26032017الأحد
Top Banner
pdf download
12 يناير 2017

الإسلاميون وركائز الظالمين (2)

عنتر فرحات

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

ذكرنا أنه كلما تسلل إلى السلطة حاكم ظالم، وكان ذلك بسبب فترات تراكمية توالت على الأمة؛ فليس أمام حاكمها -الذي تسلط وضعف عن أداء واجباته- إلا أحد طريقين للسيطرةِ المطلقة، وضمان بقائه في السلطة: الملك الجبري أو التضليل الديني.

 

ومن هنا بدأت تظهر جليا ملامح التصوف بشقيه الجهادي الذي يرفض حكم الظالمين، ويدخل في صراع مع الحاكم، والطرف الثاني اعتزال دنيا الناس؛ لأن الصراع مع الحاكم -وهو صراع سياسي وليس ديني- وما يترتب عليه من إراقة دماء المسلمين؛ لذلك وجدنا الحسن رضوان الله عليه يتنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عن الصحابة أجمعين، مع أن الحسن كان أحق وأولى بالخلافة من معاوية، وتنازل الحسن ليس من ضعف ولكن إحقاقا للنبوة (‏إن ابني هذا سيد ‏ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين) البخاري.

 

أما الشهيد الحسين، فقد اختار طريق المواجهة؛ لذلك توجه إلى الكوفة، وقد وجدنا كثيرًا من الصحابة قد رأوا غير ما يراه، حتى أن ابن عمر وأخوه محمد بن الحنفية حاولا أن يُثْنِيَاه، ولكنه قال: (لله الأمر يا ابن عمر، وكل يوم ربنا في شأن،  فإن نزل القضاء فيما نحب، فنحمد لله على نعمته، وإن حال القضاء دون الرجعة، فلم يَعْتَدِ مَنْ كَانَ الحق نيته، والتقوى سريرته)، ومضت من حينها سنة إنكار المنكر على الحكام، مع الشهيد حسين.

 

وفي هذه الفترة -الحكم الأموي- تُفْتَحُ الدنيا على الناس، وجدنا كثيرًا من الزهاد بدؤوا يعتزلون الحياة، وبدأت النواة الحقيقية للتصوف تظهر على قِلتها، ومع تسلط بني أمية، وجدنا من ينكر عليهم، مثل ابن عمر من الصحابة، ومن التابعين سعيد بن جُبير، وابن المسيب، والحسن البصري، إلا أننا وجدنا كثيرا من العلماء من اختاروا الانعزال وعدم المواجهة، عملا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن) متفق عليه، وأُسوة بسيدنا أبي ذر (رحم الله أبا ذر، يمشي وحيدا، ويموت وحيدا، ويبعث وحيدا) الحاكم في المستدرك... والأمثلة في ذلك كثيرة.

 

ومع مجيء العباسيين، وخاصة في صدر خلافتهم، والبطش الشديد الذي عُرف عن السفاح أبو العباس، ثم أبي جعفر، ما كان فِعْلًا مُمَهِدًا للتصوف الانعزالي، الذي جعل كثيرًا من العلماء يقعون إما تحت رحمة سيف السلطان، (ويكفي التدليل على ذلك أن الإمام أبا حنيفة مات في السجن، والإمام مالك إمام دار الهجرة، حيث كان لا يستطيع رفع يديه في الصلاة من شدة التعذيب)، أو لا يخرجون عن سياسته، وإما اعتزال دنيا الناس، كما رأينا ذلك عند بعض العلماء في زمن الأمويين.

 

وتبدأ ملامح المدرسة الصوفية التعبدية الانعزالية، تتجلى أكثر في هذه الفترة، حيث ابتعدت واعتزلت السياسة لظلم وجور الحكام، واعتزلت حياة الناس؛ للبذخ الكبير الذي كانت تعيشه الرعية زمن الدولة الأموية؛ التي أَغْدَقَتْ العطايا على الناس، سواء في فترة معاوية، وذلك إضافة إلى كرمه، إلا أن كثيرا من الناس كان حُبُّهُم أكبر لـ ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأما بعد معاوية، وذلك لأن دم الحسين أزعج البيت الأموي كثيرا، فكان لا بد من إخماد هذا الدم الفائر؛ بكثرة العطايا.

 

ثم تتجسد هذه المدرسة في العهد العباسي، وخير مثال على ذلك رسالة الإمام ابن المبارك لما كان بطرسوس إلى عابد الحرمين، الإمام الزاهد الفضيل بن عياض.

يَاعابِدَ الحَرَمينِ لَوْ أبصرتنا ::: لعلمت أنك بالعبادة تَلْعَبُ

مَنْ كان يَخْضِبُ خَده بِدموعه ::: فَنُحُورنا بدمائنا تَتَخَضب

أو من كان يتعب خيله في باطل ::: فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

رِيحُ العَبِيرِ لكم ونحن عَبِيرُنَا ::: رَهَجُ السَّنَابِك والغبار الأطيب

 

ثم مع ظلم الخلفاء، وعدم مواجهتهم من العلماء الذين استطاع الحاكم قهرهم، وتَسَارُعِ الظلم في الرعية، لم تجد الرعية من تشكوا إليه الحال التي آلت إليه إلا أُولَاءِ المنعزلين المنقطين لعبادة الله عز وجل.. فكان الناس يذهبون إليهم ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم، إما عند السلطان الذي مازالت لهم عنده هيبة ورهبة، وإما يطلبون منهم الدعاء لتخفيف ما نزل بهم.

 

ومرة أخرى هؤلاء المتصوفة الذين اعتزلوا دنيا الناس يجدون أنفسهم جزءًا من مشاكل الناس، وقد زُجَّ بهم في هذا الصراع الدائر بين السلطان والرعية، وكان لهم دور كبير في هذه الفترات.

 

ولكن لكل زمن يوجد متسلقين وانتهازيين، لما وجدوا هذه المكانة لهؤلاء الناس إما عند السلطان، وإما عند الرعية، أصبح التصوف حينها مِهنَةَ كثيرٍ من الناس، وما قصة المقامات الأدبية إلا حكاية لهذه المجتمعات، والتي أصبح فيها التصوف مِهْنَةً، حيث مع تغلغل هؤلاء الانتهازيين في هذه المدرسة، أذهبوا جوهرها المكنون، واستطاعوا أن يقتلوا تلك الروح الطاهرة البريئة، وأصبح التصوف مثل أي مهنة، وتغلغل الفساد في الأمة، والأمثلة في ذلك كثيرة ولا نريد أن نخوض فيها.

 

 لذلك في فترة من الزمن وجدنا الخلافة العباسية ممزقة أيما تمزق، الفاطميون استولوا على المغرب العربي ثم القاهرة، أي كل  الشمال الأفريقي، البويهيون في العراق ومناطق شاسعة من أراضي خوراسان وما جاورها، وفي هذه الفترة، تحديدًا، انتشرت الطرق الصوفية انتشارًا كبيرًا، ولكن تصوف ليس كالتصوف الذي كان عند أهل الصفة أو سيدنا أبو ذر والحسن البصري، وإنما هو تصوف ممزوج بنكهة الحاكم، تصوف بهوى الحكام، وهو السبب المباشر في سيطرة الحكام على الرعية، وأنه لا يجوز الخروج عليهم، ولا مُجَابَهَتُهُم فيما هم عليه، القدس تحت الصليبين ولا داعي للجهاد، المجاعة تضرب القاهرة تحت حكم الفاطميين، ولا أحد يحمل الحكام الفاطميين المسئولية، أصحاب الطرق يقرؤون الأوراد؛ لأن قراءتهم للأوراد هي التي سترد بطش الصليبيين الغاصبين، وستفرج عن أهل القاهرة، كما تنقل لنا كتب التاريخ، لما كان الصليبيون يحاصرون سواحل دمياط، كانت الطرق تقرأ صحيح البخاري؛ لأنه ببركة القراءة ستطرد القوات الصليبية.

 

تنبيه

أكبر ثلاث علماء أُوذوا ولم يعطوا حقهم عبر التاريخ:  الإمام ابن حزم، والإمام الغزالي، وشيخ الإسلام ابن تيمية.. هؤلاء لم يكونوا علماء شرع فحسب، بل كانوا مفكرين، جاوزا أزمانهم بفكرهم، لذلك وجدناهم أكبر ضحية خاصة عند علماء السلطان، وللأسف مازالوا ضحية إلى يوم الناس هذا.

 

في هذه الفترة العصيبة، وبينما كان الراهب يركب الحمار، ويحرض الناس في أوربا على غزو بلاد المسلمين، من أجل أن تبقى أورشليم (القدس) في حكمهم، ظهر إمام وإن كان يعيش في تلك الفترة إلا أن عقله جاوزها بقرون كثيرة، إنه حجة الإسلام الإمام الغزالي (450-505هـ) أدرك أن قوة الأمة في دينها، وسبب الضياع والتفكك هو ما تعيشه من فرقة وبعد عن الدين، وبعقل الفيلسوف، وبنظر المجتهد الأصولي الضليع، وفهم الفقيه العالم بخفايا ودقائق القضايا، والعالم الروحي الذي عانق النفس وأسرارها، أدرك أن أكبر خلل تعيشه الأمة هو البعد عن الدين، وأن هذا التصوف، ما هو إلا طقوس بلا روح، لذلك بدأ يرسم معالم التصوف الذي كان عليه السلف الصالح، السلوك القويم الذي كان عليه الصحابة عليهم الرضوان.

 

ومن هنا بدأت تظهر هذه المدرسة، التصوف الذي يدعو للجهاد، واسترداد القدس، وليس التصوف الذي كان سبب هلاك الأمة.. وهذه الأجيال التي ستتربى في هذه المدرسة، هي التي وجدناها جندا في جيش الزنكيين، ثم أبطالا فاتحين مع الناصر صلاح الدين.

وسائط

استطلاع الرأي

هل تستطيع حكومة الكيان الصهيوني فرض منع أذان الفجر بعد حكم المحكمة بذلك؟