدى أبرز تجليات التيار السلفي في العصور الحديثة، التي مثلت إلى حد كبير ما يشبه الإحياء لمنهج أهل الحديث، السابقين على ظهور المذاهب وتطور علم الأصول وقواعده. في التقاليد الوهابية، ثمة استدعاء مباشر ومجرد للنص، بدون اعتبار كبير لأصول الفقة ومحدداته في إصدار الأحكام. وإلى جانب إنتاج مثل هذا النهج لآراء ومواقف أثارت معارضة واسعة من قطاع كبير من علماء المسلمين في كافة أنحاء المشرق العثماني وشمال إفريقيا في القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، فقد اصبح علماء المدرسة الوهابية أكثر راديكالية خلال العقود التالية من القرن التاسع عشر، سيما بعد إيقاع قوات والي مصر، محمد علي، الهزيمة بالدولة السعودية الأولى. في كثير من آراء هؤلاء العلماء، الذين عانوا من بطش قوات محمد علي، كما يبدو واضحاً اليوم في آراء جماعة الدولة، يقترب الخطاب السلفي من خطاب الخوارج بصورة يصعب أحياناً التفريق بينهما.
بيد أن السؤال الذي يجب أن يطرح هو ما الذي يجعل هؤلاء الشبان، الذين جاءوا من خلفيات مختلفة ومتباينة: من خريجي معاهد علم شرعي، مدارس وجامعات حديثة، بيئات عربية وأوروبية، إلى أبناء عشائر وحواضر، يجدون في هذه التقاليد الإسلامية، التي ظلت دوماً هامشية وأقلوية، ضالتهم؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من استدعاء السياق، سياق العقود القليلة الماضية منذ حرب الخليج الأولى في مطلع التسعينات، مروراً بعودة الاحتلال الأجنبي السافر للمشرق، تحلل الدولة الوطنية وانحدار الطبقات الحاكمة، العدوانية التوسعية للتشيع السياسي، العنف الوحشي الذي تمارسه أنظمة الأقليات السياسية والطائفية ضد شعبها، وتراجع آمال التغيير والإصلاح، التي فجرت ما يمكن أن يوصف بالغضب السني. مثل أهل السنة على مر تاريخ الإسلام، ومنذ القرن الخامس الهجري على الأقل، حاضنة الإسلام وتياره الرئيس، ولكن قطاعاً ملموساً منهم يرى اليوم أن تقاليد الاحتضان والتعدد والتسامح السني لم تعد تجدي لحماية المدن من التدمير، والمقدرات من النهب، والحرمات من الانتهاك. جماعة الدولة هي رد تيار الإسلام بالغ الغضب والخروج عن التقاليد الموروثة على توحش أنظمة الحكم الوطنية، على فقدان المشاريع الطائفية للعقل والتوازن، وعلى السياسات الغربية التي لم تتغير منذ أكثر من قرن من الزمان.


هذه حالة لا يمكن هزيمتها بتصريحات الإدانة والشجب، ولا باللجوء إلى سياسات التكفير والتضليل، ولا حتى بالصورايخ وقذائف الدبابات.

Last modified في
المشاهدات: 995
0



آجلاً أو عاجلاً، ستنتهي الحرب على غزة؛ وستنتهي بهزيمة حكومة نتنياهو وسعيها المجنون للحرب. أطلق الإسرائيليون نيران الحرب بدون مبررات، أو بمبررات واهية، ولم يدركوا، للمرة الثالثة، أن هذه البقعة الصغيرة، الفقيرة، المحاصرة من فلسطين، لن تركع لإرادة القوة، وأن من حق أهلها التمتع بأبسط الحقوق الإنسانية. وأطلق الإسرائيليون الحرب بدون أن يعرفوا إلى أين ستأخذهم، وكيف ستنتهي، وبأي شروط. وسيكون عليهم في النهاية دفع الثمن، ثمن الحرب البربرية، العمياء، التي كان هم من أرادها، وصفق لها، ولم يكترث للآلام التي تتسبب بها في حياة الآخرين. منذ انسحابهم الأحادي من غزة، عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على أن يبقى قطاع غزة رهينة لدى جيشها، ورقة في مخططاتها السياسية، وميدان رماية مفتوحاً لاختبار سلاحها. اليوم، آن للرهينة أن تتحرر، وللحصار أن ينتهي، ولميدان الرماية الوحشي أن يقف بواباته.

وستنتهي الحرب الثالثة على غزة عربياً هذه المرة بصورة مختلفة قليلاً عما انتهت إليها سابقاتها، سيما على مستوى علاقة مصر بفلسطين. إذ ليس ثمة شك أن هذه العلاقة احتلت، ولا تزال، موقعاً حيوياً في هوية كلا الطرفين، مصر وفلسطين. «استبداد الجغرافيا»، في نظر كثيرين بات هو المقرر لرؤية الفلسطينيين لهذه العلاقة. ولكن الناظر لها من الجانب الآخر، من الجانب المصري، عليه على الأرجح أن يرى «انتقام الجغرافيا». ومن الجغرافيا ولد تاريخ بالغ التعقيد، ليس من الواضح أن كثيراً من أبناء الشعبين يدركونه فعلاً. فقد ولد المشروع الصهيوني في فلسطين لاعتبارات دينية ـ أسطورية، وقومية صهيونية، بلا شك. ولكن هذا المشروع ما كان له أن يتجلى على أرض الواقع بدون الدعم الدولي المبكر، ودعم الإمبراطورية البريطانية على وجه الخصوص. ويمكن القول أن فكرة إقامة كيان لليهود في فلسطين ولدت في أوساط نخبة الإمبراطورية البريطانية قبل عقود من ولادة الحركة الصهيونية، ولكن بريطانيا أخذت أكثر من نصف قرن، بداية من أربعينات القرن التاسع عشر، قبل أن تقدم على أول خطوة فعلية لدعم المشروع الصهيوني. ما ولد الفكرة أصلاً في بريطانيا كان التوسع السريع الذي حققه محمد علي في المشرق، باسطاً سيطرته على قوس المتوسط الجنوبي – الشرقي، الذي اعتبرته نخبة الإمبراطورية في لندن، بحق، عقدة العقد في طرق التجارة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

دفع استبداد الجغرافيا الحركة الوطنية الفلسطينية نحو ارتباط لا مفر منه مع مصر. هذا صحيح، بالطبع، ولكن مصر وليس فلسطين بمعناها المجرد، كانت المحرك الأول للمشروع الصهيوني. ولم يكن لمصر هي الأخرى من فكاك من لعنة جغرافيتها، حتى قبل أن يعلن عن قيام إسرائيل على أرض فلسطين.
بيد أن مصر الحديثة ولدت منذ لحظاتها الأولى في انقسام على نفسها. لقرون طوال، عاشت مصر جزءاً من مجال إمبراطوري إسلامي واسع، أموي أو عباسي أو عثماني؛ ولم يكن لها بالتالي أن تحمل عبء تحديد وجهتها وهويتها. وبالرغم من أن مصر تمتعت بصورة من الاستقلال الذاتي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ثم خضعت للانتداب البريطاني بعد ذلك، لم تتحلل كلية من الرابطة العثمانية. وليس حتى مطلع العشرينات، عندما انهارت السلطنة في نهاية الحرب الأولى، أن أصبحت مصر مملكة وكياناً مستقلاً بذاته، وإن لم يتمتع بعد باستقلال وطني كامل عن بريطانيا. وهناك انفجر الجدل حول هوية البلاد ووجهتها، أية مصر تلك التي يريدها المصريون المحدثون، مصر الجامعة الإسلامية، مصر العربية، أو مصر المحصورة بحدودها، الشاخصة إلى الشمال، عبر المتوسط. تجلى هذا الجدل في حضور لطفى السيد لافتتاح الجامعة العبرية في العشرينات، في كتابي طه حسين «في الشعر الجاهلي» و»مستقبل الثقافة في مصر»، في كتاب على عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»؛ كما على صفحات مجلات المقطم والمنار والفتح؛ وفي ظهور جمعيات مثل الجمعية الشرقية، ومصر الفتاة، والشبان المسلمين، والإخوان المسلمين؛ وأروقة أحزاب مثل الوفد والأحرار الدستوريين؛ كما في الأزهر، وحتى في القصر الملكي ذاته. تناول هذا الجدل مسائل الدستور والدولة والاستقلال الوطني، بالطبع، ولكنه تناول علاقة مصر بمحيطها، انتماء الأمة المصرية، ما يمكن أن تفيده من خيار الانتماء وما يترتب عليها من مسؤوليات.

لفترة، سيما بعد إلغاء المجلس الوطني للجمهورية التركية الخلافة في 1924، برز طموح إسلامي واضح، وسعى الملك فؤاد، مدعوماً من الأزهر وقطاعات إسلامية واسعة، لأن تصبح مصر مقر الخلافة. مع نهاية الثلاثينات، واشتعال المسألة الفلسطينية، اكتشفت مصر موقعها العربي. وفي العقد التالي، لعبت دوراً رئيسياً في تأسيس الجامعة العربية، وأصرت على أن يكون مقرها القاهرة وأمينها العام الأول مصرياً. وفي 1948، وبعد تردد من حكومة النقراشي، أصدر الملك فاروق أمره للجيش المصري بعبور خط الحدود مع فلسطين. ولم يلبث الدور العربي القيادي لمصر أن تعزز بعد ولادة الجمهورية، سيما بعد العدوان الثلاثي في 1956 والوحدة المصرية – السورية في 1958. ولكن ذلك لا يعني أن انقسام الهوية الذي صاحب ولادة الكيان المصري الحديث قد انتهى، أو أن ملفه أقفل، تماماً كما كل تجليات الانقسام الحديث الأخرى حول الدولة والديمقراطية وتوزيع الثروة والعلاقة مع الغرب. عندما قرر السادات الذهاب إلى صلح مع الدولة العبرية، عمل على تأجيج الشعور الوطني المصري ونبذ انتماء مصر العربي. ولم يكن مدهشاً، في لحظة انقلاب سريعة بكل المقاييس، أن يجد أرتالاً من الكتاب والصحفيين والقيادات السياسية والشخصيات العامة، تدعم توجهه الجديد وتدعو له. المدهش، أن بعض من عملوا معه في سنوات السبعينات الحرجة تلك جاء من خلفيات قومية عربية أو إسلامية – سياسية.

في الجماعات، كما في الأشخاص، ليس ثمة طبقة واحدة أو بعداً واحداً للهوية. هناك دائماً طبقات وأبعاد متعددة، يمكن في ظرف معين وتحت شروط معينة أن يتخطى الواحد منها الأخرى، وفي ظرف وشروط مختلفة أن يتنتحى هذا البعد ويبرز آخر. وليس ثمة شك أن مصر عاشت مناخ تبادل الهويات خلال نصف القرن الأخير كما لم تعشه أية دولة عربية، وإن لم تكن مصر وحدها في هذه التجربة بين الدول العربية. الصحيح بالطبع أن الانقسام العربي المجتمعي لا يعني بالضرورة أن التوجه السائد في إعلام وثقافة وسياسات دولة ما هو توجه عموم الشعب. ولكنه، على أية حال، لا يصبح توجهاً سائداً بدون أن يكون توجه السلطة الحاكمة. على أن الهويات دائماً ليست خيارات مجردة، ليست شأناً محصوراً في دوائر الفن والثقافة والإعلام. الهويات هي أيضاً خيارات سياسية، ذات عواقب كبرى على موازين القوى وعلى الاقتصاد والتجارة والعمل، وبالتالي على مواقع الدول في المسرح العالمي. إن قررت بريطانيا، مثلاً، الخروج من الاتحاد الأوروبي، فسيكون لمثل هذه الخطوة أثر بالغ ليس على رؤية الأوروبيين لبريطانيا وحسب، بل وعلى تجارة واقتصاد وتأثير بريطانيا في القارة.

...
Last modified في
المشاهدات: 1176
0

النظام الذي عاش في ظله المشرق طوال زهاء المئة عام لم يُولَد من رحم مجموعة أزمات وحسب، بل وأقيم أخيراً وهو يحمل عوامل التأزم في داخله.

ومهما كان الأمر، فقد فُرض النظام في صورته الأخيرة قسراً، بدون أن يلبي مطامح العرب العثمانيين في إقامة دولة عربية واحدة، ولا مطامح الكرد في إقامة دولة لهم.

وصُنعت كيانات تفصلها حدود، قسمت أسراً وعشائر، لم يكن لها من مسوغ طبيعي، ولا هي استجابت لحاجات الدول الوطنية الناشئة .. اقتطع جزء من سوريا لإعطاء لبنان ما يكفي من مساحة ويد عاملة لإقامة دولة، وأقيمت دولته على أساس من المحاصصة الطائفية القلقة .. بينما لم يمنح العراق منفذاً كافياً على البحر، وكان عليه أن يعيش مهدداً بدول جوار أقوى منه، وبحركة قومية كردية لم تهدأ مطلقاً .. وفوق هذا كله، زُرعت الدولة العبرية، بطموحاتها التوسعية، وسياستها التدخلية في شؤون جوارها العربي.

ليس من الواقعي تجاهل مئة عام من مشروع وفكرة "الدول الوطنية"، و"المخيال الجمعي" الذي صنعته لشعبها عبر وسائل صناعة الأمم (من التعليم والإعلام، إلى المتحف والنشيد الوطني، ومن الجيش والإدارة البيروقراطية إلى شبكة المصالح والعلاقات الاجتماعية).

ولكن الأمم لا تعيش في فراغ، وإن لم يتوفر لها من عوامل نمو وتماسك، تتعرض للانتكاس والتحلل. وقد عاشت هذه الكيانات صراعاً مستمراً بين قوى التماسك والبقاء وقوى الانحدار والتحلل.

والواضح، أن عجز هذه الكيانات عن تحقيق طموحات شعوبها، وإخفاقها المزمن في بناء منظومة تعاون وتعاضد، لم يؤديا إلى اندلاع حركة الثورات العربية المعاصرة وحسب، بل وإلى أن تعمل رياح الثورة على تفاقم تأزم النظام الإقليمي كله.

خلال السنوات القليلة الماضية، تسارعت تدخلات الدول في شؤون بعضها البعض، وتراجعت سيادة الدولة الوطنية لصالح التحالفات الإقليمية، ثم بدأت حدود الدولة الوطنية في الانهيار أمام ضغوط القوى من غير الدول، كما هي حالة الجماعات الكردية المختلفة، القوى المقاتلة السورية، المتطوعين الشيعة وقوات حزب الله، الجماعات الشيعية المسلحة، والثوار العراقيين وداعش.

لا أحد يعرف إلى أين ستنتهي هذه "السيولة السياسية المسلحة".

وهذا، ربما أكثر العناصر مأساوية؛ لأنه يعني أن ليس ثمة نهاية قريبة للموت والدمار الذي يجتاح المشرق وشعوبه. ما هو واضح، أن نظام المئة سنة الماضية لم يعد لديه قدرة كافية للاستمرار؛ وأن على الشعوب أن تدفع ثمناً باهظاً، قبل أن تدرك أمم الشرق الرئيسة أن عليها الجلوس معاً [وبعيداً عن القوى الغربية والإمبريالية] للتوافق على نظام مشرقي جديد.

Last modified في
المشاهدات: 997
0



أعلن يوم 13 حزيران/يونيو الماضي عن اختفاء 3 شبان من المستوطنين اليهود الإسرائيليين في منطقة الخليل. في 15 حزيران/يونيو، قالت الحكومة الإسرائيلية أن الشبان الثلاثة تعرضوا للاختطاف.
وبما أن اختطافهم قد تم في منطقة تابعة للسلطة الفلسطينية، بالرغم من أن هذه التبعية تخترق بصورة روتينية من قوات الاحتلال، حملت حكومة نتنياهو السلطة المسؤولية عن الاختطاف. خلال الأسبوعين التاليين، تعهدت قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية حملة واسعة النطاق في الضفة الغربية للبحث عن الشبان الثلاثة، شملت الاعتداء على آلاف الأسر من أهالي الضفة الغربية واعتقال المئات، بما في ذلك مسؤولون كبار في حركة حماس ومحررون سابقون في صفقات تبادل.
في 30 حزيران/يونيو، عثر على جثث الشبان المخطوفين قرب مدينة حلحول، التابعة لمحافظة الخليل. ولأن العملية الأمنية الواسعة للبحث عن الشبان الثلاثة أحيطت بحملة مسعورة من الكراهية ضد كل ما هو فلسطيني، شهدت مدينة القدس يوم 2 تموز/يوليو حادثة بشعة لاختطاف شاب فلسطيني من أهالي المدينة على يد نشطين يهود، لم يتجاوز عمره الخمس عشرة سنة، اتضح فيما بعد أنه أحرق حياً وألقيت جثته في منطقة حرشية من المدينة.
في السياق، تحول الاتهام الذي وجهته حكومة نتنياهو للسلطة بالمسؤولية عن حادث الاختطاف، إلى اتهام متصاعد لحركة حماس. وبالرغم من مرور كل هذا الوقت على الحادث، وادعاء الإسرائيليين أنهم قبضوا على المسؤولين عن عملية الاختطاف، لم تقدم السلطات الإسرائيلية دليلاً واحداً على مسؤولية حماس، أو أي تنظيم آخر، ناهيك عن مسؤولية قطاع غزة. الحقيقة، أن قيادة حماس أكدت أن الحركة لا علاقة لها بالعملية. ولكن ذلك لم يمنع قيام الإسرائيليين، خلال الأيام التالية للعثور على جثث الشبان اليهود، من شن غارات متلاحقة على القطاع. يوم الأثنين، 7 تموز/يوليو، أعلنت الحكومة الإسرائيلية رسمياً أنها بصدد تصعيد الهجمات وإطلاق عملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة. وهنا بدأ رد حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى على الهجمات الإسرائيلية، التي أخذت في إيقاع خسائر متزايد في صفوف الأهالي المدنيين، بإطلاق صواريخ على أهداف إسرائيلية متعددة.
هذه الحرب، الثالثة على قطاع غزة منذ الانسحاب الإسرائيلي وفوز حماس في الانتخابات، لم تردها حماس، ولا أي من الفصائل الفلسطينية الأخرى؛ لم يتخذ الفلسطينيون قرارها، وليس ثمة مسوغ واحد لإطلاقها ضد القطاع وأهله وتنظيماته المسلحة. هذه حرب اختارتها حكومة نتنياهو، واتخذ قرارها رئيس الحكومة الإسرائيلي، بدون أن يقدم للعالم مبرراً واحداً لمثل هذا التصرف البربري. هناك سببان رئيسيان خلف حرب نتنياهو، الذي عرف في فترات حكمه السابقة بمحاولة تجنب الحروب الكبيرة ومخاطرها السياسية. يتعلق السبب الأول بطبيعة التحالف الحكومي الذي يقوده نتنياهو، وحرصه على إظهار أن التزامه بأمن الدولة العبرية لا يقل عن التزام هؤلاء الحلفاء. أما السبب الثاني، فيتصل بطبيعة التحالف الإقليمي الذي ربط الدولة العبرية بعدد من الدول العربية، يقود منذ شهور حملة واسعة ضد قوى الإسلام السياسي. في محاولته اقتلاع حماس والقوى الإسلامية المسلحة في قطاع غزة، أو إضعافها بصورة فادحة على الأقل، يريد نتنياهو أن يقوم بدوره في موسم الحرب الإقليمية الشاملة على القوة الإسلامية وتعزيز تحالفاته العربية. في موسم الحرب على الإسلاميين، حسب نتنياهو أنه سيخوض حرباً «آمنة»، ليس ثمة مخاطر سياسية من خلفها.
بيد أن حرب نتنياهو كانت خاسرة من البداية. بدأ رئيس الحكومة الحرب باستغلال انتهازي سافر للوضع الإقليمي، ولكنه لم يكن يعرف متى وكيف سينهييها، أو ما هو هدفها الرئيسي على وجه التحديد. وعندما فاجأته التطورات، ازداد تخبطاً. بعد أسبوع كامل من الحرب، مئات الغارات، ومئات آلاف الأطنان من المتفجرات، لم تستطع آلة الحرب الإسرائيلية إيقاف إطلاق الصواريخ ولا فصم العلاقة بين قوى المقاومة والشعب في قطاع غزة. شيئاً فشيئاً، أصبح واضحاً أن الجيش الأقوى في الشرق الأوسط، وأجهزة الأمن التي ادعت دوماً أنها تقرأ المجتمع الفلسطيني أفضل من قادته، لا يعرف تماماً الأهداف التي يريد قصفها. بعد تدمير المواقع التقليدية لأجهزة السلطة في القطاع ومعسكرات التدريب المعروفة للعامة والخاصة، وقف سلاح الجو الإسرائيلي عاجزاً عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ، التي أطلقت في أكثر من مناسبة والطائرات الإسرائيلية تحلق في سماء القطاع. وحتى عندما لجأ الإسرائيليون إلى سياسة المجازر للأهالي والأسر والمصلين، أظهر أهالي القطاع صلابة لا تقل عن صلابتهم في حرب 2012. بعد عشرة أيام على بدء الحرب، لم يعد لنتنياهو وحكومته سوى عدد قليل من الخيارات.


هدنة مقابل هدنة لم تعد صفقة مقبولة لقطاع غزة. بعد سلسلة من الانتهاكات لاتفاق 2012، الذي أشرفت عليه إدارة الرئيس مرسي، ليس ثمة عودة ممكنة للاتفاق إلا بعد تصحيح سلسلة الانتهاكات التي تعرض لها طوال العام ونصف العام الماضيين. بدون ذلك، فلنتنياهو أن يغامر باجتياح بري، واسع أو محدود، بكل ما يعنيه ذلك من عواقب وما يحمله من مخاطر. الخيار الآخر، أن يستمر في حرب جوية مفتوحة لا نهاية لها، في مقابل استمرار إطلاق الصواريخ على المواقع الإسرائيلية. في إحدى المرات، وبعد حالة الشلل المتقطعة التي تحدثها حرب الصواريخ، سيصيب صاروخ ما هدفاً ثقيلاً ما، ويبدأ الرأي العام الإسرائيلي في طرح سؤال الجدوى.

 


بيد أن هناك عواقب أخرى لخيار الحرب المستمرة. فبعد أن ساهمت المصالحة الفلسطينية في تعزيز موقع محمود عباس وسلطته، التي سبق أن عراها اصطدام مباحثات السلام للمرة المئة بالحائط، جاءت الحرب لتعيد التذكير بهامشية الرئيس الفلسطيني والسلطة، السلطة التي تقف عاجزة عن حماية شعبها وأمنه، لا في الضفة ولا القطاع. سيعمل استمرار الحرب على المزيد من تهميش السلطة، الشريك الفلسطيني الاستراتيجي للدولة العبرية وإحدى ضمانات أمنها، ويهدد باشتعال انتفاضة فلسطينية جديدة. أما على المستوى الإقليمي، فبدلاً من أن توجه الحرب ضربة قاصمة للإسلام السياسي، عززت من وضع التيار الإسلامي ومصداقيته لدى الشارع العربي، وأعادت له الوهج والروح التي ظن كثيرون أنه بصدد فقدانهما، ووجهت أصابع الاتهام والإدانة للدول العربية المتحالفة مع نتنياهو وحكومته. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الحرب قد يعزز مصداقية القائلين بأن السلاح هو الحل لأزمات المنطقة السياسية، ويعمل على انتشار العنف في المشرق بأسره.

 

...
Last modified في
المشاهدات: 1000
0
أفاق العراقيون والعالم صباح يوم العاشر من حزيران/يونيو على انهيار شبه شامل للجيش العراقي (الجديد) في المحافظات الشمالية. فرق عسكرية بأكملها فرت من معسكراتها ومواقعها، وتركت خلفها أسلحة ومعدات بكميات هائلة، في مشهد هزيمة أقرب لمشاهد الحرب العالمية الثانية منه إلى مواجهات مع قوى غير تقليدية.
كانت عواقب هذه الهزيمة على الدولة العراقية، دولة ما بعد الغزو والاحتلال، فادحة بكل المقاييس. سيطرت جماعات مسلحة من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجنود الطريقة النقشبندية، الموالون لنائب الرئيس العراقي الأسبق، عزة الدوري، وثوار عشائريون سنة، وضباط من الجيش العراقي السابق، وعناصر ممن تبقى من تنظيمات المقاومة العراقية ضد الاحتلال، على مدينة الموصل. وفي الأيام القليلة التالية، بسط الثوار العراقيون سيطرتهم على مدينة تكريت، وبلدات أخرى في محافظتي صلاح الدين والتأميم (كركوك)، وبدأت محاولة السيطرة على القطاع الشمالي من محافظة ديالى والمدخل الشمالي للعاصمة بغداد. في الوقت نفسه، أدى الانسحاب الملموس للقوات الحكومية من محافظة الأنبار إلى اتساع سيطرة الثوار العراقيين من أبناء المحافظة على المزيد من البلدات والمواقع. وقد أدى الفراغ العسكري والأمني إلى انتشار متزايد لقوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان، سواء في مدينة كركوك المتنازع عليها، أو في مناطق واسعة من محافظتي نينوى وديالى.
التوقعات المبكرة لاقتحام الثوار المسلحين مدينة بغداد لم تكن في محلها؛ تماماً مثل التقديرات التي قالت بأن هؤلاء الثوار المسلحين ينتمون جميعاً لداعش. سقوط بغداد ليس شأناً سهلاً، ليس فقط لحجم القوات التي يفترض أن تتدافع عنها، ولكن أيضاً لعمق الانقسام الطائفي في العراق، والأرجح أنها في طريقها للتحول إلى ساحة حرب أهلية متفاقمة. وبالرغم من أن داعش تمثل المجموعة الأكثر تنظيماً وتماسكاً أيديولوجياً، فما شهده العراق في هذه الأيام الحاسمة من حزيران/يونيو لابد أن يرى في سياق الانتفاضة العربية السنية ضد حكم طائفي، المستمرة منذ أكثر من 18 شهراً. مهما كان الأمر، فلابد أن عراق ما بعد الغزو والاحتلال، الذي يقوده المالكي منذ أكثر من ثماني سنوات، يواجه أكبر تحد لنظامه السياسي، وربما لوجوده كما عرفناه. عندما تنهار قطاعات من الجيش بهذا الحجم، أي جيش، فلابد أن تثار أسئلة حول بقاء الدولة نفسها.
ثمة عدد من التفسيرات التي طرحت لهذا الانهيار، يعكس أغلبها الموقف السياسي أو الخلفية الدينية – الطائفية والأيديولوجية لأصحابها، ووظفت بالتالي للترويج لمواقف أصحابها السياسية.
القول، مثلاً، بأن عشرات الآلاف من القوات الحكومية، جنوداً وضباطاً، التي فرت من ساحة المواجهة في المحافظات الشمالية والغربية كانت من السنة، وأن انتماءها الطائفي منعها من مواجهة الثوار السنة، هو بالتأكيد نوع من الوهم. الحقيقة، أن ليس هناك وحدات عسكرية عراقية شيعية أو سنية خالصة، اللهم إلا قوات البيشمركة التي لا تخضع لحكومة بغداد. أغلب الجيش العراقي من الشيعة، وأغلب ضباطه من الشيعة، ولا يوجد قائد فرقة واحد من السنة العرب. كما أن الأغلبية العظمى لقوات الشرطة الاتحادية، التي فرت هي الأخرى من الموصل، هي من الشيعة؛ بل وعرفت بممارساتها الطائفية في المدينة. أما القول بأن سيطرة الثوار المسلحين تمت بتواطؤ من حكومة إقليم كردستان، فلا يقل وهماً. ينظر الأكراد إلى داعش، التي تمثل عماد القوة التي سيطرت على الموصل، نظرة عداء وتوجس لا تقل عن نظرة بغداد لها؛ ولكن ذلك لا يمنع انتهاز حكومة إقليم كردستان الفراغ الأمني والعسكري لتعزيز نفوذها في نينوى وكركوك وديالى. 
أظهرت قوات المالكي في الأنبار، حيث تدور معركة متواصلة منذ أكثر من خمسة شهور، فشلاً ذريعاً في مواجهتها لثوار العشائر وعناصر داعش. في الأسابيع والأيام الأولى من المواجهة، كان فرار الجنود والضباط من ساحة المعركة أمراً معتاداً ومتكرراً، تماماً كما حدث في الموصل وتكريت. وحده قرب الأنبار النسبي من بغداد، ما سمح بإرسال تعزيزات مستمرة، ومنع الانهيار الكامل للجبهة الحكومية. ولكن حتى هنا، ما كان للقوات الحكومية أن تحافظ على مواقعها بدون مساندة مجموعات الصحوات العشائرية الموالية للمالكي، سيما في الرمادي. على مستوى الكفاءة والانضباط، ليس ثمة ما يدعو للاستغراب والدهشة في سلوك جيش الحكومة العراقية، بالرغم من حجم المعدات العسكرية التي يمتلكها. بعد حل الجيش العراقي الوطني في بداية الاحتلال، أسس الجيش الجديد من عاطلين عن العمل وعناصر ميليشيا شيعية سابقة. وباعتباره مهنة من لا مهنة له، لم تنجح الحكومات العراقية المتعاقبة في تسليح هذا الجيش بعقيدة وطنية صلبة. إن نجحت هذه الحكومات في شيء فكان في تعزيز السمة الطائفية للجيش. أسس الأميركيون بلا شك دولة جديدة في العراق، ولكن العلاقة بين هذه الدولة والدولة الوطنية الحديثة هي علاقة واهية.
باعتبارها دولة سيطرة طائفية، لم ينظر العراقيون مطلقاً، ولا حتى أبناء الطائفة الشيعية، لهذه الدولة بأي قدر من الاحترام والولاء. ولأن نظام الحكم الذي يقود هذه الدولة ارتبط منذ البداية بقرار خارجي، أكثر من ارتباطه بالإرادة الوطنية، أحاط الشك والريبة بمصداقية هذه الدولة. وليس ثمة دولة فاشلة يمكنها تأسيس جيش ناجح. بكلمة أخرى، لم يختلف سلوك هذا الجيش في كل مرة وجد نفسه في ساحة قتال. 
لمعالجة انهيار الدولة وجيشها في ثاني أكبر مدنها، وعبر أربع محافظات رئيسية، تشكل أكثر من نصف مساحة البلاد، عادت حكومة المالكي إلى سلوكها المعتاد طوال السنوات منذ توليه الحكم. كان بإمكان رئيس الحكومة العراقية الاعتراف بالفشل وتحمل المسؤولية، مثل أي رجل دولة محترم. ولكنه لم يفعل. وكان بإمكانه الإعلان عن حل حكومته والدعوة إلى تشكيل حكومة توافق ووحدة وطنية، تعيد للعراقيين الثقة بحكومتهم ودولتهم، وتعمل على مواجهة الأزمة، معززة بدعم شعبي وتفويض وطني. ولكنه لم يفعل هذه أيضاً. ما قام به المالكي كان طلب المساعدة الأميركية، من جهة، والاستنجاد بالخبرة الإيرانية في مكافحة الشعوب الثائرة، من جهة أخرى. الأخطر، تمثل في تصعيد الخطاب الطائفي الشيعي، وتصوير الانهيار في الموصل وتكريت وكأنه حرباً على التشيع والمراقد الشيعية. وفي مناخ غير مسبوق من تأجيج المشاعر والعصبيات البدائية، سارعت مراجع دينية إلى إصدار الفتاوى والدعوات للحشد الطائفي والدفاع عن حكومة، أقل ما يقال إن العراقيين منقسمون حولها. وفي مشاهد مثيرة للضحك والخوف في الوقت نفسه، ظهرت قيادات سياسية ودينية وهي ترتدي الملابس العسكرية النظيفة وتحمل البنادق الرشاشة. والمشكلة، أن أياً من هؤلاء لم يحرك إصبعاً للدفاع عن البلاد من الغزو الخارجي.
مستقبل العراق الآن مفتوح على الاحتمالات، تماماً كما هو مستقبله منذ أكثر من عشر سنوات، وكما هو مستقبل سورية، ولبنان، والأردن، والمشرق بأكمله. جادلت في هذا الموقع من قبل بأن حركة الثورة العربية لم تكن حول الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية، وحسب؛ وأن جذور هذه الحركة تعود إلى بداية العقد الأول من هذا القرن، وليس اندلاع الثورة التونسية في كانون أول/ديسمبر 2010. كان فوز العدالة والتنمية في الانتخابات التركية نهاية 2002، وانهيار الدولة العراقية أمام الغزو الأجنبي، وحركة الاحتجاج المصرية في 2005، والانتفاضات العربية القصيرة في مواجهة الحروب الإسرائيلية على لبنان وقطاع غزة، التي لم تخل من توجهات سياسية واجتماعية داخلية كذلك، كلها مؤشرات على أن نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى قد وصل إلى نهاية الطريق. سواء للضغوط الخارجية، أو لفشل النخب المدنية والعسكرية الحاكمة، عجزت دول ما بعد الرابطة العثمانية عن الاستجابة لآمال الشعوب والقيام بواجباتها التي يفترض بنظام الدولة الحديثة القيام بها. وليس ثمة دليل على انهيار نظام المئة سنة الإقليمي من اختفاء خط الحدود الفاصل بين سورية والعراق والتوسع المطرد لإقليم الحكم الذاتي الكردي. ما يقلق، أن هذا الانهيار لن يكون سهلاً ولا منظماً، وأن تكاليفه ستكون باهظة؛ وأن ليس لأي من أطرافه تصور واضح لما يمكن أن يكونه النظام الجديد. ولكن أحداً، مهما بلغ من حسن النية، لن يمكنه إيقاف هذا الانهيار، على أية حال.
- See more at: http://rassd.com/5-99254_%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7_%D9%81%D8%B9%D9%84%D8%A7_%D9%8A%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%B1_%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D9%85%D8%A7_%D8%A8%D8%B9%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B2%D9%88_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%9F#sthash.uVgFqbbK.dpuf
أفاق العراقيون والعالم صباح يوم العاشر من حزيران/يونيو على انهيار شبه شامل للجيش العراقي (الجديد) في المحافظات الشمالية. فرق عسكرية بأكملها فرت من معسكراتها ومواقعها، وتركت خلفها أسلحة ومعدات بكميات هائلة، في مشهد هزيمة أقرب لمشاهد الحرب العالمية الثانية منه إلى مواجهات مع قوى غير تقليدية.
كانت عواقب هذه الهزيمة على الدولة العراقية، دولة ما بعد الغزو والاحتلال، فادحة بكل المقاييس. سيطرت جماعات مسلحة من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجنود الطريقة النقشبندية، الموالون لنائب الرئيس العراقي الأسبق، عزة الدوري، وثوار عشائريون سنة، وضباط من الجيش العراقي السابق، وعناصر ممن تبقى من تنظيمات المقاومة العراقية ضد الاحتلال، على مدينة الموصل. وفي الأيام القليلة التالية، بسط الثوار العراقيون سيطرتهم على مدينة تكريت، وبلدات أخرى في محافظتي صلاح الدين والتأميم (كركوك)، وبدأت محاولة السيطرة على القطاع الشمالي من محافظة ديالى والمدخل الشمالي للعاصمة بغداد. في الوقت نفسه، أدى الانسحاب الملموس للقوات الحكومية من محافظة الأنبار إلى اتساع سيطرة الثوار العراقيين من أبناء المحافظة على المزيد من البلدات والمواقع. وقد أدى الفراغ العسكري والأمني إلى انتشار متزايد لقوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان، سواء في مدينة كركوك المتنازع عليها، أو في مناطق واسعة من محافظتي نينوى وديالى.
التوقعات المبكرة لاقتحام الثوار المسلحين مدينة بغداد لم تكن في محلها؛ تماماً مثل التقديرات التي قالت بأن هؤلاء الثوار المسلحين ينتمون جميعاً لداعش. سقوط بغداد ليس شأناً سهلاً، ليس فقط لحجم القوات التي يفترض أن تتدافع عنها، ولكن أيضاً لعمق الانقسام الطائفي في العراق، والأرجح أنها في طريقها للتحول إلى ساحة حرب أهلية متفاقمة. وبالرغم من أن داعش تمثل المجموعة الأكثر تنظيماً وتماسكاً أيديولوجياً، فما شهده العراق في هذه الأيام الحاسمة من حزيران/يونيو لابد أن يرى في سياق الانتفاضة العربية السنية ضد حكم طائفي، المستمرة منذ أكثر من 18 شهراً. مهما كان الأمر، فلابد أن عراق ما بعد الغزو والاحتلال، الذي يقوده المالكي منذ أكثر من ثماني سنوات، يواجه أكبر تحد لنظامه السياسي، وربما لوجوده كما عرفناه. عندما تنهار قطاعات من الجيش بهذا الحجم، أي جيش، فلابد أن تثار أسئلة حول بقاء الدولة نفسها.
ثمة عدد من التفسيرات التي طرحت لهذا الانهيار، يعكس أغلبها الموقف السياسي أو الخلفية الدينية – الطائفية والأيديولوجية لأصحابها، ووظفت بالتالي للترويج لمواقف أصحابها السياسية.
القول، مثلاً، بأن عشرات الآلاف من القوات الحكومية، جنوداً وضباطاً، التي فرت من ساحة المواجهة في المحافظات الشمالية والغربية كانت من السنة، وأن انتماءها الطائفي منعها من مواجهة الثوار السنة، هو بالتأكيد نوع من الوهم. الحقيقة، أن ليس هناك وحدات عسكرية عراقية شيعية أو سنية خالصة، اللهم إلا قوات البيشمركة التي لا تخضع لحكومة بغداد. أغلب الجيش العراقي من الشيعة، وأغلب ضباطه من الشيعة، ولا يوجد قائد فرقة واحد من السنة العرب. كما أن الأغلبية العظمى لقوات الشرطة الاتحادية، التي فرت هي الأخرى من الموصل، هي من الشيعة؛ بل وعرفت بممارساتها الطائفية في المدينة. أما القول بأن سيطرة الثوار المسلحين تمت بتواطؤ من حكومة إقليم كردستان، فلا يقل وهماً. ينظر الأكراد إلى داعش، التي تمثل عماد القوة التي سيطرت على الموصل، نظرة عداء وتوجس لا تقل عن نظرة بغداد لها؛ ولكن ذلك لا يمنع انتهاز حكومة إقليم كردستان الفراغ الأمني والعسكري لتعزيز نفوذها في نينوى وكركوك وديالى. 
أظهرت قوات المالكي في الأنبار، حيث تدور معركة متواصلة منذ أكثر من خمسة شهور، فشلاً ذريعاً في مواجهتها لثوار العشائر وعناصر داعش. في الأسابيع والأيام الأولى من المواجهة، كان فرار الجنود والضباط من ساحة المعركة أمراً معتاداً ومتكرراً، تماماً كما حدث في الموصل وتكريت. وحده قرب الأنبار النسبي من بغداد، ما سمح بإرسال تعزيزات مستمرة، ومنع الانهيار الكامل للجبهة الحكومية. ولكن حتى هنا، ما كان للقوات الحكومية أن تحافظ على مواقعها بدون مساندة مجموعات الصحوات العشائرية الموالية للمالكي، سيما في الرمادي. على مستوى الكفاءة والانضباط، ليس ثمة ما يدعو للاستغراب والدهشة في سلوك جيش الحكومة العراقية، بالرغم من حجم المعدات العسكرية التي يمتلكها. بعد حل الجيش العراقي الوطني في بداية الاحتلال، أسس الجيش الجديد من عاطلين عن العمل وعناصر ميليشيا شيعية سابقة. وباعتباره مهنة من لا مهنة له، لم تنجح الحكومات العراقية المتعاقبة في تسليح هذا الجيش بعقيدة وطنية صلبة. إن نجحت هذه الحكومات في شيء فكان في تعزيز السمة الطائفية للجيش. أسس الأميركيون بلا شك دولة جديدة في العراق، ولكن العلاقة بين هذه الدولة والدولة الوطنية الحديثة هي علاقة واهية.
باعتبارها دولة سيطرة طائفية، لم ينظر العراقيون مطلقاً، ولا حتى أبناء الطائفة الشيعية، لهذه الدولة بأي قدر من الاحترام والولاء. ولأن نظام الحكم الذي يقود هذه الدولة ارتبط منذ البداية بقرار خارجي، أكثر من ارتباطه بالإرادة الوطنية، أحاط الشك والريبة بمصداقية هذه الدولة. وليس ثمة دولة فاشلة يمكنها تأسيس جيش ناجح. بكلمة أخرى، لم يختلف سلوك هذا الجيش في كل مرة وجد نفسه في ساحة قتال. 
لمعالجة انهيار الدولة وجيشها في ثاني أكبر مدنها، وعبر أربع محافظات رئيسية، تشكل أكثر من نصف مساحة البلاد، عادت حكومة المالكي إلى سلوكها المعتاد طوال السنوات منذ توليه الحكم. كان بإمكان رئيس الحكومة العراقية الاعتراف بالفشل وتحمل المسؤولية، مثل أي رجل دولة محترم. ولكنه لم يفعل. وكان بإمكانه الإعلان عن حل حكومته والدعوة إلى تشكيل حكومة توافق ووحدة وطنية، تعيد للعراقيين الثقة بحكومتهم ودولتهم، وتعمل على مواجهة الأزمة، معززة بدعم شعبي وتفويض وطني. ولكنه لم يفعل هذه أيضاً. ما قام به المالكي كان طلب المساعدة الأميركية، من جهة، والاستنجاد بالخبرة الإيرانية في مكافحة الشعوب الثائرة، من جهة أخرى. الأخطر، تمثل في تصعيد الخطاب الطائفي الشيعي، وتصوير الانهيار في الموصل وتكريت وكأنه حرباً على التشيع والمراقد الشيعية. وفي مناخ غير مسبوق من تأجيج المشاعر والعصبيات البدائية، سارعت مراجع دينية إلى إصدار الفتاوى والدعوات للحشد الطائفي والدفاع عن حكومة، أقل ما يقال إن العراقيين منقسمون حولها. وفي مشاهد مثيرة للضحك والخوف في الوقت نفسه، ظهرت قيادات سياسية ودينية وهي ترتدي الملابس العسكرية النظيفة وتحمل البنادق الرشاشة. والمشكلة، أن أياً من هؤلاء لم يحرك إصبعاً للدفاع عن البلاد من الغزو الخارجي.
مستقبل العراق الآن مفتوح على الاحتمالات، تماماً كما هو مستقبله منذ أكثر من عشر سنوات، وكما هو مستقبل سورية، ولبنان، والأردن، والمشرق بأكمله. جادلت في هذا الموقع من قبل بأن حركة الثورة العربية لم تكن حول الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية، وحسب؛ وأن جذور هذه الحركة تعود إلى بداية العقد الأول من هذا القرن، وليس اندلاع الثورة التونسية في كانون أول/ديسمبر 2010. كان فوز العدالة والتنمية في الانتخابات التركية نهاية 2002، وانهيار الدولة العراقية أمام الغزو الأجنبي، وحركة الاحتجاج المصرية في 2005، والانتفاضات العربية القصيرة في مواجهة الحروب الإسرائيلية على لبنان وقطاع غزة، التي لم تخل من توجهات سياسية واجتماعية داخلية كذلك، كلها مؤشرات على أن نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى قد وصل إلى نهاية الطريق. سواء للضغوط الخارجية، أو لفشل النخب المدنية والعسكرية الحاكمة، عجزت دول ما بعد الرابطة العثمانية عن الاستجابة لآمال الشعوب والقيام بواجباتها التي يفترض بنظام الدولة الحديثة القيام بها. وليس ثمة دليل على انهيار نظام المئة سنة الإقليمي من اختفاء خط الحدود الفاصل بين سورية والعراق والتوسع المطرد لإقليم الحكم الذاتي الكردي. ما يقلق، أن هذا الانهيار لن يكون سهلاً ولا منظماً، وأن تكاليفه ستكون باهظة؛ وأن ليس لأي من أطرافه تصور واضح لما يمكن أن يكونه النظام الجديد. ولكن أحداً، مهما بلغ من حسن النية، لن يمكنه إيقاف هذا الانهيار، على أية حال.
- See more at: http://rassd.com/5-99254_%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7_%D9%81%D8%B9%D9%84%D8%A7_%D9%8A%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%B1_%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D9%85%D8%A7_%D8%A8%D8%B9%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B2%D9%88_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%9F#sthash.uVgFqbbK.dpuf

أفاق العراقيون والعالم صباح يوم العاشر من حزيران/يونيو على انهيار شبه شامل للجيش العراقي (الجديد) في المحافظات الشمالية. فرق عسكرية بأكملها فرت من معسكراتها ومواقعها، وتركت خلفها أسلحة ومعدات بكميات هائلة، في مشهد هزيمة أقرب لمشاهد الحرب العالمية الثانية منه إلى مواجهات مع قوى غير تقليدية.

كانت عواقب هذه الهزيمة على الدولة العراقية، دولة ما بعد الغزو والاحتلال، فادحة بكل المقاييس. سيطرت جماعات مسلحة من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجنود الطريقة النقشبندية، الموالون لنائب الرئيس العراقي الأسبق، عزة الدوري، وثوار عشائريون سنة، وضباط من الجيش العراقي السابق، وعناصر ممن تبقى من تنظيمات المقاومة العراقية ضد الاحتلال، على مدينة الموصل. وفي الأيام القليلة التالية، بسط الثوار العراقيون سيطرتهم على مدينة تكريت، وبلدات أخرى في محافظتي صلاح الدين والتأميم (كركوك)، وبدأت محاولة السيطرة على القطاع الشمالي من محافظة ديالى والمدخل الشمالي للعاصمة بغداد. في الوقت نفسه، أدى الانسحاب الملموس للقوات الحكومية من محافظة الأنبار إلى اتساع سيطرة الثوار العراقيين من أبناء المحافظة على المزيد من البلدات والمواقع. وقد أدى الفراغ العسكري والأمني إلى انتشار متزايد لقوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان، سواء في مدينة كركوك المتنازع عليها، أو في مناطق واسعة من محافظتي نينوى وديالى.

التوقعات المبكرة لاقتحام الثوار المسلحين مدينة بغداد لم تكن في محلها؛ تماماً مثل التقديرات التي قالت بأن هؤلاء الثوار المسلحين ينتمون جميعاً لداعش. سقوط بغداد ليس شأناً سهلاً، ليس فقط لحجم القوات التي يفترض أن تتدافع عنها، ولكن أيضاً لعمق الانقسام الطائفي في العراق، والأرجح أنها في طريقها للتحول إلى ساحة حرب أهلية متفاقمة. وبالرغم من أن داعش تمثل المجموعة الأكثر تنظيماً وتماسكاً أيديولوجياً، فما شهده العراق في هذه الأيام الحاسمة من حزيران/يونيو لابد أن يرى في سياق الانتفاضة العربية السنية ضد حكم طائفي، المستمرة منذ أكثر من 18 شهراً. مهما كان الأمر، فلابد أن عراق ما بعد الغزو والاحتلال، الذي يقوده المالكي منذ أكثر من ثماني سنوات، يواجه أكبر تحد لنظامه السياسي، وربما لوجوده كما عرفناه. عندما تنهار قطاعات من الجيش بهذا الحجم، أي جيش، فلابد أن تثار أسئلة حول بقاء الدولة نفسها.
ثمة عدد من التفسيرات التي طرحت لهذا الانهيار، يعكس أغلبها الموقف السياسي أو الخلفية الدينية – الطائفية والأيديولوجية لأصحابها، ووظفت بالتالي للترويج لمواقف أصحابها السياسية.
القول، مثلاً، بأن عشرات الآلاف من القوات الحكومية، جنوداً وضباطاً، التي فرت من ساحة المواجهة في المحافظات الشمالية والغربية كانت من السنة، وأن انتماءها الطائفي منعها من مواجهة الثوار السنة، هو بالتأكيد نوع من الوهم. الحقيقة، أن ليس هناك وحدات عسكرية عراقية شيعية أو سنية خالصة، اللهم إلا قوات البيشمركة التي لا تخضع لحكومة بغداد. أغلب الجيش العراقي من الشيعة، وأغلب ضباطه من الشيعة، ولا يوجد قائد فرقة واحد من السنة العرب. كما أن الأغلبية العظمى لقوات الشرطة الاتحادية، التي فرت هي الأخرى من الموصل، هي من الشيعة؛ بل وعرفت بممارساتها الطائفية في المدينة. أما القول بأن سيطرة الثوار المسلحين تمت بتواطؤ من حكومة إقليم كردستان، فلا يقل وهماً. ينظر الأكراد إلى داعش، التي تمثل عماد القوة التي سيطرت على الموصل، نظرة عداء وتوجس لا تقل عن نظرة بغداد لها؛ ولكن ذلك لا يمنع انتهاز حكومة إقليم كردستان الفراغ الأمني والعسكري لتعزيز نفوذها في نينوى وكركوك وديالى.

أظهرت قوات المالكي في الأنبار، حيث تدور معركة متواصلة منذ أكثر من خمسة شهور، فشلاً ذريعاً في مواجهتها لثوار العشائر وعناصر داعش. في الأسابيع والأيام الأولى من المواجهة، كان فرار الجنود والضباط من ساحة المعركة أمراً معتاداً ومتكرراً، تماماً كما حدث في الموصل وتكريت. وحده قرب الأنبار النسبي من بغداد، ما سمح بإرسال تعزيزات مستمرة، ومنع الانهيار الكامل للجبهة الحكومية. ولكن حتى هنا، ما كان للقوات الحكومية أن تحافظ على مواقعها بدون مساندة مجموعات الصحوات العشائرية الموالية للمالكي، سيما في الرمادي. على مستوى الكفاءة والانضباط، ليس ثمة ما يدعو للاستغراب والدهشة في سلوك جيش الحكومة العراقية، بالرغم من حجم المعدات العسكرية التي يمتلكها. بعد حل الجيش العراقي الوطني في بداية الاحتلال، أسس الجيش الجديد من عاطلين عن العمل وعناصر ميليشيا شيعية سابقة. وباعتباره مهنة من لا مهنة له، لم تنجح الحكومات العراقية المتعاقبة في تسليح هذا الجيش بعقيدة وطنية صلبة. إن نجحت هذه الحكومات في شيء فكان في تعزيز السمة الطائفية للجيش. أسس الأميركيون بلا شك دولة جديدة في العراق، ولكن العلاقة بين هذه الدولة والدولة الوطنية الحديثة هي علاقة واهية.

باعتبارها دولة سيطرة طائفية، لم ينظر العراقيون مطلقاً، ولا حتى أبناء الطائفة الشيعية، لهذه الدولة بأي قدر من الاحترام والولاء. ولأن نظام الحكم الذي يقود هذه الدولة ارتبط منذ البداية بقرار خارجي، أكثر من ارتباطه بالإرادة الوطنية، أحاط الشك والريبة بمصداقية هذه الدولة. وليس ثمة دولة فاشلة يمكنها تأسيس جيش ناجح. بكلمة أخرى، لم يختلف سلوك هذا الجيش في كل مرة وجد نفسه في ساحة قتال.

...
Last modified في
المشاهدات: 953
0


تجتاح حمى انتخابية المشرق العربي ـ الإسلامي هذا الصيف. فبعد انتخابات العراق النيابية، تشهد موريتانيا ومصر وسوريا انتخابات رئاسية، كلها، كما العراق من قبلها، تبدو وكأنها صورية بحتة، معروفة النتائج مسبقاً، ولا يتوقع لها أن تصنع أية تحولات ملموسة في واقع الدولة والبلاد.

تركيا هي الأخرى في طريقها إلى انتخابات رئاسية، ستجرى على الأرجح في مطلع آب/أغسطس المقبل، على أن يتسلم رئيس الجمهورية الجديد موقعه في نهاية الشهر، عندما تنتهي ولاية الرئيس الحالي، عبد الله غول.

ولأن تركيا أسست منذ البداية باعتبارها جمهورية برلمانية، وأن صلاحيات رؤساء الجمهورية أصبحت، بعد 1960، أقل بكثير من صلاحيات رئيس الحكومة، وأن رئيس الجمهورية في النظام التركي ينتخب من قبل البرلمان وليس الاقتراع المباشر، لم يكن انتخاب رئيس جديد يثير عادة اهتماماً كبيراً.

هذه المرة تبدو مختلفة بصورة واضحة؛ وبالرغم من أن عاصفة الانتخابات المحلية، التي جرت في نهاية آذار/مارس الماضي، لم تخمد بعد، تسيطر انتخابات الرئاسة على اهتمام الدوائر السياسية والإعلامية.

...
Last modified في
المشاهدات: 693
0

لم تفاجىء خطوات المصالحة السريعة بين غزة ورام الله الفلسطينيين وحسب، بل تبدو وكأنها فاجأت إدارة أوباما ونتنياهو أيضاً.

وكان المفترض دائماً أن الأخيرين لا يفاجأن عادة عندما تتعلق الأمور بالشأن الفلسطيني الداخلي. المهم، أن خطوة ملموسة قد أخذت بالفعل في مسيرة المصالحة الفلسطينية الطويلة، وأن اجتماعاً سحرياً في غزة بين ممثلي الطرفين، حماس وفتح، مهد الطريق لتشكيل حكومة التكنوقراط العتيدة، ومن ثم المضي نحو انتخابات وتشكيل مجلس تشريعي جديد، على أن تنطلق في موازاة ذلك عملية إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، تحت إشراف مجلس قيادي موسع. في مسيرة توافق وطني متعثرة منذ اتفاق القاهرة في 2005، ازدادت تعثراً بعد حسم حماس للوضع في قطاع غزة في 2007، هذه لابد أن تكون قفزة ملموسة من أجل إعادة اللحمة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني. فإلى إي حد يمكن أن تصبح كذلك بالفعل؟
خاضت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، طوال أكثر من عام، مغامرة الجولة الأخيرة من مفاوضات التسوية، محملة بآمال كبرى. تعهد وزير الخارجية الأمريكية جون كيري إطلاق المفاوضات، بعد قليل من توليه منصبه، وظن عدد من المسؤولين الفلسطينيين أن اهتمام كيري بعملية السلام، وزياراته المتعددة للضفة الغربية والدولة العبرية، مؤشر واضح على تحول جوهري في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. خلال ولاية أوباما الأولى، أشرفت هيلاري كلينتون على تحول كبير في أولويات السياسة الأميركية العالمية، تمثل في تجاهل نسبي للشرق الأوسط، وإعطاء حوض الباسيفيك، أو ما بات يعرف في لغة واشنطن السياسية بالمحور الآسيوي، أهمية بالغة. ولذا، فقد بدت خطوة كيري وكأنها بداية مراجعة لسياسة إدارة أوباما الأولى، وساد تفاؤل كبير بأن تسوية ما يمكن التوصل إليها هذه المرة. ولأن واشنطن لم تخف، منذ أطلق كيري تحركه، انزعاجها من جهود المصالحة الفلسطينية، التي كان وضع إطارها بوساطة واهتمام مصريين خلال حكم الرئيس مرسي، تجنبت رام الله إغضاب الوسيط الأمريكي وشريك السلام الإسرائيلي؛ ولم تتخذ خطوات جادة لتنفيذ ما اتفق عليه في القاهرة والدوحة.
الحقيقة، بالطبع، أن التغيير في السياسة الأمريكية كان طفيفاً، ولم يمس جوهر الأولويات. تعمل إدارة أوباما الثانية على توكيد عدم الانسحاب من الشرق الأوسط، بأي صورة من الصور، ولكن أولويتها لم تزل آسيوية، وتتجنب أي تدخل مباشر أو مكلف، مالياً أو سياسياً عسكرياً، في الشرق الأوسط. ترك كيري، كما هو معروف، ليعالج ملف السلام، ولكن الرئيس لم يكن على استعداد لبذل جهد ملموس إلى جانبه. وما ينطبق على مسار السلام الفلسطيني، ينطبق على السياسة الأمريكية في سورية والعراق، وعلى الموقف من تطورات الوضع المصري، ومن العلاقات الخليجية الإيرانية. ولم يكن غريباً بالتالي أن تأخذ جهود كيري في التراجع، ما إن واجهت المفاوضات أول عقبة رئيسية، وأن ينفض يديه من الملف وكأنه لم يكن يدرك حقيقة التعقيدات المحيطة بعملية السلام منذ بدايتها. في الجانب الفلسطيني، اعتبر الرئيس عباس منذ توليه منصبه أن المفاوضات هي الأداة الوحيدة التي سيسعى عبرها لتحقيق أهداف النضال الوطني الفلسطيني. وبوصول هذه الجولة من المفاوضات إلى حائط مسدود، واستمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، بما في ذلك مخططات الهيمنة على القدس الشرقية، لم يعد لدى رام الله ما تقوم به سوى محاولة دفع عملية المصالحة من جديد. حكومة حماس في غزة هي الأخرى في مأزق إقليمي. بدأ تعقيد وضع حكومة حماس منذ نهاية العام الأول للثورة السورية، عندما رفضت قيادة حماس تأييد سياسة بشار الأسد ودفعت ثمن موقفها الأخلاقي ذاك بمغادرة سورية وفتور العلاقة مع إيران. وسرعان ما انعكس هذا الفتور على الدعم الذي كانت إيران تقدمه لحكومة غزة. لفترة قصيرة، كان بالإمكان تعويض خسارة إيران بالعلاقات مع تركيا، والتحسن المطرد في العلاقة مع مصر. ولكن إطاحة الرئيس مرسي في العام الماضي، وولادة مناخ إعلامي مسعور ضد فلسطين والفلسطينيين، كما ضد حماس، وتبني القاهرة سياسة مختلفة تجاه قطاع غزة، سواء فيما يتعلق بحركة البشر والأشياء أو بالرعاية السياسية، فرض على قطاع غزة حصاراً أسوأ بكثير من الحصار الذي عاناه أهالي القطاع في سنوات مبارك. ولا يخفى، بالرغم من التحسن الطفيف في سياسة القاهرة تجاه حماس وغزة، أن القطاع بات أسير جدار إقليمي معاد من كل الجهات؛ جدار يفاقم إلى حد كبير من أثر شح الموارد الذي تعاني منه حكومة حماس.
خطوات المصالحة الاخيرة هي في جوهرها انعكاس لأزمة الطرفين، أزمة إخفاق مسار التفاوض، وأزمة الحصار الذي يحيط بقطاع غزة وحكومته. ثمة رغبة عربية، بالطبع، مصرية، على وجه الخصوص، وإقليمية تركية، في تحقيق المصالحة، كل لأسبابه الخاصة، ولكن هذه الرغبة ما كانت لتدفع مسار المصالحة للأمام لولا شعور الأزمة الذي بات يحكم سلوك الطرفين. وهذا ما يطرح عدداً من الأسئلة حول معنى هذه المصالحة، أهدافها، وما يمكن أن تضيفه للنضال الوطني الفلسطيني.
مصالحة تؤدي إلى تشكيل حكومة وانتخابات وعودة قطاع غزة إلى السيطرة الإسمية، أو الفعلية، لسلطة رام، لن تغير كثيراً في الواقع الفلسطيني، بغض النظر عن مصداقية الود الذي تظهره صور لقاءات مسؤولي حماس وفتح. إن كان لهذه المصالحة أن تترك أثراً ملموساً على الوضع الفلسطيني، فثمة عدد من المسائل، التي تتعلق بالمسار الاستراتيجي لحركة التحرر الوطني، أو بوضع السلطة الفلسطينية ذاتها، لابد أن تطرح بصورة أكثر جدية. فما لم يعد محل جدل أن مسار التفاوض، الذي جعل الرئيس عباس منه النهج الاستراتيجي الوحيد لمنظمة التحرير والسلطة معاً، لم يحقق بوصة واحدة من التقدم منذ تولى عباس مقاليد السلطة والمنظمة. في ظل وضع عربي متهالك، لا يمكن الادعاء بأن ثمة وصفة جاهزة لمسار استراتيجي مختلف، ولكن من الضروري أولاً الاعتراف بأن لا شيء سينجز من الاستمرار في السياسة السابقة. ومن الضروري، ثانياً، إطلاق حوار جاد لبناء إجماع وطني حول سياسة جديدة. هذا، بالطبع، لن يتأتى بدون أن يقع تغيير حقيقي في سلوك السلطة داخل الضفة والقطاع. عودة السلطة باعتبارها أداة قمع وتحكم، وامتداداً لمؤسسة الأمن الإسرائيلية، لن يؤدي إلا إلى المزيد من التراجع والشلل في الحركة الوطنية الفلسطينية. عندما تسلب كرامة الفلسطينيين وتحاصر قواهم السياسية بأيدي الفلسطينيين أنفسهم، فلا يجب توقع وحدتهم ونهوضهم في مواجهة الاحتلال. بغض النظر عن الخلافات السابقة حول اتفاقية أوسلو، هناك طريقان رئيسيان للنظر إلى سلطة الحكم الذاتي: الأول، أنها ليست سوى خطوة على طريق تحقيق الأهداف الوطنية؛ والثاني، أنها مؤسسة حكم وغنيمة وثروة؛ وعلى القيادات الفلسطينية أن تختار.
أما المسألة الهامة الثالثة فتتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تم تغييبها كلية عن الساحة السياسية طوال الفترة منذ 1993، بنتائج باهظة التكاليف. بإمكان الرئيس عباس بالتأكيد أن يفرغ الاتفاق بين القوى الفلسطينية حول مستقبل المنظمة من محتواه، وأن يحافظ، ولجنة المنظمة التنفيذية الحالية، على سيطرته على المنظمة وقرارها. ولكن هذا لن يعيد للمنظمة الحياة ولن يساعد على لم شتات الجهود والإمكانيات الفلسطينية. على فتح أن تدرك أنها لم تعد القوة القائدة لشعب هو أصلاً بالغ التعددية؛ وبوضع هذا الواقع في الاعتبار فقط يمكن للفلسطينيين إطلاق بداية جديدة. 

Last modified في
المشاهدات: 766
0

شهدت مباحثات لوزان، 1922 - 1923، التي وضعت نهاية للحرب بين الحلفاء والدولة العثمانية وأكدت استقلال الجمهورية التركية، حادثة توضح الثقافة التي سادت الاجتماع السياسي المشرقي حتى ما بعد نهاية الحرب الأولى، وتدعو إلى إعادة النظر في رؤيتنا لعلاقة التحديث العثماني بالمسألة القومية. كانت مباحثات الصلح في لوزان قد بدأت بعد أن حققت قوات المقاومة التركية في صيف 1922 انتصاراً ساحقاً ضد الاحتلال اليوناني في الأناضول، المدعوم من بريطانيا ودول حليفة أخرى.
ولأن حكومة المجلس الوطني في الأناضول، التي قادها مصطفى كمال، كانت رفضت معاهدة سيفر (آب/أغسطس 1920) المهينة، التي أجبرت حكومة اسطنبول العثمانية على توقيعها لإنهاء الحرب، أصبح من الضروي أن تطلق المباحثات من جديد حول معاهدة صلح وسلم جديدة. قاد عصمت إينونو، أحد القادة العسكريين الرئيسيين للمقاومة التركية، ورئيس الجمهورية المقبل، وفد أنقرة إلى لوزان. وبالرغم من أن إينونو واجه في لوزان وفوداً مثلت الدول المتحالفة في الحرب الأول، فإن الجهة الرئيسية في معسكر الحلفاء كانت بريطانيا، التي قاد وفدها في المرحلة الأولى من المفاوضات الدبلوماسي ورجل المستعمرات الأسطوري، اللورد كيرزن.
وقد شكل التوصل لعفو عام عن رعايا البلاد المتحاربة أحد القضايا الرئيسية في المباحثات، على افتراض أن مواطنين من الأطراف المتحاربة، سيما الأتراك واليونانيين والعرب، تعاونوا خلال الحرب، بصورة أو أخرى، مع الطرف الآخر. بنهاية حالة الحرب والاتفاق على صلح بين الأطراف، كان لا بد أن يعطى هؤلاء الأمان وحق الحياة الطبيعية في بلادهم، وإعلان العفو العام عن كل الجرائم التي ارتكبت بخصوص مسائل الحرب من 1 آب/أغسطس 1914 وحتى 20 تشرين ثاني /نوفمبر 1922.
خلال المباحثات، طالب الجانب اليوناني، مدعوماً من بريطانيا، بنص عفو شامل لا يستثني أحداً من الفئات، بينما أراد الوفد التركي نصاً محدوداً ومشروطاً، يتيح التخلص واستبعاد من ارتكبوا أعمال خيانة فجة وباتوا يشكلون تهديداً للجمهورية الجديدة. شيئاً فشيئاً، تصاعد الجدل بين الأطراف ليتداخل مع الجدل حول الأقليات وتعريفها. في جوهر الأمر، لم يكن لدى الوفد التركي ما يمنع التوقيع على عفو شامل عن مواطني السلطنة اليونان والأرمن، سيما بعد أن انتهت سنوات الحرب بموجات تهجير وهجرة وتبادل سكاني، أدت إلى خروج الأغلبية الساحقة من اليونان والأرمن من تركيا، ووفود الأتراك والمسلمين اليونان والبلغار والرومانيين إليها.
في لحظة كاشفة من المباحثات، طالب عضو الوفد التركي المفاوض، د. رضا نور، باستثناء 150 من المسلمين الأتراك من العفو العام، على أساس أنهم يشكلون تهديداً لاستقرار تركيا الجديدة. وسيعرف مؤرخون تلك الفترة بعد ذلك أن رقم 150 قد طرح من تقدير اعتباطي، وأن أسماء قائمة الـ 150 حددت بعد ذلك. ولكن السير هوراس ربمولد، ممثلاً لبريطانيا، عارض المقترح التركي وطالب بأن يشمل العفو أولاً كل الأقليات، بما في ذلك الأكراد والشركس والأرمن واليونان، على اعتبار أن بريطانيا تمثل رعايا مسلمين من غير الأتراك في العراق وغيرها، تحرص على أمنهم. هنا، رد رضا نور مؤكداً أن التصور العثماني الوحيد للأقليات، وهو التصور الذي تستند إليه الجمهورية أيضاً، أن الأقليات دينية وليست إثنية؛ بمعنى أن ليس من شأن الحلفاء البحث في الخلفية الإثنية لقائمة الـ 150 التي طالب الوفد التركي باستثنائها، طالما أنهم جميعاً من مواطني الجمهورية المسلمين. في النهاية، وافق الحلفاء على مطلب الوفد التركي، وتم بالفعل توقيع بروتوكول يستثني 150 شخصاً من المسلمين، قامت سلطات الجمهورية بعد ذلك بتحديدهم.
ما قد يخطر لدارس تلك الحقبة للوهلة الأولى أن رضا نور كان من دعاة الجامعة الإسلامية، الذين نظروا بمشاعر عداء وشك للهوية القومية؛ أو أنه كان قومياً تركياً متعصباً، تخوف من انفجار المسألة الكردية في وجه الجمهورية. ولكن نور لم يكن لا هذا ولا ذاك، بل عرف بليبراليته وعدم اكتراثه بمؤسسة الخلافة والسلطنة، من ناحية، وتخوفه من النزعة التسلطية، الخانقة للنظام الجديد وسعيه لإذابة جماعات الشعب المختلفة في بوتقة الدولة الجمهورية الجديدة. وقد انتهى هو نفسه إلى معارضة النظام الكمالي، واضطر إلى العيش في المنفى لعدة سنوات. كان رضا نور، كما أغلب الملتفين حول مصطفى كمال وحكومة أنقرة في سنوات حرب الاستقلال، نتاج التحديث العثماني والمؤثرات الأوروبية معاً؛ بمعنى أنه حمل استعداداً للقبول بفكرة سيادة الدولة الحديثة بمعناها الغربي، ولكنه لم يستطع التخلص من الميراث العثماني للمواطنة.
ما استند إليه الاجتماع - السياسي العثماني كان بالطبع مفهوم الملة، وليس القومية ولا الأقلية؛ وهو ذات النظام الذي استند إليه الاجتماع - السياسي الإسلامي طوال تاريخه، ولم يضف العثمانيون إليه سوى الاسم والسمة البيروقراطية المنظمة. مثل الإسلام هوية الدولة ومرجعيتها العومية، ولكن ليس الهوية الحصرية، على أية حال، واعتبرت الدولة المسلمين من رعيتها كتلتها الرئيسية، ولكن حتى المسلمين كانوا هم أيضاً ملة من الملل. وبالرغم من أن عدداً من الباحثين تصور أن الدولة العثمانية تبنت الفكرة القومية بعد بداية عصر التنظيمات، فالمؤكد الآن أن هذه لم تكن سوى قراءة خاطئة ومتسرعة. والحقيقة، أنه حتى مصطلح الأقلية لم يكن معرفاً من قبل، ولابد أن رضا نور قبل التعامل معه على مضض. أدخل عصر التحديث نظام الدولة المركزية بالتأكيد، ولكن، وبالرغم من انفجار الحركات الاستقلالية القومية في الجانب الأوروبي من الدولة، لم تقدم حكومات السلطنة المتعاقبة على التنازل للرياح القومية. التنازل الوحيد كان في تبني فكرة المواطنة، التي أصبحت محل نقاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في محاولة إنتاج مواطنة عثمانية جامعة، بهدف محاصرة النزعات الانقسامية في جسم السلطنة.
لا يهدف هذا الاستدعاء، بأي صورة من الصور، إلى التنكر للفكرة القومية؛ إذ أن تبلور الهوية القومية يمثل انعكاساً لتطور تاريخي، وليس مؤامرة من أحد ضد أحد. ولم يعد من الممكن، لا في أوروبا، حيث ولدت الفكرة القومية للمرة الأولى، ولا في المشرق، حيث أوقعت الانقسامات القومية، وما تحت القومية، خلال أكثر من قرن، قدراً هائلاً من الاضطراب وعدم الاستقرار. لم تختر الأمم هويتها القومية، بل عانقتها في لحظة تطور ظروف موضوعية، على صعيد وسائل الاتصال وعلى صعد ثقافية وتعليمية واقتصادية ذ سياسية. وهذا ما حدث في المشرق أيضاً منذ نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأ العرب والكرد والترك والبربر في اكتشاف هوياتهم. ولكن الهويات، بمعناها الحديث، لا حد لها، وما إن تصبح الهوية مقياساً للسلوك ومحدداً للنهج السياسي، سيما في إطار من دول مركزية حديثة، حيث تتحكم مؤسسة الدولة في مصادر القوة وتفتح مجالاً واسعاً نحو الثروة، حتى تتحول الهويات إلى أداة قتل، ويندلع صراع لا نهاية له بين الجماعات والهويات المختلفة. وهذا ما يعيشه المشرق وشعوبه منذ بدايات القرن العشرين، حيث أوقع صراع الهويات، الإثنية والطائفية والدينية، ويوقع، الكثير من الألم والدمار والموت وفقدان المعاش.
بعد قرن من الآلام وفقدان الاستقرار وانغلاق أبواب المستقبل، أصبح من الضروري، الضروري لاستمرار الحياة ذاتها، إعادة النظر في هذا التلازم المرعب بين الهوية والموت.
 

Last modified في
المشاهدات: 703
0

أضيفت من قبل في ضمن مقالات

في سلسلة من التصريحات، بدأت بقيادات الحرس في طهران، ومرت بالسيد نصر الله في لبنان، وانتهت إلى الرئيس الأسد في دمشق، زعم الحلفاء الثلاثة أن المعركة الدائرة في سوريا بين النظام وشعبه، تميل الآن لصالح النظام. هذه، بالطبع، ليست المرة الأولى التي تصدر فيها مثل هذه النغمة عن زعيم النظام السوري وحلفائه. في الشهور الأولى من الثورة، وبينما حي بابا عمرو يتعرض لدمار وحشي، تساءل السيد نصر مستنكراً في خطاب له عما إن كان هناك شيء يحدث في حمص. ولم يلبث أن توقع أن الأزمة السورية ستنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة. مهما كان الأمر، على أية حال، فإن تصريحات الأسد وحلفائه هذه المرة صادفت اهتماماً ملموساً في الدوائر العربية والإقليمية.
أكملت سوريا قبل أسابيع قليلة عامها الثالث من الثورة، وأكثر من عامين بقليل من المواجهة المسلحة بين الشعب والنظام. ما لا يجب تناسيه أو إغفاله أن النظام، والنظام وحده، كان من دفع البلاد إلى المواجهة المسلحة. لا وضع النظام الإقليمي، ولا موقف الشعوب العربية والجوار الإسلامي منه، كان يستدعي أن تذهب سوريا إلى ما ذهبت إليه. عندما خرج مئات الألوف من السوريين مطالبين بالتغيير والإصلاح السياسي، لم يكن مطلوباً من النظام سوى مقابلة شعبه في منتصف الطريق والانتقال بسوريا إلى بلد أكثر حرية وديمقراطية. بلجوء النظام إلى القوة الوحشية، وعلى مدى شهور طوال، لم يكن من الغريب أن تنتقل الثورة الشعبية إلى ثورة مسلحة. بالرغم من صيحات قادة المعارضة المتكررة بالحفاظ على سلمية الثورة، وجد الكثير من السوريين أن من واجبهم ومسؤوليتهم الدفاع عن شرف أسرهم وحياتهم بأي وسيلة ممكنة.
ولأن هذه سوريا، وليست أي بلد آخر، فسرعان ما تحولت المواجهة المسلحة إلى ما هو أكثر من ذلك: شبان عرب، تدفقوا من كافة أنحاء المجال العربي للدفاع عن أشقائهم السوريين؛ ولا يخفى أن بعضهم رأى في سوريا معركة طائفية ضد سيطرة الأقلية العلوية الوحشية على مقدرات البلاد. وما لبث أن تبع هؤلاء ‘مجاهدون’ محترفون، تنقلوا خلال العقدين الماضيين من القوقاز إلى أفغانستان والقرن الإفريقي، ومن أفغانستان إلى العراق واليمن، ومنهما إلى سوريا. في الوقت نفسه، كان النظام يستحث رصيده الطائفي في سوريا والمشرق، لتتحول قيادة الجيش السوري كلها تقريباً إلى قيادة طائفية، تساندها ميليشيات من الطائفة العلوية. وبتدخل حزب الله السافر في المعارك من بداية 2013، لحماية دمشق من السقوط، كما قال السيد نصر الله لمسؤول لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الروسي، تحولت سوريا إلى ساحة جذب للآلاف من المتطوعين الشيعة، العرب وغير العرب، الذين حركتهم، كما نظراء لهم سنة، أوهام الدفاع عن نظام صور لهم بأنه قلعة الشيعة والتشيع.
لم يكن لكل هذا أن يحدث لولا تطور آخر على صعيد مواقف القوى الإقليمية. فقد نظرت إيران إلى سوريا باعتبارها من منظارين سياسيين معاً: المنظار الطائفي والمنظار الجيوسياسي، وقررت بالتالي خوض معركة الحفاظ على النظام وسيطرته إلى النهاية. ولم يختلف الموقف الروسي كثيراً، بعد أن وجدت موسكو أن سوريا يمكن أن تصبح رمزاً لعودة روسيا إلى ساحة القرار الدولي. من جهة أخرى، وبعد تردد دام شهوراً، وتحت ضغط الرأي العام العربي والإسلامي، قررت تركيا والسعودية وقطر أن السياسة الصحيحة في سوريا هي مساندة الشعب للتخلص من نظامه ومحاولة بناء الحكم السوري من جديد.
بدأت الثورة السورية باعتبارها حلقة أخرى في حركة الثورة العربية من أجل الحرية والكرامة الإنسانية؛ وتحولت إلى ما يشبه الحرب الأهلية، عندما أصبح الطابع السني هو الغالب على الحراك الشعبي، والطابع العلوي الغالب على أجهزة القمع والميليشيات المساندة للنظام. وبدأت الثورة باعتبارها أزمة سورية وطنية، أزمة تحول دولة الاستقلال إلى وحش كاسر، يلتهم حياة شعبه بلا رحمة ولا حساب، وسرعان ما تحولت إلى أزمة إقليمية. وفي النهاية، لم يكن هناك من بد من أن تصبح الدولة الصغيرة، التي مثلت عقدة العقد في المشرق العربي – الإسلامي منذ ولادة نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى، حقلاً لصراع متعدد الأبعاد: سوري سوري، طائفي سني – شيعي، عربي فارسي تركي – إسرائيلي، وروسي غربي. وفي الطريق، دمرت الحرب مدناً وبلدات سورية بأكملها؛ شرد الملايين السوريين داخل وطنهم وفي دول الجوار وأنحاء العالم الأخرى؛ تقوضت الأسس التي يقوم عليها الجيش السوري باعتباره جيشاً وطنياً، وخسر هذا الجيش قطاعاً كبيراً من مقدراته البشرية والتسليحية؛ انهارت معظم مؤسسات الدولة السورية الأخرى؛ تشظت الجماعة السورية الوطنية إلى طوائف وإثنيات ومناطق؛ وأفسدت علاقات الطوائف في المجال العربي كله كما لم تفسد من قبل.
حقق النظام وحلفاؤه، منذ الصيف الماضي، بعض المكاسب على أرض المعركة؟ نعم، ليس ثمة شك. فمنذ معركة القصير، تتقدم سلطة النظام، من بلدة إلى أخرى في منطقة القلمون، في معركة بطيئة، دموية ومدمرة، وباهظة التكاليف. ولكن الواضح لكل المتابعين أن النظام وحلفاءه يخوضون معركة في مستطيل محدود من الأرض، لا يتجاوز مئات الكيلومترات المربعة، يمتد من دمشق إلى الحدود اللبنانية، عرضاً، ومن دمشق إلى حمص في ضلعه الشرقي، وعلى امتداد الشريط الساحلي في ضلعه الغربي، طولاً. في ميزان القوة العسكري المتغير باطراد، لم يعد للنظام من مقدرات بشرية ذات وزن ملموس للتأثير على مسار الحرب. بمعنى أن الحاضنة الطائفية للنظام استنزفت بصورة كبيرة، تجعلها أعجز نسبياً عن سد حاجات الجيش المتزايدة للبشر. وهذا ما جعل المعارك الأخيرة للنظام تأخذ صورة نمطية واحدة تقريباً، حيث تكتفي قوات جيش النظام وطائراته بالقصف الوحشي، على الأحياء والبلدات والمدن المحاصرة، بينما تتقدم مجموعات حزب الله والمتطوعين الشيعة لخوض المعركة على الأرض. ولا تظهر قوات الجيش في ساحة المعركة إلا بعد السيطرة على المنطقة المستهدفة.
سياسياً، ليس ثمة متغيرات جوهرية تذكر. الاتفاق الإيراني الغربي حول الملف النووي لم ينعكس على أي ملف آخر من الملفات الإقليمية التي تعتبر إيران طرفاً فيها. وبالرغم من أن روسيا تتخذ الموقف الأكثر صلابة في المحافظة على نظام دمشق، فإن روسيا اليوم، سيما بعد ذهاب أوكرانيا غرباً وتحولها إلى أزمة أوروبية كبرى، ليست في وضع أفضل في سوريا مما كانت عليه في السنوات القليلة الماضية. من جهة أخرى، لا تركيا غيرت موقفها من الأزمة السورية، ولا حكم العدالة والتنمية في أنقرة سقط كما تمنى نظام دمشق وحلفاؤه. وما ينطبق على تركيا، ينطبق على السعودية وقطر. غربياً، كان القرار الأمريكي- الأوروبي، من البداية، عدم التدخل في سورية، أو السماح بتسليح الثوار السوريين بسلاح نوعي، يمكن أن يتسرب لمجموعات تعتبرها واشنطن إرهابية.
هذه معركة ليست مرشحة لحسم سريع، لا لصالح النظام وحلفائه ولا لصالح الثوار السوريين. الشيء الوحيد الذي يمكن توقعه على المدى القصير أن سوريا في طريقها للمزيد من التدمير والتشظي. من يريد مصلحة سوريا، شعباً ووطناً، عليه أن يعمل على تخليص سوريا والسوريين من قبضة هذا النظام الفاشي، المجرم. 

Last modified في
المشاهدات: 635
0

بدأت الطبقة الكمالية التركية الحاكمة في التبلور منذ نهاية حرب الاستقلال، 1919 1922. خاض مصطفى كمال الحرب ضد الاحتلالات الغربية لما تبقى من الدولة العثمانية، بعد توقيع هدنة مدروس، على رأس تحالف واسع من الأتراك والعرب والأكراد والشركس، ومن قوات الجيش العثماني الموالية للمجلس الوطني الكبير، الذي تمثل فيه علماء وضباط ورجال أعمال وأعيان وموظفون وإداريون عثمانيون، من كافة الطبقات.
وما إن انتهت الحرب، حتى بدأ صراع سياسي واجتماعي وثقافي، أدى في النهاية إلى إلغاء السلطنة والخلافة وولادة الجمهورية وتشكيل حزب الدولة القائد والمسيطر، حزب الشعب الجمهوري، وإقصاء المعارضين للنظام الأحادي، المركزي، التحكمي، الذي أخذ في البروز تدريجياً. خلال سنوات العشرينات والثلاثينات، تعززت التوجهات الأيديولوجية للنظام الجمهوري الجديد، وأخذ في ضرب جذوره ليس في العاصمة أنقرة وحسب، بل وفي كافة مقاطعات البلاد. التف حول النظام الكمالي واستفاد منه عدد معتبر من رجال الإعلام والفكر، من الأسر التي أثرت خلال سنوات الحرب أو من سياسات خلق طبقة وسطى عثمانية، التي اتبعتها حكومات الاتحاد والترقي في الفترة بين 1914 1918، أعيان محليون، إداريو أجهزة الدولة ومؤسساتها المالية، سياسيون محترفون في أذرع حزب الشعب الجمهوري المختلفة، الشرائح العليا من ضباط الجيش، وحتى بعض العلماء.
أحكمت الدولة الجمهورية وطبقتها الحاكمة قبضتها على شؤون تركيا بقوة السلاح السافرة، سلاح الجيش وقوات الجندرمة والأمن، في الوقت الذي أخذت تطور خطابها التحديثي وروايتها الخاصة للتاريخ، التي سرعان ما أصبحت الرؤية الوحيدة والمهيمنة في الفضاء العام. ولكن حرب الاستقلال كانت، ولعقود طوال، مصدر الشرعية الرئيس للجمهورية الكمالية. في نهاية الثلاثينات، أدرك مصطفى كمال ومجموعة من الملتفين حوله أن قبضة الدولة، ثقيلة الوطأة، أحبطت قوى العمل والنهضة في المجتمع التركي، وأن قدراً من الانفتاح السياسي بات ضرورياً. ولكن وفاة مصطفى كمال في 1938 واندلاع نيران الحرب الثانية في العام التالي، أديا إلى تأجيل المشروع. في 1945، وبعد أن أصبحت تركيا عضواً في الجماعة الدولية الممنتصرة في الحرب الثانية والمؤسسة للأمم المتحدة، اتخذ الحزب الحاكم قراراً بتحويل النظام السياسي إلى التعددية السياسية. ولأن الفترة بين إعلان النظام التعددي وأول انتخابات كانت قصيرة، لم يتغير شيء ملموس في بنية الحكم. في الانتخابات التعددية الثانية التي أجريت في 1950، حقق الحزب الديمقراطي، الذي أسسه ثلاثة من قادة حزب الشعب الجمهوري السابقين: عدنان مندريس، جلال بايار، والمؤرخ الشهير فؤاد كوبروللو، فوزاً ساحقاً.
حكم الحزب الديمقراطي، ببرنامج محافظ ورؤية تصالحية مع ثقافة الشعب وموروثه، تركيا حتى انقلاب 1960. والمدهش، أن حزب الشعب الجمهوري، منذ خسر السلطة في 1950، فشل في تحقيق أغلبية برلمانية في أية انتخابات مقبلة، ولم تتح له مطلقاً فرصة الحكم منفرداً طوال الستين عاماً الماضية، سوى لاشهر قليلة في منتصف السبعينات، حكم خلالها بصفته حزب أقلية وسرعان ما أسقط في أول تصويت ثقة برلماني. بصورة لم تعد تحتمل التأويل، قال الشعب التركي كلمته في الحزب الذي حكم البلاد طوال أكثر من ربع قرن منفرداً، الحزب الذي ارتبط اسمه بقائد حرب الاستقلال ومؤسس الجمهورية، ولم يعد الأتراك في كلمتهم حتى اليوم.
بيد أن من العبث القول بأن التحول نحو التعددية الحزبية، والاستبعاد المديد لحزب الشعب الجمهوري عن التحكم الأحادي في مقاليد الدولة، وضع نهاية للاستبداد. تعرف الطبقة الكمالية، التي حكمت تركيا وسيطرت على مقدراتها طوال معظم القرن العشرين، بالأتراك البيض، في إشارة لا تخفى لرؤيتها النخبوية لنفسها، واعتقادها العميق بأن ابناءها فقط من يستطيع إدارة شؤون البلاد ويعرف مصلحة عموم الشعب. نظر أبناء هذه الطبقة لعموم الأتراك من عل، حرصوا على تلقي تعليم مختلف عن بقية الشعب، وتحدثوا لغة واستخدموا مفردات تختلف عن لغة أبناء الشعب، بل وأطلقوا على أولادهم وبناتهم أسماء بالغت في استدعاء الموروث التركي الأسطوري لما قبل الإسلام والحقبة العثمانية. ولكن الأهم كان نظام السيطرة الذي أتاح لهم حكم وإدارة شؤون البلاد، حتى وهم خارج مقاعد الحكم الرسمية في مجلس الوزراء أو قاعة البرلمان. كانت شبكة علاقات ومصالح معقدة أخذت في التشكل منذ عقود ما بين الحربين، ربطت أعضاء هذه الطبقة، عائلات وأفراداً ومؤسسات خاصة وعامة وشركات أعمال وصناعة ودوائر إعلام ونشر، أصبحت ميداناً مريحاً ومرحباً ومستديماً لتوالد الطبقة وتوارث مواقع النفوذ والتأثير. خلال العقود الأولى من عمر الجمهورية، كان الأتراك الكماليون البيض قد سيطروا على جهاز الإدارة الحكومية والمؤسسة العسكرية والقضاء والإعلام والدبلوماسية، وقادوا أهم شركات المال والصناعة والأعمال، وأسسوا النوادي الخاصة، ومجموعات التفكير والتأثير السياسي، السرية والعلنية. ولذا، فإن خسارة حزب الشعب الجمهوري للانتخابات في 1950، لم تترك اثراً ملموساً على سلطتهم التحكمية. في العقود التالية، وصلت سيطرة الطبقة الكمالية الحاكمة موصلاً أن أصبح الجيش أداتها النافذة لإعادة ضبط شؤون الحكم والبلاد، كلما بدا أن خطراً ما يهدد سيطرتها، دافعة الجمهورية إلى براثن سلسلة من الانقلابات العسكرية الصريحة أو الضمنية.
ليس الاستبداد شخصاً، حتى وإن تجسد أحياناً في شخصية بالغة الشر والقسوة والفساد. الاستبداد، في الحقيقة، نظام من احتكار القوة والثروة والنفوذ، كيفية توزيع القوة والثروة والنفوذ، ونظام من العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين مالكي القوة والثروة والنفوذ، وإعادة توليد وصناعة أنظمة الاحتكار والتوزيع والعلاقات. وليس ثمة شك أن بنية الدولة الحديثة، الدولة المركزية، ذات السيادة على الأرض والشعب، صاحبة الحق الوحيد في التشريع ومصدر شرعية القانون، تساعد على تعظيم الاستبداد وإعادة توليده. ومن الوهم الاعتقاد بأن مجرد النجاح في إيقاع تغيير سياسي، أو حتى الثورة الجذرية وإعادة بناء الدولة، يكفل التخلص من نظام الاستبداد.
في تركيا، صعد إلى الحكم في نهاية 2002 حزب الحرية والعدالة، وهو يحمل برنامجاً واضحاً لتعزيز الديمقراطية، ودعم منظومة الحريات، ووضع حد لاحتكار القوة والثروة والنفوذ من قبل الطبقة الكمالية التقليدية. ولكن، وما إن بدأت حكومة العدالة والتنمية خطواتها الأولى حتى ووجهت بمؤامرات عسكرية وأمنية وقضائية لإطاحتها أو الحد من تحركها. وبالرغم من مرور أكثر من عقد على حكم العدالة والتنمية، لم يزل إردوغان وحكومته في نضال مستمر وحامي الوطيس لاقتلاع مراكز القوة والتحكم السرية وغير السرية، وإفساح مجال أوسع في حقول الإعلام والأعمال لقطاعات اجتماعية جديدة، وخلق مناخ من الحرية والمساواة بين كافة الجماعات الإثنية في تركيا، وبين عموم الأتراك أنفسهم. في إيران، اقتلعت ثورة شعبية كبرى نظام الشاه ودولته من جذورها، ولكن طبقة جديدة ولدت خلال العقود التالية لانتصار الثورة في 1979، يبدو وأنها حلت محل الطبقة الشاهنشاهية السابقة، وباتت تسيطر على مقاليد الحكم والثروة في البلاد. ولدت الجمهورية الإسلامية من ثورة شعبية عارمة، أطلقتها أشواق الحرية والعدل والمساواة، ولكن المحتوى الأيديولوجي للجمهورية، وسنوات الحرب العراقية الإيرانية الطويلة، والصراع الدموي الذي عاشته إيران في مطلع عمر الجمهورية بين أنصار النظام الإسلامي ومعارضيه، ضيقت من مساحة الحريات وجعلت الرقابة الشعبية شبه معدومة. وهذا ما أدى في النهاية لبروز منظومة استبداد جديدة، لم يعد من اليسير التخلص منها بدون ثورة شعبية ثانية.
وحتى في عدد من الدول الشيوعية السابقة، مثل رومانيا، بلغاريا، وكل دول وسط آسيا السوفياتية السابقة، إضافة إلى أذربيجان، لم تحقق عملية التغيير السياسي الكبرى في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وعودها دائماً. في بعض من هذه البلدان، نجحت البيروقراطية الشيوعية السابقة في تغيير لون جلدها والعودة إلى السيطرة على مقاليد الدولة والحكم في ظل نظام تعددي، ديمقراطي شكلي؛ وفي عدد آخر من هذه الدول، لم يكن حتى ثمة حاجة لتغيير لون الجلد، واستمرت الطبقة الشيوعية في السلطة، لتنقل الدولة من حكم الحزب الواحد إلى حكم السلالة الواحدة. ولا يختلف العراق كثيراً عن هذه الدول؛ فبالرغم من أن عراق ما بعد الغزو والاحتلال يحكم باعتباره دولة دستورية، فيدرالية، ديمقراطية، تعددية، فإن استبداداً جديداً ينمو ويتشكل في العراق، ليأخذ ذات المكانة التي احتلها نظام حزب الواحد خلال المرحلة البعثية. بل وتبدو هيمنة نظام المالكي والطبقة الملتفة حوله، ذات التوجه الطائفي الحصري، أكثر شراسة وبشاعة، وأكثر استعداداً ليس لمطاردة وقمع معارضين من الأفراد والجماعات الحزبية فقط، ولكن قطاعات بأكملها من المواطنين العراقيين أيضاً.
ليس التغيير السياسي سوى الخطوة الأولى لتقويض نظام الاستبداد. وفي موازاة عملية الإصلاح السياسي، لابد من إسقاط منظومة الامتيازات، التي تسمح لفئات محدودة بالسيطرة على مواقع النفوذ والتحكم في جهاز الدولة وفي المجال العام على السواء. كما لابد أن تتعهد قوى الإصلاح والتغيير مشروعاً واسع النطاق لفتح دائرة الثروة لكافة القطاعات الاجتماعية، وأن تؤسس لمناخ من الحرية والشفافية، لا تكفله القوانين وحسب، بل ويسمح بتطبيق هذه القوانين على قدم المساواة. النضال ضد نظام الاستبداد طويل وشاق، يبدأ بإقامة تعددية سياسية وحياة ديمقراطية ودستورية حرة ومنظومة قضائية وحقوقية عادلة، ولا يصل قط إلى نقطة النهاية. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تعيه قوى الثورة والتغيير في الدول العربية، ليس دول الثورات الإصلاحية، مثل تونس ومصر واليمن، وحسب، بل ودول الثورات الجذرية أيضاً، مثل ليبيا وسوريا. 

Last modified في
المشاهدات: 720
0

ولدت جماعة الإخوان المسلمين مصر في 1928، ومنذ مطلع الأربعينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي، كانت الجماعة قد انتشرت في معظم البلاد العربية، ووسط التجمعات العربية – الإسلامية في المهجرين الأوروبي والامريكي.
كما شهدت دول إسلامية عديدة، مثل ماليزيا وإندونيسيا وتركيا، بروز جماعات إسلامية تأثرت بالإخوان المسلمين، وإن لم تحمل اسمها. ولأن الإخوان المسلمين حملوا منذ البدايات توجهاً سياسياً إصلاحياً، فقد تعرضوا لحملات قمع منذ نهاية الأربعينات، في مصر ودول عربية أخرى، تحولت أحياناً إلى حملات إبادة واستئصال، كما في مصر الخمسينات والستينات، وعراق السبعينات، وسوريا منذ منتصف الثمانيات.
ويتعرض الإخوان المسلمون، المصريين منهم على وجه الخصوص، والحركة على وجه العموم، لحملة واسعة النطاق، في مصر وخارجها، تستهدف تقويض القواعد التنظيمية والاقتصادية التي ترتكز إليها الجماعة، وكسر إرادة وولاء أعضائها، وإخراجهم كلية من الحياة السياسية، سواء بكونهم قوة فاعلة ومؤثرة، أو شركاء في الحكم.
ليس من السهل معرفة حجم حركة الإخوان المسلمين، لا في مصر ولا في المجال العربي ككل، ولكن، إن وضعنا في الاعتبار عضوية الحركة، والمتعاطفين معها، ومن ينتمون للتيار الإخواني فكرياً وسياسياً، بدون أن يكونوا أعضاء في تنظيماتها المختلفة، فإن التقديرات تدور حول أكثر من عشرة ملايين من العرب. هذه ليست أكبر قوة سياسية فعالة في العالم العربي وحسب، بل وبين أقدمها وأرسخها جذوراً وميراثاً. في بعض من البلدان العربية، بما في ذلك مصر، لا تكاد توجد قوة سياسية فعالة، ذات انتشار وطني، سوى الإخوان المسلمين. والمؤكد أن الحرب الشعواء التي أعلنتها دول عربية على الإخوان ستخفق، ولن تنتهي إلى نتيجة ما، اللهم إلا إيقاع بعض الأذى بالإخوان والكثير من الأذى بالدول التي تتعهدها.
ولكن هذا الفشل لا يعود إلى حجم وانتشار الإخوان وحسب، بل إلى أسباب أعمق وأكثر أهمية وتعقيداً. هذه هي الأسباب الثلاثة الأكثر أهمية:
الأول، أن الإخوان المسلمين يمثلون التيار العريض، الأقرب إلى الصورة الجامعة لأهل السنة. أطلق اسم أهل السنة والجماعة على الفقهاء والمحدثين من أهل الحديث في نهايات القرن الثاني ومطلع الثالث الهجري، مثل عبد الله بين المبارك، أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، ابن راهوية، ويحيى المديني.
عرف هؤلاء بمخالفتهم لمن عرفوا بالفقهاء من أهل الرأي، ورفضهم تأويل آيات الصفات في القرآن الكريم، واعتقادهم بمصداقية الصحابة، وقبولهم أفضلية الخلفاء الراشدين طبقاً لترتيب توليهم الخلافة، ومناهضتهم للفرق التي أخذت في التبلور تدريجياً في معزل عن التيار الغالب لجماعة المسلمين. ولكن أهل الحديث من آباء أهل السنة الأوائل لم يتخذوا موقف الإدانة الجذرية لمن اختلف معهم في بعض الرأي، كأولئك الذين دافعوا عن إثبات الصفات باللجوء ليس للنص وحسب، بل ولمناهج المتكلمين، أو حتى من لجأوا لبعض التأويل في آيات الصفات، مثل المحاسبي وابن كلاب؛ ولا أدانوا التوجهات الصوفية، غير الفلسفية، المبكرة. وبالرغم من توكيدهم على أولوية النص، فقد قبلوا قدراً من القياس المنضبط، أي الاجتهاد العقلي، في استخراج الأحكام الفقهية، للتعامل مع المسائل الطارئة. مع القرن الرابع والخامس الهجري، تبلور هذا الموقف في تيار جامع، يمثل الأغلبية العظمى للجماعة المسلمة، ويضم في صفوفه أتباع المذاهب الفقهية الأربعة الرئيسة، وأصحاب المذاهب العقدية المتنوعة، من سلفية على مذهب أحمد، أشاعرة، وماتريدية، وحتى من مالوا قليلاً لتصورات المرجئة أو المعتزلة أو الشيعة، فيما يتعلق برأي ما من الآراء. ولأن الصراع على روح الأمة سرعان ما حسم نهائياً لصالح أهل السنة، منذ منتصف القرن الخامس الهجري، ظل أهل السنة التيار الجامع، بالغ التعددية والتنوع للأمة الإسلامية.
الإخوان المسلمون هم أقرب الجماعات الإسلامية لهذه السمة الأصيلة لأهل السنة. يوجد في التيار الإخواني من هم أقرب في اعتقادهم للتصور السلفي الحنبلي، للسلفي الوهابي، للسلفية الإصلاحية، للأشاعرة، لمن يقبل شيئاً من أفكار المعتزلة أو المرجئة، أو حتى من لا يكترث كثيراً بالخلافات العقدية التقليدية؛ من يوافق الشيعة في هذه المسألة أو تلك، ومن ينتمي لأحد المذاهب الفقهية، أو من لا يعتبر الحدود الفقهية المذهبية ملزمة؛ من يؤمن بأن القرآن والحديث هما المصدر الأساسي للدين، ومن لا يرى صحة أغلب الأحاديث؛ من يؤمن بضرورة تحويل الدولة الحديثة إلى دولة إسلامية، أو من يرفض منح هذه الدولة حق تمثيل الدين، ولا يطالب سوى بحرية الدعوة للإسلام واحترام الدولة لقيم المجتمع المسلم ومواريثه. ولدت الجماعة من تصور إسلامي إحيائي، يهدف إلى الحفاظ على الهوية والإجابة على سؤال موقع الدين في المجال العام؛ وبتضخم دور الدولة الحديثة وسيطرتها المتسعة على الاجتماع السياسي، تبلورت لدى الإخوان المسلمين في مصر نزعة سياسية، ورثتها كافة فروع الإخوان الأخرى في العالم العربي. بغير ذلك، وكما أهل السنة، فإن الطريق إلى الله والخلاص الإنساني لدى الإخوان فسيح ومتسع، باتساع جسم الأمة الكبير.
السبب الثاني، والذي يرتبط إلى حد كبير بالأول، أن الإخوان لم يولدوا من مسودة أيديولوجية قاطعة، كما حزب التحرير، أو الجماعات السلفية الراديكالية المحدثة، مثلاً. لا المشروع الإحيائي الإسلامي لدى الإخوان، المبرر الأول لوجودهم، ولا النزوع السياسي، الذي تبلور من الإدراك المتزايد لهيمنة الدولة الحديثة وتحكمها في شؤون البلاد وحياة العباد، يرتكز إلى رؤية أيديولوجية مصمتة.
وهذا ما وفر للجماعة مرونة ودينامية بالغة، وجعلها أكثر استعداداً للتطور والاستجابة للتحديات الفكرية والسياسية طوال أكثر من ثمانية عقود. خلال المرحلة الأولى من تاريخ الإخوان، أي من الثلاثينات وحتى السبعينات، كان التوجه السياسي الإخواني أقرب إلى الدستورية منه إلى الديمقراطية. ولكن، ومنذ مطلع الثمانينات، شهدت الجماعة في مصر وعدد آخر من الدول العربية نقاشاً بالغ الجدية حول الخيار الديمقراطي، انتهى إلى صدور وثيقة العمل السياسي في منتصف التسعينات، التي أقرت التعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة ودور المرأة في العمل السياسي. وبالرغم من أن مسألة تطبيق الشريعة في إطار من الدولة الحديثة ظلت تراود الإخوان المسلمين حتى وقت قريب، لعبت الطبيعة الشعبية الواسعة لحركة الثورة العربية، وإدراك الإخوان لتعقيدات النظام والتوازنات العالمية، دوراً هاماً في التراجع عن هذا المطلب في مرحلة ما بعد الثورات. وربما يمكن القول أنه إن كان الإخوان المسلمون يمثلون الجسم الرئيسي لتيار الإسلامي السياسي، فإن هذا التيار لم يحمل يوماً مشروعاً ناجزاً، بل تصورات متغيرة ومتطورة باستمرار، تتصل اتصالاً وثيقاً بالظروف الموضوعية التي تحيط بها وتستجيب لهذه الظروف.
أما السبب الثالث، فيتعلق بطبيعة المعسكر الذي يقود الحرب على الإخوان المسلمين، والذي يضم بقايا جماعات قومية عربية، تجمعات من رجال الأعمال والليبراليين العرب، عدد قليل من الأنظمة العربية، سيما أنظمة دول نفطية، وعدد من الأجهزة الأمنية والعسكرية والعدلية والإعلامية في دول عربية محددة. مشكلة أغلب هؤلاء، أولاً، أن لا قاعدة شعبية لهم، وأن علاقتهم بعموم الشعب علاقة نخبوية بحتة؛ وثانياً، أنهم متهمون بالفساد واستباحة ثروات البلاد وحقوق الناس؛ وثالثاً، أنهم سيطروا على الحكم والسلطة، من طور إلى آخر، طوال القرن الماضي، وكانت نتيجة سيطرتهم على مقاليد الحكم والسلطة كارثة كبرى، لم يعد من الممكن قبول الشعوب باستمرارها؛ ورابعاً، أن هناك شكاً عميقاً لدى الأغلبية الشعبية في مصداقية ولاء هؤلاء للإسلام واحترامهم لقيمه وتقاليده. في الحرب على الإخوان، تقوم أجهزة الدولة بالزج بخيرة طاقات وخبرات وشبان البلاد في السجون، وتندفع الأصوات الليبرالية والعلمانية إلى الهجوم على تقاليد الإسلام وقيمه، وتضطر أنظمة عربية تقليدية إلى توسيع الهوة التي تفصلها عن شعبها. هذا المعسكر، باختصار، لا يملك الشرعية الكافية ليخوض حرباً ضد جماعة تقف على أرضية أخلاقية أعلى، سواء بنضالاتها من أجل الاستقلال والحرية، بدعوتها إلى الإصلاح، أو بتجذرها في صفوف الشعب بكافة طبقاته وسجل خدمتها الطويل له.
بيد أن هذا لا يعني، بالطبع، أن الحرب لن تترك أثراً ما على الإخوان. الأرجح أنها ستفعل. عندما يعتقل عشرات الآلاف من جماعة إسلامية سياسية، حتى وإن كانت بحجم الإخوان المسلمين، ويجد آلاف آخرون نفسهم في المنفى؛ عندما تصادر المئات من الجمعيات الخيرية والمدارس الأهلية؛ عندما يطرد كبار الأساتذة الجامعيين من مناصبهم التعليمية، ويجد آلاف من المهنيين أنفسهم وقد فقدوا وظائفهم؛ عندما يضيق على الجماعة في البلاد الغربية، حيث تنشط منذ عقود في مناخ الحريات والقانون المتاح؛ وعندما تجد أحزاب تنتمي للجماعة نفسها في مواجهة مليارات الدولارات النفطية التي تصب للتآمر عليها، فلا بد أن تتأثر. ليس ثمة شك في ذلك. ولكن الأثر الذي ستتركه هذه الحرب على الأنظمة والدول التي تتعهدها سيكون أكبر وأعمق بكثير، بداية من تعميق الانقسام المجتمعي، مروراً بفقدان الاستقرار وإحباط روح التنمية والنهوض، وليس نهاية بالمزيد من تآكل أسس الشرعية. 

Last modified في
المشاهدات: 684
0

في كلمته للشعب مساء 30 آذار/مارس، كلمة الشرفة، كما تعرف في تركيا، قال إردوغان ‘إن الأمة لا تقهر’. لمن يقرأ السياسة أو التاريخ السياسي، ليس في هذا النص التوكيدي ما هو جديد؛ إذا لا يكاد يوجد زعيم شعبي في التاريخ الحديث لم يقل، بين آونة وأخرى من مسيرته السياسية، أن الأمة لا تقهر. ولكن ثمة سياقا خاصا هذه المرة، سياق يعطي لتعبير رئيس الحكومة التركية ورئيس حزب العدالة والتنمية أبعاده المعنوية الكاملة. تعيش تركيا منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي مناخ أزمة، أزمة سياسية وتدافعاً بالغ الحدة حول وجهة البلاد وسلامة مؤسسة الدولة. وقد قال إردوغان دائماً أن الديمقراطية تعني أول ما تعني أن الشعب هو صاحب القرار، وليس النخب أو التنظيمات السرية؛ وفي 30 آذار/مارس، قرر الشعب بالفعل، وجعل قراره واضحاً وصريحاً، لا يقبل التأويل. ولم يكن غريباً بالتالي أن يستدعي إردوغان في خطاب النصر إرادة الأمة، التي راهن عليها من البداية.
قبل كانون الاول/ديسمبر، لم يكن لأحد تصور أن تحتل هذه المناسبة الانتخابية الموقع الذي باتت تحتله في مسيرة تركيا الديمقراطية. فهذه، بعد كل ما يمكن أن يقال، ليست سوى انتخابات محلية، كان من المفترض أن ينصب اهتمام الناخبين فيها على شخصية المرشح وقربه من أبناء مدينته أو بلدته، على سجل انجازاته في النهوض بالمدينة ومراعاة مصالح فئاتها المختلفة، أو وعوده للقيام بذلك في السنوات الخمس القادمة. بمعنى، أن الانتخابات المحلية كانت دائماً حول الخدمات المحلية، تنظيم المدن، مواصلاتها، وأسواقها، ولا تتعلق بالضرورة بالسياسات المركزية للحكومة. وهذا ما جعل الأصوات في المحليات تتشتت بصورة واسعة بين الأحزاب الكبيرة والصغيرة، وبفعل عوامل محلية بحتة في معظم الاحيان، بما في ذلك النفوذ العائلي والعصبيات الأهلية. وكان طبيعياً أن تكون نسب التصويت في المحليات منخفضة نسبياً، وأن تعجز الأحزاب الكبيرة عن الحصول على حصص عالية من الأصوات. ومنذ بدأت التعددية الحزبية في تركيا في 1945، لم يستطع حزب واحد تحقيق 46 بالمائة من الأصوات، إلا حزب العدالة في الانتخابات المحلية التي تلت انقلاب 1960، والتي لم تشهد إقبال أكثر من 40 بالمائة ممن يحق لهم التصويت. في هذه المعركة الانتخابية، وصلت نسبة المصوتين إلى أكثر من ثمانين بالمائة من مجموع من لهم حق التصويت، البالغ 52 مليوناً،؛ وهي نسبة إقبال غير مسبوقة في الانتخابات المحلية. الواضح أن حزب العدالة والتنمية حقق زهاء 46 بالمائة من الأصوات، وبات يسيطر على 49 بلدية من بلديات البلاد الواحدة والثمانين. هذا انتصار كبير لرئيس الحكومة التركية، الذي لم يكن خافياً أن جهات نافذة داخل تركيا، وفي الإقليم المشرقي، كما في الساحة الدولية، كانت تنتظر رحيله صباح 31 آذار/مارس، بعد أن أخفقت في إطاحته خلال الشهور القليلة الماضية.
المسألة الأولى في هذه المناسبة الانتخابية، أن المعارضة، وليس سوى المعارضة، مدعومة بجماعة فتح الله غولن، هي التي حولت الانتخابات من سياقها المحلي التقليدي إلى سياق آخر مختلف تماماً، وحول القضايا الكبرى لمستقبل الدولة والبلاد. وما أن توقفت الانتخابات عن أن تكون محلية وحسب، حتى استجاب عموم الأتراك للتحدي، واحتشدوا لحماية المكتسبات التي حققها نظام العدالة والتنمية خلال أكثر من عشر سنوات من الحكم. بدأت الأزمة، كما أصبح معروفاً، بقضية الفساد المدوية في 17 كانون الأول/ديسمبر، التي تعهدها وكيل للنيابة من المعروفين بقربهم من جماعة غولن، وتلتها قضية أخرى بعد أسبوع، تعهدها أيضاً وكيل نيابة من الجماعة. في كلتا القضيتين، كانت الاتهامات هائلة، وكان المتهمون من دوائر سياسية ودوائر رجال مال وأعمال، أغلبهم من المؤيدين للعدالة والتنمية أو المقربين من شخصيات في الحكومة. ولكن المدهش، في القضيتين، أنها تناولت اتهامات لا صلة بينها، وأن أغلب المتهمين الذين قصد بوضعهم أمام الصحافة وعدسات آلات التصوير، لم تكن ثمة روابط بينهم. كان المقصود بالتأكيد تقديم صورة مضخمة لاتهام الحكومة والحزب الحاكم بالفساد، أكثر من التعامل مع قضية فساد فعلية. ما هو أكثر من ذلك، أن الاتهامات تناولت مدير أكبر بنك تركي، بنك خلق، وأحد المؤسسات المالية الصاعدة بقوة متسارعة في الساحة المالية الأوروبية، إضافة إلى بعض من أكبر رجال الأعمال والإنشاءات في البلاد، الذين يقودون شركات تقف في مقدمة القاطرة الأولى للاقتصاد التركي. قضايا كانون الاول/ديسمبر، باختصار، قصد بها إسقاط الحكومة ورئيسها، وصناعة مناخ من القلق وفقدان اليقين المالي والاقتصادي.
ولكن إردوغان لم يهتز، بالرغم من تزايد الأدلة على وجود تفاهم بين حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، وجماعة غولن. وخلال أسابيع قليلة، كان رئيس الحكومة التركية قد اتخذ جملة إجراءات سياسية، بما في ذلك تعديل وزاري واسع، وتشريعية، وتنفيذية. وما إن أصبح واضحاً أن الهجمة الأولى لم تقوض الحكومة ورئيسها، حتى بدأت حملة نشر التسجيلات السرية، التي لم يعد ثمة مجال للشك أنها تستند إلى عملية تنصت تناولت عشرات الآلاف من الأتراك، بما في ذلك كبار رجال الدولة والحكم، طوال الفترة من 2009، نفذت بأدوات الدولة التركية ذاتها، وسربت لجماعة غولن، وأرشفت خارج البلاد. راهن إردوغان طوال شهور الأزمة على حرص الأتراك الموروث على سلامة الدولة، مؤكداً على أن الحملة التي يواجهها ليست حملة سياسية ولا تتعلق بتدافع سياسي تقليدي، بل باختراق واسع لمؤسسة الدولة تتعهده جماعة سياسية سرية، تعمل للسيطرة على قرار الدولة والحكم، بدون أن تتعرض للمحاسبة الشعبية كما في أي نظام ديمقراطي. ليس من الواضح حجم الاستجابة للخطاب الذي تبناه إردوغان خلال الفترة السابقة على انتخابات 20 آذار/مارس، ولكن، وقبل أربعة أيام فقط من يوم الانتخابات، نشرت الجهة التي تحتفظ بأرشيف التسجيلات غير الشرعية، تسجيلاً لجلسة بالغة الحساسية، ضمت وزير الخارجية، ورئيس جهاز الاستخبارات ونائب رئيس أركان الجيش، خصصت لمناقشة الموقف في سوريا. لم يكن من الممكن، حتى للصحف الموالية للمعارضة، سوى وصف نشر التسجيل بالتجسس، ولم يعد ممكناً الجدل بأن مقولة إردوغان في أن الدولة هي المستهدفة كانت صحيحة من البداية.
كان النصر الانتخابي الذي حققه العدالة والتنمية مساء 30 آذار/مارس، بهذا المعنى، نصراً لسياسة الحفاظ على الدولة وسلامتها من التهديد، والحــفاظ على المكتسبات الديمقراطية والاقتصادية التي تحققت خلال العقد الماضي من التبديد.
المسألة الثانية تتعلق بموقف الجانب الآخر لهذه الانتخابات، جانب حزب العدالة والتنمية وحكومته. الواضح أن النضال الرئيسي الذي خاضه الحزب منذ توليه الحكم كان موجهاً ضد النخبة الكمالية، المدنية والعسكرية، التي سيطرت على السلطة والحكم طوال ثمانين عاماً، واعتقدت دائماً أنها تملك البلاد والشعب. في خضم هذا النضال، أجريت تعديلات دستورية واسعة، وسنت تشريعات تناولت مختلف جوانب الحياة وسلطات الدولة، وصولاً إلى سلسلة من المحاكمات التي طالت شبكات نخبوية عسكرية ومدنية، واتهامات بالتآمر على الحكم المنتخب. وبعد 12 سنة من حكم العدالة والتنمية، يمكن القول أن هذا النضال نجح بالفعل في وضع حد لاحتكار النخبة التقليدية للحكم، كما نجح في إخضاع بيروقراطية الدولة العسكرية والمدنية لإرادة الحكومة المنتخبة. ولكن ما لم يلحظه إردوغان وقادة حزبه، ربما، كان هشاشة مؤسسة الدولة الحديثة في بلادنا، حتى في دولة مثل تركيا التي تعتبر وريثة دولة السلطنة في صورتها الأخيرة، دولة ما بعد التنظيمات. ما شهدته تركيا في أشهر الأزمة الأخيرة يشير بوضوح إلى أن جماعة منظمة وسرية، تتمتع بعلاقات ولاء ديني أو شبه ديني، وإمكانيات مادية وخبرات ملموسة، تستطيع بالفعل اختراق أجهزة ودوائر واسعة وبالغة التأثير في جسم الدولة، وتسيير هذه الأجهزة والدوائر لطبقاً لمصالحها وحاجاتها وأهدافها. ما تستدعيه هذه الصورة، إذن، ليس مجرد رد فعل سريع وغاضب على هذا الاختراق، ولكن إعادة بناء لمؤسسة الدولة وأجهزتها، تضمن عدم تكرار مثل هذه الحالة، أو تحد، على الأقل، من تفاقمها. لم يعرف الاجتماع السياسي الإنساني أداة بالغة المضاء والتأثير مثل مؤسسة الدولة الحديثة وتحكمها الواسع في حياة البشر وثقافتهم ونشاطاتهم الاجتماعية. ولا يجب بالتالي أن يسمح، بأي حال من الأحوال، بأن يتعدد مركز قرار الدولة، أو أن يقع قرار الدولة في أيد غير منتخبة، لا تخضع للمحاسبة الشعبية في صورة دورية.
أما المسألة الثالثة فتتعلق بإردوغان نفسه. فقد خاض الزعيم التركي المواجهة خلال الشهور القليلة الماضية بشجاعة وتصميم نادرين. وليس ثمة شك أن عليه تحمل مهمات أخرى قبل الذهاب للانتخابات الرئاسية في آب /أغسطس المقبل، التي أصبح من المرجح أنه سيخوضها، بعد الاستقالة من رئاسة الحكومة والبرلمان. وبينما لا يجب على رئيس الحكومة التهاون، بأي صورة من الصور، في تعهد المهمات الملقاة على عاتقه، بما في ذلك مهمة تطهير وإصلاح وإعادة بناء أجهزة الدولة، فقد بات من الضروي أن يعمل على تخفيف حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها البلاد، سيما وهو في طريقه إلى الترشح لرئاسة الجمهورية. طبقاً للتقاليد التركية، وبغض النظر عن خلفيته السيـاسية، يرى رئيس الجمهورية باعتباره رئيساً للأمــة ككل وليس لمعسكر سياسي ما؛ وهذا ما يجب أن يصبو إليه رجب طيب إردوغان، بعد هذه المسيرة الحافلة في الحياة السياسية الحزبية. 

Last modified في
المشاهدات: 734
0

أضيفت من قبل في ضمن مقالات

توالت التقارير، وهذا المقال يكتب، حول نجاح قوات نظام دمشق، بمساندة من حزب الله والميليشيات الشيعية، في السيطرة على مدينة يبرود. قاتل الثوار في المدينة طوال أسابيع ببسالة نادرة، ولكن مصير يبرود كان محتوماً، منذ بدأت قوات النظام وحزب الله في استهدافها، بدون أن يتوفر للثوار فيها طريق امدادات وتعزيزات منتظمة، يمكن أن يساعد على استمرار القتال في مواجهة قوة تتمتع بتفوق هائل في العدد والنيران، ولا تتقيد بأي قيم أخلاقية للحرب. ولكن، وبغض النظر عن الحسابات العسكرية، فليس ثمة شك أن سقوط المدينة المجاهدة يمثل ضربة معنوية للشعب السوري وثورته. هذه أوقات صعبة في مسيرة الثورة السورية، بالتأكيد، وكما في مسيرة كل الثورات في التاريخ الحديث، تستدعي الأوقات الصعبة مراجعة، أحياناً، وجلداً للذات، في أحيان أخرى. ولأن زمناً ملموساً قد مر اليوم على انطلاق الثورة، فليس من الغريب أن تستند هذه المراجعات إلى بعض من الحقائق، وبعض من الأساطير، وأن يؤسس لجلد الذات على الاثنين معاً.
لم تنطلق الثورة السورية، في 15 أو 18 آذار/ مارس 2011، بإرادة أو قرار قوة سياسية محددة. كان مناخ من الثورة والأمل في التغيير وإعادة بناء الذات السياسية قد اجتاح المجال العربي منذ سقوط وهرب الرئيس التونسي السابق بن علي في كانون الثاني/يناير 2011، وجاء التحاق سوريا بحركة الثورة العربية بصورة طبيعية. في البداية، كان ثمة حراك شعبي، محدود أو واسع النطاق، في عدد من المدن الكبيرة، مثل درعا وحمص وحماة وبعض أحياء دمشق وحلب، كما في دير الزور والقامشلي والرقة، وفي عدد آخر من المدن والبلدات الأصغر في ريف دمشق والساحل والشمال. ولكن النظام سارع، ومن الأيام الأولى للثورة لاستخدام اقصى وسائل القمع مع الشعب، وإلى تصنيف الحراك الشعبي طائفياً. من آذار/مارس إلى منتصف الصيف، اشتغلت آلة النظام الإعلامية، معززة بوسائل إعلام حلفائه، لوصف الحركة الشعبية بالإرهاب، والسلفية، والاندساس من الخارج، في تسويغ سابق التصميم والتصور لآلة القتل الجامحة التي أخذت في حصد أرواح السوريين، ونشر قوات الجيش في أنحاء البلاد، وبناء تماه صلب بين مصير العلويين، وأبناء الأقليات الأخرى، ومصير النظام. النظام، وليس أي قوة أخرى، من عمل من أجل دفع الشعب إلى التسلح، ومن أجل الانتقال بالحركة الشعبية إلى مربع الصراع الطائفي.
في نهاية آب/أغسطس، وعلى نطاق محدود، وبصورة غير ملموسة على الإطلاق، أخذ شعور متزايد وواسع بالإهانة يدفع قطاعات من السوريين إلى حمل السلاح، بداية ببلدات ريف دمشق وحمص. حتى الانشقاقات عن الجيش كانت لم تزل محدودة آنذاك، ولم يكن لأحد أن يأخذ إعلان حفنة الضباط المنشقين الصغيرة عن تأسيس الجيش الحر بأي درجة من الجدية. وفي شوارع المدن والبلدات، استمرت الحشود الشعبية في التوكيد على سلمية الثورة وعلى وحدة الشعب. وليس ثمة دليل على وجود تغيير جوهري في وضع النظام العربي والإقليمي؛ ليس حتى نهاية العام، على أية حال. كان المبعوثون الأتراك والقطريون والسعوديون (الدول التي ستتهم بعد ذلك بالتآمر على النظام) يتوافدون على دمشق، سراً وعلناً، يرجون أن يقوم النظام بمقابلة شعبه في منتصف الطريق، ويعدون بتقديم كل وسائل الدعم الإداري والمالي لإصلاح أحوال الدولة السورية والنهوض بالاقتصاد السوري. في الشارع العربي، السني والشيعي، طالما أصبح التصنيف ضرورياً، كان ثمة رغبة وأمل في أن يصل السوريون لحل، يضع حداً لنزيف الدماء، ويضع سوريا على طريق الإصلاح. مع نهاية 2011، كانت سورية تأخذ انعطافة ثانية، بعد انعطافة اندلاع الحركة الشعبية في آذار/مارس.
كذب النظام المستمر على شعبه وعلى حلفائه الإقليميين، واستمرار القمع الوحشي، سيما بعد الاقتحام الدموي لحمص وحماة، وإخماد الحركة الشعبية في مدن الساحل بأقصى درجات العنف، أسس لقطيعة كاملة في العلاقات مع تركيا والسعودية ودول الخليج، إقليمياً، وإلى توجه متزايد لحمل السلاح، من جهة، وإلى تصاعد حركة الانشقاق في صفوف الجيش، داخلياً. لم تتوجه الثورة نحو التسلح بقرار من حركة سياسية معينة، ولا بتشجيع من قوة عربية أو إقليمية. ولدت جماعات مسلحة، وبصورة متشرذمة، في كافة أنحاء البلاد، سيما في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، حيث التقاليد الإسلامية لم تزل عميقة الجذور، وحيث الشعور بالإهانة في أعمق صوره، وحيث الاغتراب عن الدولة في أشد درجاته. ولكن، هذا التوجه للتسلح لم يجد تأييداً من المجلس الوطني السوري، الذي كان يمثل المظلة الوحيدة للقوى السياسية المؤيدة للثورة آنذاك، قبل أن يولد الإئتلاف الوطني. والذي تعرفه أجهزة النظام ويعرفه حلفاؤه أن الجماعات المسلحة لم تتلق دعماً من الخارج، بأي درجة من الدرجات، طوال الفترة من نهاية 2011 وحتى صيف العام التالي، عندما أخذت تقارير في الإشارة إلى بداية تنسيق سعودي قطري تركي لمد يد العون الإغاثي والمالي والتسليحي للثوار. كان قرار التسلح، باختصار، قراراً شعبياً، كما قرار الثورة نفسها، وهو قرار رسبته سياسات النظام ووسائله القمع الفاشي التي وظفها للتعامل مع شعبه، وعجزه عن تقديم ولو دليل واحد على جدية بحثة عن مخرج سياسي للأزمة الوطنية السورية.
وهنا، تبرز أسطورة الثورة الثانية: أسطورة وجود خيار تفاوضي لم تتعامل معه قوى المعارضة بالجدية الكافية. تصور النظام في البداية أن بإمكانه بالفعل القضاء على الحركة الشعبية، وأنه لا يحتاج للتفاوض مع أحد. ولكن استمرار الحراك واتساع نطاقه، إلى جانب الضغوط المتزايدة من الحلفاء، دفعت النظام إلى اتخاذ جملة من الإجراءات، التي اتضح سريعاً أنها لا تمثل سوى إصلاحات شكلية، لا أثر حقيقاً لها على أرض الواقع. لا إلغاء قانون الطوارىء ولا تعديل الدستور، أشار إلى نهج سياسي جديد. عندما يواجه نظام حكم ما، أي نظام حكم، معارضة شعبية بالمستوى الذي واجهه النظام السوري في 2011، وفي سياق حركة تغيير وإصلاح سياسي عربية، يصبح من الضروري أن يبدي قادة النظام مستوى كافياً للقبول بالتغيير، درجة ملموسة من التغيير. في سوريا، طوال أشهر 2011، كانت دعوات التفاوض الصادرة عن بعض قادة النظام تصدر جنباً إلى جنب مع صيحات ‘ الأسد للأبد أو نحرق البلد’، التي يطلقها شبيحة النظام في شوارع المدن والبلدات السورية. كل القوى السياسية وأغلب الشخصيات العامة داخل البلاد أرادت بالفعل الحوار والتفاوض، حتى عندما أبدى المجلس الوطني تردداً في الذهاب إلى خيار التفاوض. ولكن النظام، على أية حال، لم يطرح الحوار مع المجلس الوطني، ولم يكن يريده. الجلسة الرسمية الوحيدة للحوار الوطني مع طيف واحد من السوريين تقريباً، الذي ترأسه فاروق الشرع، لم تتلوها جلسة ثانية؛ وما إن طرح اسم الشرع كأحد مخارج الأزمة، أخفي نائب الرئيس عن الأنظار كلية، ثم أخرج نهائياً من هيكل الحزب والسلطة. كان بإمكان النظام، لو كان جاداً في دعوة التفاوض، أن يعقد حواراً مع هيئة التنسيق، التي لم تخف أبداً خلافها مع معارضة الخارج ورغبتها في التوصل لتسوية تفاوضية. ولكن النظام لم يتلفت لا لهيئة التنسيق ولا لغيرها. وعندما أجبره الضغط الدولي أخيراً على الالتحاق بمفاوضات جنيف، بذل وفده كل جهد ممكن لإجهاض المسار التفاوضي ومنع تقدمه ولو خطوة واحدة باتجاه الحل. الحقيقة، أن تصور النظام للمسار التفاوضي لم يتغير مطلقاً منذ 2011: أن المقصود بالتفاوض عودة سورية إلى ما كانت عليه قبل آذار/مارس 2011.
ينظر البعض، من جهة ثالثة، إلى حدث الثورة السورية، مقارنة بما شهدته دول الثورة العربية الأخرى، مثل تونس ومصر وليبيا. في ظاهر هذه المقارنة، تبدو سوريا وكأنها غرقت في نزاع أهلي مسلح، ليس له من نهاية، وتبدو الثورة السورية، بآلام لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ الحرب الفيتنامية، وكأنها حدث مديد، لم يعد من الممكن أن يصل إلى نتيجة. حقيقة الأمر، أن ليس ثمة دولة عربية واحدة من دول الثورة يمكن أن يقال بأنها وصلت إلى نهاية الطريق، أو أن عملية الانتقال إلى الحرية والديمقراطية والعدل قد أنجزت بالفعل. كل دول الثورة العربية لم تزل في قلب المعركة على المستقبل، وكلها مهددة بالردة على مكاسب السنوات القليلة الماضية، بينما دول عربية أخرى توشك هي الأخرى أن تنفجر. في هذا التدافع التاريخي الكبير، سيتغير المجال العربي كله، أو لن يتغير. وكان قدر سوريا أن تتحمل العبء الأكبر، والأثقل وطأة، لعملية التغيير؛ ليس فقط لموقعها، فلكل من الدول العربية خصوصياتها الاستراتيجية، ولا لما تختزنه من ميراث تاريخي، فكل بلاد المشرق ترتكز إلى مواريث تاريخية عميقة الجذور، ولا حتى لتعدديتها الإثنية والطائفية، لأن العراق وتركيا وإيران لا تقل عنها تعددية؛ ولكن لسبب آخر، ربما هو الأكثر أهمية من ذلك كله: أن سوريا كـــانت ولا تــزال مفتاح النظام الإقليمي الذي ولد في نهـــاية الحرب الأولى، النظام الذي أسس لقرن كامل من الإهانة والبؤس وعدم الاستقرار.
ليس لأحد أن يتنبأ، على وجه اليقين، بما يمكن أن يؤول إليه مصير سوريا في المدى القصير، ولكن المتيقن أن النظام الفاشي في دمشق، ومهما بلغت قدرته على التدمير والقتل، ومهما كان حجم الحشد الطائفي الإقليمي، والاستبدادي الدولي، الذي يسانده، لن يستطيع أن يعيد تأسيس سيطرته على سوريا، ولن يستطيع إعادة بناء نظام تحكمه بالسوريين. أثبت النظام مصداقية بالفعل عندما هدد الشعب بالعودة إلى زمن الخضوع أو التدمير الشامل، وسيثبت السوريون مصداقية أكبر لإعلانهم بأنهم لن يركعوا بعد اليوم إلا لخالقهم 

Last modified في
المشاهدات: 767
0

أضيفت من قبل في ضمن مقالات

 توالت التقارير، وهذا المقال يكتب، حول نجاح قوات نظام دمشق، بمساندة من حزب الله والميليشيات الشيعية، في السيطرة على مدينة يبرود. قاتل الثوار في المدينة طوال أسابيع ببسالة نادرة، ولكن مصير يبرود كان محتوماً، منذ بدأت قوات النظام وحزب الله في استهدافها، بدون أن يتوفر للثوار فيها طريق امدادات وتعزيزات منتظمة، يمكن أن يساعد على استمرار القتال في مواجهة قوة تتمتع بتفوق هائل في العدد والنيران، ولا تتقيد بأي قيم أخلاقية للحرب. ولكن، وبغض النظر عن الحسابات العسكرية، فليس ثمة شك أن سقوط المدينة المجاهدة يمثل ضربة معنوية للشعب السوري وثورته. هذه أوقات صعبة في مسيرة الثورة السورية، بالتأكيد، وكما في مسيرة كل الثورات في التاريخ الحديث، تستدعي الأوقات الصعبة مراجعة، أحياناً، وجلداً للذات، في أحيان أخرى. ولأن زمناً ملموساً قد مر اليوم على انطلاق الثورة، فليس من الغريب أن تستند هذه المراجعات إلى بعض من الحقائق، وبعض من الأساطير، وأن يؤسس لجلد الذات على الاثنين معاً.

لم تنطلق الثورة السورية، في 15 أو 18 آذار/ مارس 2011، بإرادة أو قرار قوة سياسية محددة. كان مناخ من الثورة والأمل في التغيير وإعادة بناء الذات السياسية قد اجتاح المجال العربي منذ سقوط وهرب الرئيس التونسي السابق بن علي في كانون الثاني/يناير 2011، وجاء التحاق سوريا بحركة الثورة العربية بصورة طبيعية. في البداية، كان ثمة حراك شعبي، محدود أو واسع النطاق، في عدد من المدن الكبيرة، مثل درعا وحمص وحماة وبعض أحياء دمشق وحلب، كما في دير الزور والقامشلي والرقة، وفي عدد آخر من المدن والبلدات الأصغر في ريف دمشق والساحل والشمال. ولكن النظام سارع، ومن الأيام الأولى للثورة لاستخدام اقصى وسائل القمع مع الشعب، وإلى تصنيف الحراك الشعبي طائفياً. من آذار/مارس إلى منتصف الصيف، اشتغلت آلة النظام الإعلامية، معززة بوسائل إعلام حلفائه، لوصف الحركة الشعبية بالإرهاب، والسلفية، والاندساس من الخارج، في تسويغ سابق التصميم والتصور لآلة القتل الجامحة التي أخذت في حصد أرواح السوريين، ونشر قوات الجيش في أنحاء البلاد، وبناء تماه صلب بين مصير العلويين، وأبناء الأقليات الأخرى، ومصير النظام. النظام، وليس أي قوة أخرى، من عمل من أجل دفع الشعب إلى التسلح، ومن أجل الانتقال بالحركة الشعبية إلى مربع الصراع الطائفي.

في نهاية آب/أغسطس، وعلى نطاق محدود، وبصورة غير ملموسة على الإطلاق، أخذ شعور متزايد وواسع بالإهانة يدفع قطاعات من السوريين إلى حمل السلاح، بداية ببلدات ريف دمشق وحمص. حتى الانشقاقات عن الجيش كانت لم تزل محدودة آنذاك، ولم يكن لأحد أن يأخذ إعلان حفنة الضباط المنشقين الصغيرة عن تأسيس الجيش الحر بأي درجة من الجدية. وفي شوارع المدن والبلدات، استمرت الحشود الشعبية في التوكيد على سلمية الثورة وعلى وحدة الشعب. وليس ثمة دليل على وجود تغيير جوهري في وضع النظام العربي والإقليمي؛ ليس حتى نهاية العام، على أية حال. كان المبعوثون الأتراك والقطريون والسعوديون (الدول التي ستتهم بعد ذلك بالتآمر على النظام) يتوافدون على دمشق، سراً وعلناً، يرجون أن يقوم النظام بمقابلة شعبه في منتصف الطريق، ويعدون بتقديم كل وسائل الدعم الإداري والمالي لإصلاح أحوال الدولة السورية والنهوض بالاقتصاد السوري. في الشارع العربي، السني والشيعي، طالما أصبح التصنيف ضرورياً، كان ثمة رغبة وأمل في أن يصل السوريون لحل، يضع حداً لنزيف الدماء، ويضع سوريا على طريق الإصلاح. مع نهاية 2011، كانت سورية تأخذ انعطافة ثانية، بعد انعطافة اندلاع الحركة الشعبية في آذار/مارس.

كذب النظام المستمر على شعبه وعلى حلفائه الإقليميين، واستمرار القمع الوحشي، سيما بعد الاقتحام الدموي لحمص وحماة، وإخماد الحركة الشعبية في مدن الساحل بأقصى درجات العنف، أسس لقطيعة كاملة في العلاقات مع تركيا والسعودية ودول الخليج، إقليمياً، وإلى توجه متزايد لحمل السلاح، من جهة، وإلى تصاعد حركة الانشقاق في صفوف الجيش، داخلياً. لم تتوجه الثورة نحو التسلح بقرار من حركة سياسية معينة، ولا بتشجيع من قوة عربية أو إقليمية. ولدت جماعات مسلحة، وبصورة متشرذمة، في كافة أنحاء البلاد، سيما في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، حيث التقاليد الإسلامية لم تزل عميقة الجذور، وحيث الشعور بالإهانة في أعمق صوره، وحيث الاغتراب عن الدولة في أشد درجاته. ولكن، هذا التوجه للتسلح لم يجد تأييداً من المجلس الوطني السوري، الذي كان يمثل المظلة الوحيدة للقوى السياسية المؤيدة للثورة آنذاك، قبل أن يولد الإئتلاف الوطني. والذي تعرفه أجهزة النظام ويعرفه حلفاؤه أن الجماعات المسلحة لم تتلق دعماً من الخارج، بأي درجة من الدرجات، طوال الفترة من نهاية 2011 وحتى صيف العام التالي، عندما أخذت تقارير في الإشارة إلى بداية تنسيق سعودي قطري تركي لمد يد العون الإغاثي والمالي والتسليحي للثوار. كان قرار التسلح، باختصار، قراراً شعبياً، كما قرار الثورة نفسها، وهو قرار رسبته سياسات النظام ووسائله القمع الفاشي التي وظفها للتعامل مع شعبه، وعجزه عن تقديم ولو دليل واحد على جدية بحثة عن مخرج سياسي للأزمة الوطنية السورية.
وهنا، تبرز أسطورة الثورة الثانية: أسطورة وجود خيار تفاوضي لم تتعامل معه قوى المعارضة بالجدية الكافية. تصور النظام في البداية أن بإمكانه بالفعل القضاء على الحركة الشعبية، وأنه لا يحتاج للتفاوض مع أحد. ولكن استمرار الحراك واتساع نطاقه، إلى جانب الضغوط المتزايدة من الحلفاء، دفعت النظام إلى اتخاذ جملة من الإجراءات، التي اتضح سريعاً أنها لا تمثل سوى إصلاحات شكلية، لا أثر حقيقاً لها على أرض الواقع. لا إلغاء قانون الطوارىء ولا تعديل الدستور، أشار إلى نهج سياسي جديد. عندما يواجه نظام حكم ما، أي نظام حكم، معارضة شعبية بالمستوى الذي واجهه النظام السوري في 2011، وفي سياق حركة تغيير وإصلاح سياسي عربية، يصبح من الضروري أن يبدي قادة النظام مستوى كافياً للقبول بالتغيير، درجة ملموسة من التغيير. في سوريا، طوال أشهر 2011، كانت دعوات التفاوض الصادرة عن بعض قادة النظام تصدر جنباً إلى جنب مع صيحات ‘ الأسد للأبد أو نحرق البلد’، التي يطلقها شبيحة النظام في شوارع المدن والبلدات السورية.

كل القوى السياسية وأغلب الشخصيات العامة داخل البلاد أرادت بالفعل الحوار والتفاوض، حتى عندما أبدى المجلس الوطني تردداً في الذهاب إلى خيار التفاوض. ولكن النظام، على أية حال، لم يطرح الحوار مع المجلس الوطني، ولم يكن يريده. الجلسة الرسمية الوحيدة للحوار الوطني مع طيف واحد من السوريين تقريباً، الذي ترأسه فاروق الشرع، لم تتلوها جلسة ثانية؛ وما إن طرح اسم الشرع كأحد مخارج الأزمة، أخفي نائب الرئيس عن الأنظار كلية، ثم أخرج نهائياً من هيكل الحزب والسلطة. كان بإمكان النظام، لو كان جاداً في دعوة التفاوض، أن يعقد حواراً مع هيئة التنسيق، التي لم تخف أبداً خلافها مع معارضة الخارج ورغبتها في التوصل لتسوية تفاوضية. ولكن النظام لم يتلفت لا لهيئة التنسيق ولا لغيرها. وعندما أجبره الضغط الدولي أخيراً على الالتحاق بمفاوضات جنيف، بذل وفده كل جهد ممكن لإجهاض المسار التفاوضي ومنع تقدمه ولو خطوة واحدة باتجاه الحل. الحقيقة، أن تصور النظام للمسار التفاوضي لم يتغير مطلقاً منذ 2011: أن المقصود بالتفاوض عودة سورية إلى ما كانت عليه قبل آذار/مارس 2011.

...
Last modified في
المشاهدات: 705
0

استطلاع الرأي

بعد حكم الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين.. هل سينفذ النظام المصري الحكم؟